سبتة ومليلية..ثغران سياديان،بين مملكتين

رمضان مصباح

ملكة بالفعل ،وملكية بالقوة:
نُفْرةُ أواخر يوليوز2026 ، تعد أزمة سبتة فقط،بل أزمة اسبانيا كلها : ملكية ،حكومة،وشعبا؛ والكل يتهم:
*اتهام ل « بيدرو سانشيز » بأنه أصبح سفيرا لصاحب الجلالة باسبانيا؛وأكثر من هذا اتهامه بالسعي الى قلب الملكية جمهورية ،يتولاها نيابة عن ملك المغرب.
تستند هذه الاتهامات ،وهي تندرية طبعا، الى موقفه المتوازن والمهدئ ،وعدم مسارعته الى اتهام المغرب ،بالتحريض على اقتحام سياجات المدينتين ؛وحتى تبرئة الأجهزة المغربية كلية.
وهذا ما لايراه خصومه المتشددون ،الراغبون في اسقاط حكومته.
*واتهام للملكية ،أيضا، بكونها مقصرة في حق ساكنتي سبتة ومليلية؛تقدم رجلا وتؤخر أخرى ،لتتخلف كلية عن دعمهما وهما في خضم الأزمة؛ولو بزيارة لساعات .
وتذكيرها – تنقيصا – حتى وهي تقرر الزيارة ،بضرورة حصولها على اذن من الحكومة؛ اعتبارا لحساسية الثغرين المتمتعين بالحكم الذاتي ،مما يستدعي توازنات ومشاورات دبلوماسية.
يذكرني هذا بزيارة السلطان الحسن الأول لمدينة وجدة- شتنبر 1876م- التي أربكت الاستعمار الفرنسي،وهو على مرمى حجر بالجزائر؛مما استوجب بروتوكولا خاصا ومعقدا تحكم في زيارة مجاملة ،قام بها قادة الجيش الكبار لمحلة السلطان بسيدي يحيى؛وقد تعرضت لهذا بالتفصيل في مقال سابق.
تعقيد زيارة الملكية الاسبانية للمدينتين المغربيتين ،نابع من كونها – في نظري – ملكيتين وليستا واحدة،كما الظاهر:
ملكية بالفعل :
تمثل السيادة في التراب الاسباني الأصلي ؛شمال الأبيض المتوسط؛بدءا من 1492م،تاريخ سقوط غرناطة ،آخر المعاقل ألإسلامية على يد الملكين الكاثوليكيين : « فيرناندو الثاني » ملك أرغون ،و »ايزابيلا » الثانية ملكة قشتالة .
وللدقة فقد تأسست هذه الملكية ،بشكلها الموحد الحديث ،سنة1479م؛من خلال الاتحاد الناتج عن زواج الملكين.
(تأسست دولة الأدارسة المغربية في789م)
وملكية بالقوة:
تتواجد – مستعمرة – في المدينتين :1668 م بالنسبة لسبتة؛ و1497م،بالنسبة لمليلية.
وتمد أذرعها ،حقيقة أو افتراضا، في :
*الجزر الجعفرية(اشفارن)،في سواحل قرية أركمان.
*جزر الحسيمة،وهي ثلاث جزر قبالة شاطي الحسيمة.
*صخرة بادس ،التي أصبحت متصلة بريا بالتراب المغربي الريفي.
*جزيرة « تورا- ليلى- في مضيق جبل طارق ؛على بعد200م ،فقط، من الساحل المغربي.
وعليه فالملك الاسباني « فليب السادس » سيد نفسه ،في زياراته للتراب الاسباني الأصلي؛لكن في زياراته للثغرين المستعمرين ،والخارجين حتى عن نفوذ الاتحاد الأوروبي ،مضطر للتنسيق مع حكومته.
الملكية بالقوة،هذه ،لاتمتلك شرعية التحول الى ملكية بالفعل ،إلا اذا تنازل المغرب عن المطالبة بمدينتيه وجزره وصخوره؛وهذا لم يحصل ،ولن يحصل.
هل تخفي الحكومة الاسبانية شيئا؟
يستشف من الهجمة الشرسة ، الداخلية ،التي تتعرض لها الحكومة الاسبانية، أن نهجها المهادن مع الحكومة المغربية ؛وصولا الى الاجتهاد في الذرائع؛ومنها تحميل مسؤولية الهجرة المتوحشة للحكم القضائي الذي يمنع اعادة من عبر بحرا الى سبتة،ولمواقع التواصل الاجتماعي ،ولدول أخرى ،لها مصلحة في التحرش باسبانيا ،لموقفها من القضية الفلسطينية ؛أو لها حساب مع النفوذ الأوربي ،المنخرط في الحرب الروسية الأوكرانية.
كل هذا لا يرضي المعارضة ؛وهي تضخم تصريحات وزير العدل المغربي،وما أشار اليه وزير الأوقاف في كلمته أمام العاهل المغربي.
وتعرض تقارير وأشرطة لقوات عمومية مغربية ،تدير ظهرها للعابرين الى سبتة،أو تحرضهم .
وتخلط بين كل التوابل ،لتقول بالغزو المغربي ،الهجروي ، للمدينتين ؛وفي خلفية الصورة المسيرة الخضراء التي حررت فعلا الصحراء.
يوم سبتة:
تقرر الاحتفال ب: DIA DE CEUTA سنة 1997،وفق مقرر للبرلمان المحلي.
اختير هذا التاريخ لموافقته ل: 2شتنبر 1415م، وهو اليوم الذي عين فيه ملك البرتغال « خوان الأول » الحاكم الرسمي الأول للمدينة: PEDRO DE MINISSE.
لكن هذه السنة ،وتحت تأثير الأزمة،شُحن هذا اليوم بنزعة يمينية متطرفة ؛وصلت الى حد تمزيق الراية المغربية ؛وسط حشود ضخمة جابت شوارع بعض المدن الاسبانية.
يحصل هذا ،ربما، لأول مرة ؛ومن المفارقات أن تكون العلاقة بين الدولتين في أوجها ،نظرا للموقف الصريح من قضية صحرائنا.
كيف تطورت الأمور الى هذا الحد ؛في ظل علاقات ديبلوماسية واقتصادية وثيقة؟
هل هو ،فعلا، احتفال روتيني بيوم المدينة ؛تخللته تشنجات مفهومة ،يبررها أكثر من سبب ؟
أم وراء الأكمة ما وراءها؟
مما يفوق مجرد هجرة تتكرر ، وقد حدثت من قبل ،دون أن يهتز لها الوسط السياسي والشعبي.
اقترب لاسبانيا حسابها:
لعل هذا ما يرتسم في خلفيات كل المواقف الاسبانية :ملكية ،حكومة ، معارضة ،وشعبا.
لقد أصبت المملكة المغربية بوطأة ديبلوماسية دولية ؛وهذا راجع لعوامل عدة ،أهمها ثباتها جغرافية آمنة ،وفاعلة في محيطها الافريقي والأوروبي ؛معززة بتزكية شرعيتها التاريخية –أمميا- في صحرائها .
وبدينامية حضارية وثقافية ،تستدخل التعدد ،التسامح، والانفتاح.
وغدت بعقيدة عسكرية راسخة ،قائمة على الاستثمار في الكيف بدل الكم؛ومنفتحة على أسواق التسلح العالمية؛اضافة الى ميلاد صناعات عسكرية ذاتية.
عقيدة عسكرية أصيلة الانتماء الى التاريخ العسكري المغربي ؛بكل مفاخره ؛في انفتاح اليوم على مختلف تجارب العسكريات القوية في العالم.
ليس صدفة أن يتساءل محلل اسباني استراتيجي،أخيرا ،عن امكانيات الدعم المتاحة لاسبانيا ،حال نشوب حرب بينها وبين المغرب.
لم تكن هذه الهيبة واردة في أزمة جزيرة ليلى؛حيث تغطرست اسبانيا.
ومصدر آخر للقوة:
يتجلى في الصمت الملكي الحالي ،ازاء كل ما يجري في شبه الجزيرة الايبيرية،وله تعلق بالمغرب.
لم يكسر هذا الصمت ما صدر عن السيدين وهبي والتوفيق؛وإنما رسخاه ؛لأن ما بين المملكتين عريق جدا ،ويعلو على تشابك الحكومتين بين الفينة والأخرى.
مملكتان واقفتان على الثغر الأوربي الافريقي ؛ولن يديما فيه وضعا يقلق أمنه ،الى ما لانهاية.
ماذا يشكل الثغران ،بصخورهما وجزرهما،بالنسبة لمصالح كبرى اسبانية مغربية ، وأوروبية افريقية ، وعالمية ؛خصوصا ووضع مضيق هرمز عاض على الأمن التجاري العالمي.؟
بوسع اسبانيا التنازل ،بسرعة ،عن ظَفْريها المؤلمين ؛الواقعين ضمن مملكة القوة كما أسلفت.
لصالح التاريخ والحاضر المتلاحمين ؛ولصالح مشروع الربط القاري الضخم.
طريق الحرير الأخرى ،بالنسبة للمملكتين ،ان شئتم.
وأختم بالقول – ربما لأول مرة – ان ما سقط بالأندلس ،ليس حكم الاسلام ،كما روج المشارقة ؛بل حكم المغرب ،بدءا من يوسف بن تاشفين المرابطي.
والهجرة بعدالسقوط – مسلمين ويهودا- كانت للمملكة المغربية .
وما اقتطع من صخور وحواضر وأرباض – عقابا – حدث بالمغرب وليس المشرق.
وبهذا يكون المغرب ،بخروجه من الأندلس ،أسهم في تأسيس الملكية الاسبانية الحديثة،كما أسلفت.
فاخرجي أيتها الملكية من الثغرين ؛فعليك دينٌ تاريخي.
ومرحليا احصريهما بين سيادتين ملكيتين؛تتحدثان لغة التاريخ ؛وهي لغة غير نزقة ،تستوي على البارد وليس الآني الحار.




Aucun commentaire