Home»National»المعجم العربي العصري وإشكالاته المنعقدة بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب

المعجم العربي العصري وإشكالاته المنعقدة بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب

1
Shares
PinterestGoogle+

بسم الله الرحمن الرحيم

الإشكالات في المعجم المدرسي*
نص المداخلة في ندوة
المعجم العربي العصري وإشكالاته
المنعقدة بمعهد الدراسات والأبحاث للتعريب
جامعة محمد الخامس ـ السويسي
الرباط
( 16 و17 دجنبر 2004 )

إعداد: عبد العزيز قريش
المفتش التربوي للتعليم الابتدائي بنيابة تاونات
باحث في علوم التربية

30/11/2004

·    اقتباس: رشيدة اوعقة
·    المصدر: المعجم العربي العصري وإشكالاته، إشراف وإعداد: أحمد بريسول وكنزة بنعمر، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس ـ السويسي، الرباط، يونيو 2007. وبالمناسبة هذا الكتاب فيه بحوث في شأن المعجم جد مهمة ومتطورة.

قبل البدء:
    انطلاقا من الواقع التعليمي، الذي يتعاطاه المفتشون التربويون وَفق مسمى قطاع التربية الوطنية، أو المشرفون والمؤطرون التربويون وَفق مسمى الأدبيات التربوية والتعليمية. هذا المسمى الذي يحيل من جهة أولى إلى البحث التربوي، بما يتضمن تفعيل النظرية النقدية اتجاه أداء الممارس البيداغوجي، واتجاه المناهج والبرامج والكتب المدرسية ومداخلها النظرية والتطبيقية، للوقوف على السلبيات فتجاوزها، والوقوف على الإيجابيات فاستثمارها من أجل تصحيح مسار المنظومة التربوية. وهو هنا معني بامتلاك المعرفة النظرية التي تؤطر بحثه التربوي وتؤهله لممارسة النقد. ويحيل ذلك المسمى من جهة ثانية إلى تقويم الممارسة التعليمية التعلمية في القسم، بما يفيد وجوب امتلاك المشرف التربوي مناهج البحث والأدوات والتقنيات العملية التطبيقية؛ التي تمكنه من تطبيق المعرفة النظرية على أداء الممارس البيداغوجي، وعلى المناهج والبرامج والكتب المدرسية قصد تطويرها وتجديدها وتجويدها، ومعالجة ثغراتها في حينه، بتوجيه وإرشاد الفاعلين التربويين إلى ما يجب أن يكون، وكيف يكون، وبما يكون، ولما يكون…
    من هنا نعتقد أن الوحدة بين النظري والتطبيقي وحدة عضوية متزامنة كوجهي العملة المالية، لا يستقيم الإشراف التربوي دونها. بل نذهب إلى أن هذه الوحدة تكاد تكون في فكرنا وثقافتنا التربوية والتعليمية مفقودة بالمطلق. لذا نلمس بوضوح وجلاء تجليات وتمظهرات فقدان هذه الوحدة في تعليمنا الراهن، في إشكالات متعددة الوجوه، ومتعددة المستويات. ولعل الأمر يرجع في ذلك إلى انقطاع التواصل بين الأكاديمي والممارس الميداني، فضلا عن ( أن من مواطن الضعف في ممارسة العلم عندنا التعلق بكثير من النماذج والتفسيرات الجاهزة الموضوعة في البلاد المتقدمة، وبالتالي عدم الربط لمسألة النظرية والتطبيق بواقع الإنسان العربي [ المغربي] ، فمبدأ الوحدة بين النظري والتطبيقي مبدأ مفقود في معظم أعمالنا. وهذا أمر طبيعي لأن الإطار النظري لهذه الأعمال مستمد من النماذج الغربية والبعد التطبيقي متحايل عليه من خلال ما نوظفه من أدوات وتقنيات منهجية مستوردة في مجملها ).
    وهذه الوحدة توجب علي استحضارها في هذه الورقة، ولكن باستدماج وجهيها النظري والتطبيقي، من خلال مقاربة الإشكالات في المعجم المدرسي، التي سأستهدفها مباشرة بعد التحديد الإجرائي لمصطلح المعجم، ووظيفة المعجم المدرسي وأزمته، وذلك اختصارا للوقت. ووعيا منا بأن المشاركين الكرام في هذه الندوة الطيبة، لهم من المعرفة النظرية ـ خاصة في نظرية المعجم ـ ما لا نملك، وأنها ستتجلى لهم من خلال تعداد الإشكاليات.
