« مدارس الريادة » والتلاعب في الصفقات!

منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين والملك محمد السادس يدعو الحكومات المتعاقبة إلى ضرورة النهوض بمنظومة التربية والتكوين، حيث لم تنفك هذه الحكومات تبذل جهودا مضنية في هذا الاتجاه من خلال عدة برامج وإصلاحات متتالية واستراتيجيات ومخططات استعجالية. وقد استقر رأي حكومة عزيز أخنوش على « ابتكار » برنامج خاص بما بات يعرف اليوم في الأوساط التربوية ب »مدارس الريادة »، الذي يندرج ضمن مستجدات الإصلاح التربوي، وهو برنامج يدعي أصحابه أنه برنامج مهيكل ويستهدف تحسين جودة التعليم وتقليص الفوارق بين المتعلمات والمتعلمين، باعتماد مقاربات بيداغوجية متطورة في التدريس، حسب المستوى المناسب والتعليم الصريح.
وبصرف النظر عما أثاره هذا البرنامج التربوي الذي انطلق خلال الموسم الدراسي 2023/2024، انطلاقا من 626 « مدرسة رائدة »، استفاد منه في بداية الأمر قرابة 323 ألف تلميذة وتلميذ، على أن يتم توسيع قاعدة المؤسسات التعليمية والتلاميذ المستفيدين بشكل تدريجي في التعليم الابتدائي ثم الإعدادي إلى أن يتم تعميه في أفق سنة 2028، من انتقادات حادة وردود فعل متباينة بين مؤيدين ورافضين، فإنه يعد من بين النماذج التربوية الجد متقدمة، لما سيكون له مستقبلا من آثار إيجابية على أبناء الوطن، إذا ما تم الحرص الشديد على حسن تنفيذ مضامينه.
وتفاعلا مع هذا البرنامج الذي يبدو واعدا وطموحا، أكد عدد من الخبراء التربويين والمهتمين بالشأن التربوي ببلادنا، أنه ليس برنامجا تربويا متطورا وحسب، بل هو كذلك رهان أساسي لعملية الإصلاح، وإن كانت مرجعية الإصلاح هي القانون الإطار والرؤية الاستراتيجية. كما لم يفتهم التنبيه إلى عدة ملاحظات، يستدعي الواجب أخذها بعين الاعتبار، ومنها: عدم التسرع في إصدار الأحكام على مدى فعالية نموذج « مدارس الريادة » دون تقييم موضوعي ومستقل، واقتصار هذه المدراس على نسبة 7 في المائة فقط من إجمالي مؤسسات التعليم العمومي، وهو ما يطرح إشكالية عدم الإنصاف وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب، مما يعني نظاما تربويا بسرعتين مختلفتين، الذي يرفضه بقوة ملك البلاد محمد السادس.
فيما اعتبر فاعلون تربويون آخرون أنه من شأن تكريس هذا النموذج التربوي القطع مع تلك البرامج الفاشلة، وتجسيد تحول عميق في منهجية الإصلاح التربوي، حسب ما هو متعارف عليه في المرجعيات الوطنية (الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار) التي أقرت إصلاحا شاملا للمنظومة التعليمية بكل مكوناتها وأسلاكها أفقيا وعموديا، سعيا إلى تحقيق نقلة نوعية في أنشطة التلاميذ وتقليص نسبة الهدر المدرسي، الذي يمس سنويا ما لا يقل عن 300 ألف تلميذة وتلميذ، على أن تهيأ لهذه التجربة جميع الظروف المناسبة (موارد تربوية وموارد بشرية)، لضمان نجاحها والعناية بتنمية كفاءات أساسية لدى المتعلمين سواء في التعليم الأساسي « الابتدائي » أو التعليم الثانوي الإعدادي، مع ما يتطلب ذلك من إدماج باقي الأطر الإدارية والتربوية المساهمة.
بيد أنه وعلى غرار ما رافق برنامج « المخطط الاستعجالي » الذي تبنته وزارة التربية الوطنية في عهد الوزير أحمد اخشيشن، في الفترة الممتدة من 2009 إلى 2012 ورصدت له ميزانية ضخمة بلغت بالتمام ما قدره 43,12 مليار درهم من أجل إنقاذ قطاع التعليم، وتحقيق مدرسة ديمقراطية حداثية تنموية، من اختلالات مالية فادحة انتهت إلى إغلاق الحدود في وجه عدد من المسؤولين ومتابعتهم قضائيا، إثر إحالة ملفات التلاعب بصفقات البرنامج على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، جراء تقديم جمعيات حماية المال العام شكايات في الموضوع، إنهاء الأبحاث والتحريات القضائية، وتوزيع ملفات الأشخاص المتورطين على محاكم جرائم الأموال المختصة للبث فيها بكل من الرباط وفاس والدار البيضاء ومراكش، حسب الأكاديميات التابعة لنفوذ كل محكمة.
فإننا لم نلبث أن فوجئنا بإقدام وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، على إحالة ملف آخر يتعلق بتلاعبات شابت صفقات « مدارس الريادة » على رئاسة النيابة العامة، وذلك بناء على تقارير المفتشية العامة لوزارته والمفتشية العامة لوزارة المالية، حيث تم رصد سلسلة من الخروقات المالية والإدارية في صفقات فوتتها أكاديميات جهوية للتربية والتكوين لشركات بعينها، مما اضطرت معه النيابة العامة إلى القيام هي الأخرى بإحالة شكاية الوزير على الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط، الذي أعطى تعليماته إلى ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، قصد إنجاز أبحاث وتحريات قضائية بخصوص هذه التلاعبات، عبر الاستماع إلى مسؤولين على المستوى المركزي بوزارة التربية الوطنية، وآخرين على المستوى الجهوي بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية للتعليم، الذي توصل في 7 يناير 2026 بمحاضر الاستماع ونتائج الأبحاث المنجزة، ولاسيما أن هذه الصفقات المشبوهة كلفت الخزينة العامة ملايين الدراهم، بمختلف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
وفي انتظار جمع كافة المعطيات الضرورية والتحقق منها بشكل واضح ودقيق حول هذا الملف الثقيل قبل ترتيب الآثار القانونية اللازمة، فإننا نتساءل بمرارة عن دواعي استشراء ظاهرة الفساد في قطاع استراتيجي بحجم قطاع التربية والتعليم، وعن حكامة تدبير المشاريع التربوية الكبرى، وآليات المراقبة الداخلية والخارجية للصفقات العمومية، ومدى فعالية أنظمة الافتحاص المعتمدة في رصد التجاوزات قبل تفاحش تداعياتها وآثارها المالية، ونطالب بضرورة التعامل بصرامة مع الفاسدين، والضرب بيد من حديد على كل من ثبت تورطه في هذا الملف وغيره من الملفات في جميع القطاعات…
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire