عن « فيروس الغباء الجزائري » مرة أخرى

محمد إنفي
مصطلح « فيروس الغباء » لم يعد تعبيرا مجازيا، بل هو اكتشاف علمي حقيقي وصل إليه العلماء عام 2014. وبهذا الاكتشاف أصبح سهلا أن نفهم تصرفات وعقليات بعض الأفراد وبعض الشعوب وحتى بعض الدول. ويؤكد العلماء بأن هذا الفيروس يسبب مشاكل في الإدراك والذاكرة ويؤثر على وظائف الدماغ المعرفية (من يريد أن يتأكد من هذه المعلومة أو الحقيقة، يكفيه أن يكتب مصطلح « فيروس الغباء » في جوجل Google ليجد الجواب). وقد سُرِرت كثيرا باطلاعي على هذه الحقيقة العلمية قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال. لقد قدمت لي إجابة شافية عن سؤال سابق، وضعته في مقال نشر في « الحوار المتمدن » (صفحة محمد إنفي، بتاريخ 8 يناير 2023) تحت عنوان: « ماذا يوجد في دماغ إعلاميي الجزائر؟ »!
ما دفعني إلى طرح هذا السؤال في مطلع سنة 2023، هو ضحالة مستوى الإعلام الجزائري، شكلا ومضمونا. وينطبق هذا الأمر على كل أنواع هذا الإعلام الذي تمت قولبته في توجه واحد، لا فرق في ذلك بين الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، ولا بين الإعلام الرسمي وغير الرسمي. وقد أرجعت أسباب هذه الضحالة إلى الغباء، فتساءلت إن كان هذا الغباء وراثيا أم مكتسبا (أنظر محمد إنفي، « الغباء في الجزائر وراثي أم مكتسب؟ »، نشر في جريدة « الاتحاد الاشتراكي » بتاريخ 4 أبريل 2023). وبما أنني قد لاحظت تفشي الغباء بين مختلف الفئات والطبقات في الجزائر، فقد حذرت من عدواه ونبهت إلى خطورته، خصوصا وأن فرضية العدوى كانت دائما حاضرة عندي، لكن دون استحضار فرضية الفيروس.
في البداية، فسرت العدوى بظاهرة التأثير والتأثر، التي قد تجعل الغبي الذي يعيش بين الأذكياء ذكيا، وتجعل الذكي الذي يعيش بين الأغبياء غبيا. لكن، من خلال التفكير فيما يُكتب وما يُنشر وما يُسمع في الجزائر على أكثر من صعيد، تأكد لي أن الغباء الجزائري له خاصية فريدة تتمثل في كونه معديا إلى حد كبير، وقدَّرت أنه قادر على اختراق حتى الحدود مثله مثل فيروس كورونا وغيره من الفيروسات القوية. كما أنني قدَّرت بأنه قادر على الانتقال عبر أكثر من وسيلة؛ فالشيكات، مثلا، التي يوزعها النظام الجزائري بسخاء (على الإعلام المأجور والأنظمة الفاسدة والفاشلة في إفريقيا وفي مناطق أخرى، وكذا على الجمعيات الدولة المتاجرة بحقوق الإنسان وبالقيم الإنسانية، من أجل ضمان عدائها للمغرب)، لا شك أنها كانت سببا مباشرا في انتشار « فيروس الغباء الجزائري » في إفريقيا وخارج إفريقيا.
وها هو الاكتشاف العلمي ينصفني ويعطي لتحذيراتي من العدوى بالغباء الجزائري قيمة أخلاقية ومصداقية علمية؛ وفي نفس الوقت، أعلى من شأن مقالاتي الكثيرة عن الغباء في الجزائر (آخرها مقال عن غباء النظام ومقال عن غباء الإعلام وآخر عن غباء النخب). وقد يأتي يوم تصبح فيه هذه المقالات مرجعا في دراسة تاريخ الغباء الجزائري، خصوصا وقد أصبح هذا الغباء صناعة محلية بامتياز، بعد إضافة صفة الجزائري إلى مصطلح « فيروس الغباء ». ولو كنت متخصصا في علم الفيروسات أو علم الأوبئة، لسعيت إلى تسجيل هذا الاكتشاف باسمي الشخصي لدى المراكز الدولية للبحث العلمي. وبما أنني لست كذلك (أي لست متخصصا في هذه العلوم)، فإني أترك المبادرة لذوي الاختصاص وأعلن تنازلي عن كل حقوقي في هذا الباب.
الحق الوحيد الذي أنا متمسك بممارسته، هو الحديث والتحدث بكل يقينية وبكل ثقة، عن تسرب، والأصح تسريب « فيروس الغباء الجزائري » من طرف المخابرات الجزائرية، إلى بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 بهدف إفشالها نكاية في المغرب الذي يشكل للجزائريين عقدة نفسية مزمنة تقض مضجعهم وتحرق دمهم بسبب الغل والحقد والحسد الذي يملأ قلوبهم. وبما أن الجزائر قد تفشى فيها فيروس الغباء على نطاق واسع، فقد نخر أدمغة السلطة والمجتمع معا؛ مما تسبب في تضييع مصالح البلاد والعباد. وواقع الحال في الجزائر يغني عن السؤال: لا بنيات تحتية محترمة، لا ماء لا نعمة (خصاص مهول في كل شيء إلا في الشعارات والكذب والادعاءات والافتراءات والسرقات الموصوفة منها وغير الموصوفة) حتى أن البلاد قد أصبحت على حافة الانهيار التام على جميع المستويات.
خلاصة القول، أحمد الله وأشكره على أن هداني إلى الكتابة على الجزائر، بدأً من رسائل مفتوحة إلى القائمين على شؤون هذا البلد الجار لعلهم يستفيقون من جهالاتهم وحماقاتهم؛ وكتبت رسائل أخرى إلى الشعب الجزائري خلال الحراك؛ ثم راسلت منظمة الصحة العالمية طلبا للتدخل لإنقاذ الجزائر من الحمق الجماعي (أنظر الحوار المتمدن، صفحة محمد إنفي بتاريخ 8 ماي 2024). إلى جانب هذا، فقد كتبت عن الغباء في الجزائر، الشيء الكثير، لكني غالبا ما أشعر بالندم على إضاعة الوقت في الكتابة على الغباء والأغبياء الذين لا يفكرون في تطوير أنفسهم ولا يعملون على تقدم بلادهم؛ بل هم يبحثون بأساليب خسيسة عن عرقلة من يكِد ويجتهد، وذلك بدافع الغل والحقد والحسد. وقد نجح النظام الجزائري في زرع هذه الأخلاق المنحطة في مفاصل المجتمع الجزائري، ولم بسلم منها إلا من أخذ الله بيده فمنحه مناعة دماغية جعلت صحته العقلية جيدة.
مكناس 6 مارس 2026



Aucun commentaire