1 ـ التحديد الاصطلاحي للمعجم:
    وبما أننا نقارب المعجم المدرسي في ورقتنا هذه سوف نذهب إلى تحديد إجرائي لمصطلح المعجم لأجل التمييز بين مستوياته تمييزا واضحا، يحقق الغاية المنشودة من هذه الورقة. ذلك أنني أحدد مصطلح:
أ ـ المعجم اللغوي أو القاموس: بالكتاب الذي يوظفه المتعلم للوقوف على شرح كلمة وتفسيرها وتحديد معانيها اللغوية، فهو أداة ذات مداخل عمودية مرتبة ترتيبا معينا ـ خاصة الترتيب الألفبائي ـ تشرحها وتفسرها ، وتعطي معلومات عن نطقها واشتقاقها وتركيبها بجانب معلومات عن مرادفاتها وأضدادها بالاستشهادات عليها، كمعجم العين مثلا.
وعند الإطلاق فإن المعجم هو: مجموع الوحدات المعجمية المتداولة فعليا أو احتماليا < والاحتمال يستدعي وجود الإنتاجية اللغوية > من قبل المتعلم أو الكتاب المدرسي.
    والمعجم بهذا الاصطلاح ينقسم حسب موضوع المقاربة إلى قسمين هما:
ب ـ المعجم المدرسي، وهو مجموع الوحدات المعجمية المتداولة فعليا في الكتب المدرسية في كل مستوى معين، وضمن السياق التعليمي لهذه الكتب.
ج ـ المعجم اللسني، وهو مجموع الوحدات المعجمية المتداولة والمحتملة بما فيها الإنتاجية اللغوية، التي يوظفها المتعلم في تعلمه وتواصله والتعبير عن ذاته، وعن عالمه الخارجي.
    ومنه؛ فإنه: عندما يتحدد مخزون مفرداتي معين من المعجم اللغوي أو القاموس في إطار الفعل التعليمي، فإنه ينتقل إلى المعجم المدرسي إن تعلق بالكتب المدرسية. وأما إن تعلق بالتداول اللسني للمتعلم؛ فينتقل إلى المعجم اللسني. ومن ثم فإن المتعلم يوظف في تعلمه ثلاثة معاجم هي: المعجم أو القاموس اللغوي، والمعجم المدرسي، والمعجم اللسني.
2 ـ وظيفة المعجم:
 1.2. وظيفة القاموس اللغوي:  انطلاقا من التعريف السابق للقاموس اللغوي، تتعدد وظائفه حيث نجد منها على سبيل المثال:
ـ شرح المفردات والكلمات، وبيان معانيها اللغوية .
ـ بيان الوظيفة الصرفية للكلمة.
ـ بيان البنية الصوتية للكلمة، وكيفية النطق بها.
ـ بيان موقعة الكلمة تركيبيا عند تحديد معناها ضمن سياق معين.
ـ بيان طريقة وكيفية كتابة الكلمات.
    هذه الوظائف عامة وهي تنبع من طبيعة موضوع المعجم اللغوي ، غير أن له وظائف تعليمية ( بيداغوجية ) تتمثل أساسا في:
ـ مساعدة المتعلم على فهم المتن التعليمي، من ناحية التركيب والصرف والصوت والكتابة.
ـ يمكن المتعلم من بعض مناهج البحث حين يبحث فيه.
ـ يقوي ويثري رصيده اللغوي الوظيفي.
ـ يبني شخصية المتعلم في مناحيها المتنوعة:المعرفية، والنفسية، والحركية الحسية، والاجتماعية..
ـ يمكن المتعلم من مجموعة من المعارف والمعلومات.
ـ يركز وينمي التعلم الذاتي عند المتعلم.
ـ ………….
 2.2. وظيفة المعجم المدرسي: ومن خلال تعريفه السابق، فإن للمعجم المدرسي وظائف بيداغوجية ولغوية جمة منها:
ـ مساعدة المتعلم على الوقوف على معاني وشرح الكلمات والمفردات ضمن السياق، فيتحقق عند المتعلم المعنى اللغوي، والمعنى الوظيفي، والمعنى الاجتماعي.
ـ تمكين المتعلم من الرصيد اللغوي الوظيفي، والمصطلحات، والعلامات.. المتعلقة بالمنهاج الدراسي.
ـ تمكين المتعلم من القواعد الصرفية والتركيبية والصوتية للكلمات العربية.
ـ تمكين المتعلم من معلومات وتواريخ وأسماء المواضيع المدرسية.
ـ تنمية الإنتاجية اللغوية عند المتعلم.
ـ تنمية مناهج البحث وآلياته عند المتعلم.
ـ تنمية التعلم الذاتي لدى المتعلم، وتحفيزه على ذلك.
ـ يمكن المتعلم من قراءة المتن التعليمي، وفهمه ضمن حيثيات المقام والمقال. والتفاعل معه والانفعال به.
ـ ينمي ملكة النقد عند المتعلم انطلاقا من البحث الذاتي في المعجم المدرسي.
ـ يحصر المتن التعليمي في حدود السياقات الواردة فيه، والحيثيات المتضمنة في المتن.
ـ يربط المتعلم بالمجال التعليمي، وسياق الفعل التعلمي.
ـ يشكل المعيار اللساني، واللغة الفوق فردية، والمظهر الموحد للغة المتعلم في مقابل كلامه، الذي هو حديث لساني، وفردي الإنتاج ضمن سياق اجتماعي معين، ومظهر مفرد خاص به. يجب أن يراعي هذا المعيار في إنتاج كلامه. 
ـ ……………
3.2. وظيفة المعجم اللسني للمتعلم: انطلاقا من التعريف الإجرائي لهذا المعجم، فإن من جملة الوظائف التي يقوم بها:
ـ ينمي الإنتاجية اللغوية عند المتعلم، ويطورها تجاه تفعيل مناشط فعل التعلم، والتخزين والاسترجاع والتوظيف.
ـ يحقق للمتعلم المرجع اللغوي للتوظيف القولي والحدثي للاتصال والتواصل.
ـ يشكل المتن اللغوي لارتكاز المتعلم عليه في تطوير لغته، وتنمية هذا المتن وإغنائه من خلال الإنتاجية اللغوية.
ـ يعد المرجع اللغوي الفردي للتناول القولي والحديثي.
ـ يشكل الركيزة الأساس في تأثيث المعجم الذهني عند المتعلم، باستدخال حيثيات الحدث التعليمي. والمعلومات العالقة بالمتن التعليمي، من نطق، وكتابة، وتراكيب، وصرف، وقواعد صوتية، ومعاني، ووضع مقامي وبلاغي، ورموز، وعلامات، ومخططات، وأحداث..
ـ يعد الإطار العام اللغوي الذي يتعلم فيه المتعلم، ويتواصل مع الآخرين، ويعبر عن ذاته. ومن خلاله يتفاعل مع ذاته ومع خارجها.
ـ يعد الإطار العام اللغوي الموحد للخطاب البيداغوجي بين الأستاذ والمتعلم. إذ به يتحقق التواصل بينهما.
ـ يعتبر مؤشرا من بين مؤشرات شخصية المتعلم.
ـ يعتبر المخزن الرئيس للمتن الاجتماعي ذي المصدر المجتمعي للمتعلم، الذي يحدد اجتماعيته بما فيها من قوانين وقواعد ومعايير اجتماعية..
ـ …………..
3 ـ أزمة المعجم المدرسي:
    لا يختلف أهل التربية والتعليم في كون المعجم المدرسي ـ وهو مفقود في الساحة التعليمية المغربية موضوعا لغويا مستقلا بذاته، وأداة تعليمية مستقلة. وإنما مجازا يطلق على ما هو متناثر في الكتب المدرسية من شرح للمفردات، ومن مصطلحات علمية في المواد العلمية والاجتماعية والإسلاميات ـ يشهد أزمة حادة تنعكس على المتعلم. ذلك أن من بين تمظهراتها:
أ ـ الانطلاق من القاموس اللغوي في تحديد الترادف أو التضاد للكلمات والمفردات المضمنة في المتن التعليمي. بمعنى إغفال الانطلاق من المتن التعليمي في تحديد ذلك، بناء على مضمون السياق وحيثياته المقالية والمقامية.
ب ـ إغفال معظم المعاجم المدرسية إظهار التحديد الصرفي والتركيبي والصوتي للكلمات والمفردات.
جـ ـ المعجم المدرسي غالبا ما يستعمل المقابلات ضمن سياقات لغوية غير المكافئة للسياقات الواردة في المتن التعليمي.
د ـ عدم التوفيق ديداكتيكيا في تحديد مضمون المعجم المدرسي من خلال تضمينه المتن التعليمي الإشكالي الحقيقي.
هـ ـ انشطار المعجم المدرسي بين اللغة العامة واللغة المتخصصة نتيجة تعدد الحقول التعليمية والمعرفية المتناولة في المستوى الواحد.
وـ انحصار المعجم المدرسي غالبا في شرح الكلمات والمفردات والتمركز حوله.
ز ـ عجز المعجم المدرسي في الإسهام في إكساب المتعلم اللغة.
حـ ـ عدم وجود معجم مدرسي مستقل عن الكتب المدرسية الأخرى، يحتفظ لنفسه بحق الرجوع إليه في الإشكاليات اللغوية العامة والخاصة للفصل فيها تفسيرا وتحديدا.
ط ـ عدم توظيف المعجم المدرسي نتائج الدراسات اللسنية والسميوطيقا ونظرية التواصل في مقاربة مدخلاته المعجمية. فمثلا الترادف يعتمد فيه على المعانم.
ي ـ عدم وجود صناعة وعلم المعجم المدرسي في التأليف المدرسي، وعدم الوعي بأهمية ذلك في تحديد مضمون المعجم المدرسي.
كـ ـ  ( إن ارتباط المعجم المدرسي بالمدرسة وبالمنهاج الذي يدرس في مستوى معين يدعو إلى أن يعكس هذا المعجم المضامين الواردة في المنهاج والتي يتعرض المتعلم إلى حاجة البحث فيها لاستجلاء ما غمض منها أو الاستزادة وإغناء رصيده منها، وهذا ما لا يتوفر دائما في هذه المعاجم)
ـ ……………
4 ـ أزمة المعجم اللسني للمتعلم:
    تنبع أزمة المعجم اللسني للمتعلم من أزمة القاموس اللغوي والمعجم المدرسي، وهي أزمة متعددة الوجوه، حيث نذكر منها:
أ ـ ضمور محتويات المعجم اللسني للمتعلم كما ونوعا، وفقر توظيف الإنتاجية اللغوية، نتيجة ضعف الكتب المدرسية وبرامجها، وضعف الأداء التعليمي، واقتصاره على محاربة الأمية الأبجدية!..
ب ـ انشطار المعجم اللسني للمتعلم على أكثر من لغة ( فصحى، دارجة، لهجات أمازيغية، لغات أجنية، لغة ذاتية، إشارات، رموز، علامات..). في وقت مبكر، وإن كنا نتفهم الرأي الآخر الذي يحبذ هذا الانشطار ويراه مساعدا في امتلاك اللغة، ونقر به في بعض التعلمات، وفق مواصفات خاصة. ولكن من منطلق الميدان؛ فإن العكس هو الواقع، خاصة في التعليم الابتدائي، وبالأخص في القرى والأرياف.
جـ ـ عدم ترشيد المتعلم توظيف المعجم اللسني في اكتساب المعارف والتواصل والتعبير، يضعف الرصيد اللغوي لمعجمه اللسني، ويتجلى ذلك في إنجاز البحوث، والمواضيع الإنشائية..
د ـ إهمال التوظيف السليم للمعجم اللسني في المواقف اليومية للمتعلم، ينعكس على هذا المعجم سلبا.
ـ ……………
5 ـ الإشكالات في المعجم المدرسي:
    بداية وحسب التعريف الإجرائي الذي أوردته؛ لا يوجد لدينا معجم مدرسي خاص باللغة العربية مستقل بذاته، يتعاطى مع المتن التعليمي في هذه المادة المدرسية، حيث نبعت نتيجة ذلك إشكالات عدة في الكتب المدرسية، في مستوى المعجم المدرسي، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1.5.  حصر الكتاب المدرسي المعجم المدرسي في شرح المفردات، وفي أحسن الأحوال يطرح الضد دون الذهاب إلى أبعد من ذلك، مما هو متعلق بالمعجم المدرسي من مسلمات نظرية وتطبيقية, سواء ما تعلق بالصوت أو الصرف أو التركيب أو الدلالة… واتَّخَذَ لذلك العديد من المسميات أو العناوين الديداكتيكية، تفيد في أغلبها معنى الشرح، من قبيل:
ـ أتعرف المفردات؛
ـ أبني المعنى؛    
ـ أشرح؛
ـ أركب وأشرح؛
ـ أنمي رصيدي اللغوي؛
ـ ……….
