ملك بار أو الموليمة، حكاية مقهى من زمن تاوريرت الجميل.كانت مقهانا المفضلة لمشاهدة البطولة الاسبانية على شاشة التلفزة المغربية (إتم )التي كانت تنقل لنا مقابلتين في الاسبوع السبت والاحد.

محمد حطحوط

من أشهر المقاهي التي طبعت ذاكرة مدينة تاوريرت أيام الزمن الجميل، يظل مقهى ملك بار (Milk Bar)، أو «الموليمة» كما كان يسميه عامة الناس من أبناء المدينة، واحداً من الفضاءات التي يصعب أن تمر بذاكرتها دون أن تستحضر معها صوراً ومواقف ووجوهاً لا تنسى ،اتذكر بانه كان مقرا لشيوخ تاوريرت تلك الفرقة الفلكلورية التي كانت تظم الشيخ بنديدي واحمد العيساوي وميمون دردور وغيرهم.كان هذا المقهى أشبه بتحفة معمارية وسط المدينة، يحتل موقعاً متميزاً بين شارع محمد الخامس وطريق تازة، المعروف اليوم بطريق المغرب العربي. لم يكن مجرد مقهى عادي، بل كان فضاءً أنيقاً له مكانته الخاصة، وملتقى لعدد كبير من أبناء تاوريرت ، من مختلف الأعمار والفئات، ممن كانوا يجدون فيه متعة اللقاء ودفء الصحبة وجمال الأوقات.كانت طاولاته تحتضن عشاق لعبة الرامي والبيار وأوراق الكارطة ولعبة اللوطو او الكرطون خلال شهر رمضان بصوت بابا رحمه الله ، حيث تمتد جلسات اللعب والنقاش، وتتعالى أحياناً الضحكات والتعليقات الطريفة، في أجواء طبعتها الألفة وروح الأخوة. وكان للمقهى ركنه الخاص بالمأكولات، من خلال مطعم صغير يوفر للزبائن الحريرة الساخنة والبروشيط، وهي أطباق كانت تضفي على المكان نكهة خاصة، وتجعل منه محطة مفضلة لمن أراد احتساء قهوته أو تناول وجبة خفيفة أو لقاء أصدقائه.ومن منا لا يتذكر بعض الوجوه التي ارتبطت بهذا الفضاء، وعلى رأسها النادلان الدلال وبوزداين وابراهيم السوسي وجبيلو وغيرهم من العاملين الذين كانوا جزءاً من ذاكرة المكان؟ لقد كانوا يعرفون رواده ووجوههم وطلباتهم، حتى أصبح حضورهم جزءاً من يوميات المقهى وحكاياته.في ذلك الزمن، لم تكن المقاهي مجرد أماكن لاستهلاك القهوة والشاي، بل كانت مدارس للحياة الاجتماعية، ومجالس للتعارف وتبادل الأخبار ومناقشة شؤون المدينة والرياضة والفن والحياة اليومية. كانت العلاقات الإنسانية فيها أقوى من ضجيج الحياة، وكانت الجلسة البسيطة مع الأصدقاء كافية لتصنع يوماً جميلاً وذكرى لا تمحى.أما اليوم، فقد اختفى ذلك المعلم من الوجود، وتغيرت ملامح المكان، وتحول فضاؤه إلى ساحة، وبقيت منه الذكريات والصور التي تختزنها ذاكرة جيل عاش تلك المرحلة. رحل المقهى، لكن اسمه لم يرحل، وظلت «الموليمة» حاضرة في أحاديث أبناء تاوريرت كلما عاد بهم الحنين إلى أيام مضت.
إن الكتابة عن ملك بار ليست مجرد استعادة لتاريخ مقهى، بل هي استحضار لجزء من الذاكرة الجماعية لمدينة تاوريرت، ولزمن كانت فيه للأماكن روح، وللوجوه ألفة، وللجلسات البسيطة قيمة كبيرة.فكم من حكاية بدأت حول طاولة في الموليمة؟ وكم من صداقة ولدت بين جدرانها؟ وكم من وجه غادر الحياة وبقي اسمه حاضراً في ذاكرة المكان؟
رحم الله من رحل من روادها، وأطال الله في عمر من بقي منهم، وجعل هذه الكلمات نافذة صغيرة نطل منها جميعاً على زمن جميل لا يعود، لكنه لا يغيب عن الذاكرة
. ورقة بقلم Mohammed Hathout




Aucun commentaire