    ويعود هذا الاختلاف حسب النظرية اللغوية والنظرية الديداكتيكية التي اشتغل بها المؤلف ـ وهذا هو المفروض في التأليف المدرسي ـ حيث هذا الاختلاف هو مبرر علميا، ومقبول نظريا. إلا أنه في مستوى التدريس الفعلي في القسم، يطرح على المتعلم إشكالا معرفيا، يتمثل في تضارب المصطلح الذي يشير ويدل على شيء واحد. فلا يدري أهو أمام الشرح أو بناء المعنى وهو غير الشرح وفق النظرية اللسانية خاصة النظرية النصية، أم هو أمام التركيب وهو عملية غير الشرح وإنما مدخل إلى الشرح باتجاه عكسي للفعل التعلمي..  وهذا الإشكال ينعكس على معرفة المتعلم ما المقصود من تلك الخطوة الديداكتيكية؟ فنجد تلميذا يعد الشرح هو المعنى، والآخر يعد الشرح تركيبا، وثالثا يعده تَعرُّفا.. وهكذا يلتبس عليه المصطلح المقصود بالمعجم المدرسي، الذي لو أخذنا به مادة مستقلة بمرجعها  المخصوص؛ لأصلنا المفهوم ووحدناه عند المتعلم.
    وهذا الإشكال يتعدى درجته من التعقيد هذه، إلى زيادة تعميقها حين يتعدد تعامل التلميذ مع كتب مدرسية مختلفة حسب السنوات الدراسية. فمثلا: يتعرف هذه السنة على شرح المفردة بالشرح، وفي السنة المقبلة يتعرف على شرحها ببناء المعنى، وهذا من الناحية العملية شيء خطير جدا. قد أواجه بالقول: أن المتعلم يتدرج في المعرفة وتتطور عنده، فيناسبه هذا المصطلح دون الآخر. فأرد بأنه صحيح، لكن ليس على حساب المصطلح والمفهوم ومضمونه من جهة أولى، ومن جهة ثانية وحسب المعطيات العملية والديداكتيكية المنجزة في أغلب الكتب المدرسية، ومضامين هذه المعطيات تشير إلى فعل عملية لغوية واحدة، وفعل تعليمي واحد. ولعل تصفح الكتب المدرسية يبين ذلك. ولو اتفق مضمون التعاطي الديداكتيكي ومضمون المصطلح مع الفعل التعليمي والعملية المعرفية المستهدفة؛ لكان ردي وجوابي باطلا. لكن الواقع يثبت ما ذهبت إليه في كثير من الأوقات.
    وأنا هنا لا ألوم في هذه الحيثية مؤلف الكتاب المدرسي، الذي يطمح إلى الفوز بمصادقة الوزارة عليه من خلال إدخال مصطلحات ديداكتيكية تعبر عن خطوات منهجية، توحي في ظاهرها التجديد؛ ولكن عمقها محفوف بالمخاطر المعرفية. وإنما ألوم الوزارة لأنها لم توحد المصطلح وتعرفه وتوضحه. وإنما تركته للاجتهاد، والاجتهاد في ميدان التدريس ـ خاصة عندما يستهدف التأصيل المعرفي وبنائه عند متعلم المدرسة الابتدائية ـ  محفوف بمخاطر تعكس الآية، وبما أن ( التربية تمثل، من جملة الأفعال الأساسية الأخرى، أهم وأخطر ممارسة حضارية، وجب القيام بها بعيدا عن الصدفة والعشوائية. ولا يكون ذلك إلا إذا اعتمد المربون طرق عمل منظمة ورشيدة ). ومن هذا المنبر الكريم أستعطف الوزارة المعنية بالأمر أن تراجع دفتر التحملات حسب ملاحظات الباحثين والمعنيين بأمر التأليف المدرسي. فإن الواقع الحالي يجلب لغطا في الساحة التعليمية إزاء ضباب كثيف يعوق الفعل التدريسي في القسم…
    وهذا الإشكال ينبع كذلك من طبيعة السترجة التي تعاطتها الوزارة مع تأليف الكتاب المدرسي، وهي السترجة الوضعية لا السترجة التجريبية وفق نظرية المنهاج، لها عذرها في ذلك حسب معطياتها الخاصة بها، وحسب سياستها التعليمية، ونقدر الصعوبات التي يطرحها عليها الواقع المغربي، والتوجهات العالمية في هذا المضمار في إطار التدافع الحضاري..  وإن كنا نطمح أن تأخذ بالسترجة التجريبية قبل تعميم تدريس الكتاب المدرسي.
2.5. الانطلاق من المعجم اللغوي إلى المعجم المدرسي، وهو انطلاق محفوف بالمخاطر المعرفية والتطبيقية إذا لم يواجه بشيء من التأني والروية، خاصة حسب ظروف التأليف، ونحن قد عانينا منها الكثير، مثل الحيز الزمني الضيق التي تنجز فيه، غياب المتن التعليمي المناسب، عملية ملاءمة المادة العالمة مع المعطيات الديداكتيكية والتربوية والميدانية للمتعلم،… وهذا ما قصدناه من قولنا في جريدة الصباح : ( وإن كنا، ونحن أهل الميدان، نعرف كيف تؤلف الكتب المدرسية ومدة التأليف، وكيفية المصادقة عليها )، فالمصادقة تتم تقريبا في نفس ظروف التأليف من حيث وقت التقويم، وكثرة المشاريع..  لكن مع الأسف، حمل قولنا ما لم يحتمل، وذهبوا به الوجهة المعاكسة التي أرادوه بها، ولكن مهما اعترضتنا الصعاب، فهي هينة ومستسهلة في عيون هذا الوطن الحبيب، وهذه الأمة الكريمية بشرفائها. ولا يهمنا سوى قول الحق ولو عن أنفسنا..  وما بقي من الزمن ما يؤثث لنا الطمع في رغد العيش! واستهواء زخرف الدنيا…
    فلنترك هذا الهم، ونعود إلى القول أن الانطلاق من المعجم اللغوي إلى المعجم المدرسي في الكتاب المدرسي، ينزع المفردات عن سياقها المتداولة فيه، ومن ثم يقود في بعض الأحيان إلى التعاطي معها من خارج السياق، فيكون شرحها في هذا الوضع عكس شرحها في السياق، مما يطرح إشكالا معرفيا على المتعلم. بحيث يغيب عنها حيثيات المقال والمقام. علما أن المتعلم يضبط تلك المفردات ضمن حدثية معينة، يتداخل فيها ما هو معرفي، ومع ما هو نفسي، ومع ما هو تعليمي.. لكن لو اتجهنا من المعجم المدرسي إلى المعجم اللغوي، لانطلقا من السياق إلى خارج السياق، وهذا يفيد المتعلم في توسيع معجمه اللسني. فمثلا: التلميذ الذي يقف على شرح مفردة:  » حلب  » في متن تعليمي من معجمه المدرسي، يفيد إخراج الحليب من ضرع البقرة، مثل جملة:  » حَلَبَتِ المرأة البقرة « . فإنه عند البحث في المعجم اللغوي ـ بعدما يكون قد وقف على شرحها في المعجم المدرسي  بذلك المعنى ـ يقف على معان أخر حسب سياقات جديدة لم تكن لديه، مثل:
ـ حَلَبَ القومُ، بمعنى اجتمعوا من كل وجه للنصرة.
ـ حَلِبَ الشعرُ بمعنى اسود.
إلى غير هذه المعاني، التي تحصل مع المادة المعجمية، وهي في صيغ صوتية وصرفية وتركيبية وسياقات معينة. فيغتني المعجم المدرسي، كما يغتني المعجم اللسني للمتعلم. ونضمن عدم الوقوع في المنزلقات التي تقع عندما ننتقل من المعجم اللغوي إلى المعجم المدرسي، مثل:
ـ الشرح بالكلام العام؛
ـ تغيير الصيغة الصوتية أو الصرفية أو التركيبية أو السياقية للمفردة، وتضييع دلالتها المختلفة في ذلك الانتقال. مثلا نقل الاسم في المتن التعليمي عند شرحه إلى الفعل، يضفي الارتباط الزمني على الحمولة الدلالية للاسم عند المتعلم، أو يربكه ديداكتيكيا أيهما المستهدف بالشرح؟ الاسم أم الفعل؟!.. ناهيك عن الارتباك الذي يسببه له ذلك الانتقال المفاجئ على مستوى الشكل الخارجي للكلمة، فهو يدخل ضمن سيرورة بناء المفردة، من حيث وجوب عدم إغفال المعرفة الشكلية Connaissance figurative التي تعطي الأولوية لمظهر الشيء الخارجي والخصائص البارزة فيه، في إدراك المفاهيم والأشياء بل في إدراك المعارف، بجانب المعرفة المجردة Connaissance opérative التي تركز على الخصائص الصورية عبر العمليات العقلية التي يمارسها المتعلم على الشيء. وهي التي يتخذها المتعلم مفاتيح لإشعال المعجم الذهني في استدعاء المفردة والمعلومات والمعرفة المتعلقة بها.
3.5. غياب معطيات صوتية وصرفية وتركيبية عن المعجم المدرسي، في وضعه الحالي في الكتب المدرسية، حيث هذا الغياب لا يدعم تعلم اللغة عند المتعلم. فمثلا لا نجد أثناء الشرح تحديد الصيغة الصرفية ودلالتها، مثل ذكر أن هذه المفردة صيغتها الصرفية كذا وتدل على كذا، مما يغتني معه المعجم المدرسي واللسني للمتعلم. وفي أحسن الأحوال ذكر أن هذه اللفظة هي جمع مفرده كذا. وهذا يعتريه حتى هو الخطأ الديداكتيكي حين تقديمه. فيقدم كهذا مثلا: أهلة: مف. هلال. دون الإفصاح عن ذلك الترميز للمتعلم. فإذا تناوله مع الأستاذ وكان الأستاذ يعرفه، فهو يستأنس بذلك. أما إذا غاب عن الأستاذ فإنه يبقى غامضا عند المتعلم إلى حين الوقوف عنه عند الغير. مما يوجب تحديد الترميز إن كان، وبيانه في مقدمة كتاب المتعلم. فليس الجميع مطلع على ترميز المعاجم اللغوية المتداولة في السوق. فهذه معرفة غير مشاعة كما كانت في الماضي. يزيدها الطينة بلة غياب تدريس الميزان الصرفي بالمطلق، الذي يساعد المتعلم من الوقوف على الصيغ الصرفية، فالمتعلم في المدرسة الابتدائية يتعاطى مع الصيغ من منطلق السماع والقياس، لا من منطلق التحويلات التي تمس الصيغة الصوتية وبنية المفردة الداخلية. 
4.5. صعوبة التعامل مع المعاجم اللغوية عند التعاطي مع المتن المعجمي المدرسي من قبل متعلم الابتدائي، نظرا للعمليات الإجرائية التي يجريها على المفردة ليقف عليها في المعجم اللغوي. فمثلا: المزيد إذا كان مصدرا أو اسما أو صفة.. يجب عليه أن يزيل الزيادة مثلا لتصبح المفردة مجرة، ثم البحث عن أصلها الثلاثي مثلا، ثم البحث عنها في المعجم حسب المدخل الإجرائي المعتمد لديه، ثم الرجوع إلى المفردة في متنها التعليمي أي في سياقها، والبحث بعد ذلك عن السياق المناسب لها في المعجم اللغوي، والوقوف على شرحها. وهذه عمليات إجرائية في ظاهرها؛ ولكن في عمقها عمليات عقلية، قد لا يتمكن منها المتعلم. وهذا يدعو بالضرورة إيجاد معجم مدرسي سهل التوظيف.
5.5. غياب استعمال المعاجم اللغوية المساعدة ـ رغم ما قلنا في استعمالها من مخاطر ـ لكن يبقى طلبها واستعمالها، له أهميته المعرفية، وأهمية حضوره وسيطا، بالنسبة للعملية التدريسية في اللغة العربية. خاصة في غياب الوسط الاجتماعي القارئ والواعي بأهمية وسائط الثقافة والإعلام والتواصل..  وذلك لتبيان متن المعجم المدرسي، في غياب هذا الأخير.
6.5. عدم التوفيق في استخدام سيميولوجيا المعجم المدرسي من صور ورموز ورسومات وإحالات رمزية في تحديد شروحات وتوضيحات مداخل المعجم المدرسي، ذلك أن بعض الصور مفارقة للمفردات في الدلالة نتيجة المفارقة الحاصلة بين مضمون المفردة ومضمون الصورة أو مضمون الرمز، أو للمنهجية التي تقارب بها سيميولوجيا المعجم المدرسي المفردات.. إلى غير هذه المفارقات.
    وتبقى هناك إشكالات لم تتقاطع مع هذه التي ذكرتها وادرة في مقالنا بجريدة الصباح يمكن الاطلاع عليها في محله، كما أنه توجد إشكالات تتعلق بالتكوين الأساس والمستمر للأستاذ، ومعطيات المتعلم الثقافية والسوسيولوجية والاقتصادية والفكرية والنفسية، وطبيعة العملية التعليمية وظروف إنجازها تنعكس سلبا على تدريس المعجم المدرسي.
6 ـ اقتراح:
    لا يفوتني أن أقترح ـ وأنا في هذه المعلمة العلمية العظيمة، وفي هذا المحفل الكريم ـ صيغة نظرية لإنجاز معجم مدرسي، قابلة للأجرأة في اعتقادي. تنطلق من المعجم المدرسي وتتجه نحو المعجم اللغوي، موسعة المعرفة المعجمية للتلميذ؛ من حيث ينطلق من السياق إلى خارجه، في إغناء تام لمعجمه اللسني نتيجة.
    والمقترح يتجسد في الخطاطة التالية:

المعنى السياقي
تعيين المفردة
السياق
 
      
         
المعاني المعجمية مع التضمينات الصوتية والصرفية والتركيبية
المعجم اللغوي
ألفبائي مثلا…
المدخل المنهجي إلى المعجم اللغوي
معنى المفردة حسب معطيات وحيثيات السياق الواردة فيه ضمن المتن التعليمي
المفردة
المفردة في السياق حسب المتن التعليمي
  

    وهذا الطرح ينمي شرح المفردة، حيث يدخل مفردا  ليخرج متعددا هكذا:
شرح1
شرح 2
شرح3
……..
……..

المفردة
                                                   
وطر: 
    وفيه أتمنى على المهتمين أن يطوروا هذا الطرح، ويهتموا بالفكرة لإنجاز معجم مدرسي، المدرسة في أمس الحاجة إليه، كما أتمنى أن أكون قد لفت نظر المهتمين بالشأن التربوي والتعليمي في بلدنا الحبيب ـ تحسيسا ـ إلى الإشكالات الواقعة في المعجم المدرسي من خلال الكتب الجديدة.

المراجع

د. الغالي أحرشاو، مقومات وخصائص علوم الإنسان في الوطن العربي، مجلة العلوم الإنسانية، كلية الآداب، جامعة البحرين، 2001، العدد:4، بتصرف.
إلمارهولنشتاين، رومان ياكبسن أو البنيوية الظاهراتية، ترجمة عبد الجليل الازدي، تانسيفت، طبع مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب،1999، ط.:1 127. 
د. عباس الصوري، في الممارسة المعجمية للمتن اللغوي، اللسان العربي،1419/1998، عدد:45.
د. أحمد شبشوب، مدخل إلى الديداكتيك، دفاتر في التربية، منشورات رمسيس، الرباط، 1997، العدد:4.
جريد الصباح، الأعداد: 1412/13/14/15 لسنة 2004.
Piaget, J.; Les mécanismes perceptifs; PUF; Paris; 1975.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *