Home»Enseignement»قراءة في شعار:( النهوض بأوضاع المدرسين استثمار لفائدة أجيال المستقبل )شعار التضامن الجامعي المغربي

قراءة في شعار:( النهوض بأوضاع المدرسين استثمار لفائدة أجيال المستقبل )شعار التضامن الجامعي المغربي

1
Shares
PinterestGoogle+

قراءة في شعار

( النهوض بأوضاع المدرسين استثمار لفائدة أجيال المستقبل )
شعار التضامن الجامعي المغربي لليوم العالمي للمدرس
سنة 2007

مداخلة ستقدم في إطار ندوة علمية ضمن فعاليات أسبوع احتفال التضامن الجامعي المغربي ونيابة إقليم مولاي يعقوب بفاس
باليوم العالمي للمدرس يوم:08/11/2008 بقاعة المحاضرات بالنيابة المذكورة
تحت شعاره

" إن صناعة البشر في مجتمع المعلومات، هي أولى الاستثمارات بالرعاية "
د. نبيل علي
العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، العدد184، ص.: 399.

إعداد

عبد العزيز قريش

مفتش تربوي

09/2007

استهلال:
الناظر في شعار التضامن الجامعي المغربي لهذه السنة ( 2007 ) بمناسبة الاحتفال العالمي بيوم المدرس/ة، ليجده عميقا، يتجذر في فلسفة التربية المنشئ للأسئلة الكبرى، كما في الواقع المعيش لهذا المدرس/ة. ليسائل النظام التربوي المغربي عن موقعه/ها فيه إزاء مساءلة المجتمع عنه/ها من خلال ثقافته وتعامله معه.
ومن تداعيات هذا الشعار، أنه يثير زوبعة من الأسئلة عند مقاربته، تبتدئ بمدى مشروعية طرحه في واقع تعليمي مغربي شهد تغيرات لا تنكر؟ وتنتهي بكيفية تطبيقه في واقع معيش يشهد اختلالات كبيرة؟ مرورا بأسئلة تقليدية من قبيل:
· ما أهمية المدرس/ة في النظام التربوي؟
· ما دوره/ها في ذلك النظام؟
· كيف ينتقى/تنتقى المدرس/ة؟
· كيف يأهل/تأهل للمهنة؟
· كيف يتابع/تتابع أثناء الممارسة العملية في الميدان؟
· ما عليه/ها من واجبات وما له/ها من حقوق؟
· ما واقع هذا المدرس/ة في المؤسسة التربوية وفي المجتمع؟
· ما الآفاق التي تنتظره/ها؟
· ……….
وتبقى هذه الأسئلة مفتوحة متجددة بتجدد العصور وتطور المجتمعات والحضارة الإنسانية. مما يطرح في كل عصر مشاكل جديدة إلى مجموع التراكمات الإشكالية والمشكلات التي لم تحل بعد؛ فيعقد مشهد المعيش التربوي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والإنساني للمدرس/ة. فتطفو المشاكل على السطح، وتطلب حلولا لمعالجتها. فيكمن هنا الخطر من حيث نوعية وكيفية التدخل لمقاربتها.
ومن خلال هذه المشاكل المتراكمة والمتجددة جاء الشعار قارئا لواقع تربوي واجتماعي واقتصادي وثقافي مختل للمدرس/ة المغربي/ة. مما يبرر طرح جملة أسئلة على هذه المداخلة لمقاربتها في يوم الاحتفال بنا نحن الأساتذة، لعلها تكون صدى في آذان المسؤولين والمجتمع لمراجعة الذات من أجل الدخول الفعلي لمجتمع المعلومات بأجيال بشرية متمكنة من صنع الحياة لشعبها وأمتها لا بأجيال ترى نفسها فوق ألواح ناجية ودونها الطوفان يجتث غثاء السيل من الوجود! لا بأجيال تنضاف إلى ( هذا الكم الهائل من جحافل جيوش الأغلبية الصامتة، هذا البشر أحادي الأبعاد فاقد الهوية، صاحب النزعة الاستهلاكية المتضخمة، قليل الحساسية تجاه الغير، الذي يشكو من الجدب الروحي، والعزلة والضياع )[1].
وبما أن المدرس يلعب ( دوراً بالغ الأهمية والخطورة في عملية التعلم والتعليم، ويتعدى دوره ذلك إلى العملية التربوية كلها، وبالتالي إلى عمليات التنشئة الاجتماعية، ومن هنا تأتي أهمية المعلم في المجتمع، وتبرز العناية به وتقديره كإنسان وكمواطن وكمهني، بالدرجة الأولى )[2] فإن ( السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بسرعة، هل يحظى المعلم بالتقدير والاحترام والرعاية والإعداد بالمقدار والنوعية التي يفرضها دوره المهم في عمليات التعلم والتعليم والتربية والتنشئة الاجتماعية؟ وبتعبير آخر، هل يعطي المجتمع، بمؤسساته المختلفة الرسمية وغير الرسمية، اهتماماً حقيقياً كافياً للمعلم يتناسب وأهميته العظمى في المجتمع؟ هل يتناسب مقدار اعترافنا ونوعية تقديرنا للمعلم مع مقدار ونوعية مساهمته وإنجازه في المجتمع؟ هل يتمتع المعلم بامتيازات معينة مادية ومعنوية مكافأة له على عمله العظيم في بناء المجتمع وتقدمه؟ ).
ومن ثم نطرح القضايا المتنوعة من خلال:
1 ـ في الشعار:
يفيد الشعار المفاصل التالية:

1.1. النهوض:

من الجذر المعجمي ( ن هـ ض )[3] والذي يعني فيما يعني: الظلم والمقاومة والقيام والارتفاع. وكأني بالشعار وقف بعلم واقع على الظلم الجاري على المدرس/ة، حاثا على مقاومته عبر قراءة واعية من الذات والمجتمع والجهة الوصية عن التربية والتكوين لأوضاع المدرس/ة التي تعاني الشيء الكثير من الضيم والقسر والشطط والتجني؛ لكي نرتفع بها عن واقع حالها إلى حال مناسب يضمن الشروط والظروف اللازمة لرفعة أهل التدريس علميا ومهنيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. ويبوؤهم المكانة اللائقة بهم داخل النسيج المهني والاجتماعي.
والنهوض يستوجب الانتقال من مقام أدنى إلى مقام أعلى، وهو بذلك ارتفاع عن الآلام والمعاناة والغبن والظلم والقهر إلى الإنصاف والعدل. أما الواقع في حالنا نحن أغلب نساء ورجال التربية والتكوين فالعكس، حيث نكوص واقعنا إلى الأسوأ يوما بعد يوم بل نكوس حالنا رأسا على عقب.

2.1. أوضاع المدرسين:

من المدخل المعجمي ( و ض ع )[4] ومن معانيه: الذلة والضرب والتأليف والموضع والسرعة في السير والخسران وجملة من معان أخر، في مشتركها النووي تفيد الحط من الشيء، وكأني بالشعار قرأ بعين نافذة أوضاع أهل التدريس، فوجد حالها مختلة في عمومها، مزرية قاسية على البعض، نائية بالكثير منهم في ثغور الوطن الحبيب دون أدنى شروط الحياة! وإن كنا في الألفية الثالثة، ألفية التطور الحضاري والتكنولوجي والصناعي والعلمي بامتياز؟ وبذلك ( كيف لنا أن نتجاهل الظروف البائسة التي فرضت من قبل مجتمعاتنا على أصحاب مهنة التدريس ؟ )[5].
والوضع فعل خارجي مقام من طرف على طرف ثان، موضع الحدث وموضوعه. وعليه أوضاع المدرسين يراها الشعار فعل خارجي يمكن التأثير فيها من أجل النهوض بها من حالها إلى حال أحسن منها. لذا اعتبرها المدخل الحقيقي لاستشراف المستقبل من خلال استثمارها لصالح المدرسين آنيا وعلى مستقبل الأجيال المقبلة مستقبلا. وبذلك يكون شعارا استباقيا عن شعارات الوزارة، التي تنأى بنفسها عن مساءلة الواقع المعيش لأهل التدريس، الذي يستمد وجوده الأنطولوجي
من النظام العام للتربية والتكوين الرسمي ومن مجمل المعتقدات والمعاملات المجتمعية المحتضنة لذلك النظام فضلا عن رؤية أهل التدريس لذاتهم صورنة وواقعا.

3.1. استثمار:

من المادة المعجمية ( ث م ر )[6] ، التي تعني: النضج، الاكتمال، الإكثار، وتوظيف المال في تكثيره، … وكأني بالشعار نقل الاستثمار من الحقل المالي إلى الحقل البشري من خلال تحسين أوضاع المدرسين/ات لأجل أجيال المستقبل، وهي أجيال بشرية بطبيعة الحال. تستدعي الوعي بمصيرها كخلف لهذا الحاضر، الذي سيصير بعد حين سلف. والسلف الحاضر عليه شرعا وقانونا أن يخدم الأجيال القادمة من خلال خدمة حاضره، لأن المستقبل امتداد للحاضر، كما أن الحاضر امتداد للماضي.
والاستثمار في الطاقة البشرية هي الأساس الآن للمجتمعات ذلك أنه ( أصبح من المؤكد اليوم أن ثروة المجتمع لا ترتكز على ما يخزنه من موارد طبيعية و مادية فقط و إنما تشمل موارده البشرية أيضا و أن العنصر البشري هو أساس النهضة و التطور المادي للمجتمع. لذلك فإن سياسات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية الناجحة هي التي تقوم على حسن استغلال و استثمار للعنصر البشري في المجتمع )[7]. والاستثمار لن يكون إلا بالتعليم، الذي يمكن الفرد البشري من تلبية متطلباته الفردية والاجتماعية والأخلاقية والوجدانية والإنسانية فضلا عن تلبية حاجات وحاجيات المجتمع. حيث ( بات المجتمع الدولي يعترف بأن التعليم هو السبيل الوحيد الذي يوفر لكل إنسان القدرة على رسم مستقبله بحرية وتبصر، ويمنح كل فرد القدرة اللازمة على تحديد مصيره بناء على آرائه وأفكاره )[8]. ومنه أصبح تقويم نوعية النظام التعليمي يعتمد عند علماء الاجتماع والاقتصاد على الكفاءة الاجتماعية ـ الاقتصادية أو ما يسمى بالكفاءة الوظيفية للتعليم ( التي تعكس مدى ملاءمة النظام التعليمي للبيئة الاقتصادية أو الاجتماعية في البلد أو المنطقة ) [9].

4.1. لفائدة:

من المدخل المعجمي ( ف و د )[10] الذي يفيد عدة معان منها: ثبت لـ ، الاقتناء والاكتساب، النفع والعطاء، والخلط ، … والفائدة هنا بمعنى النفع لصالح هيئة التدريس، والعطاء لأجل أجيال المستقبل، الذين يشكلون حاليا الرافد الأساس للتربية حاضن الكفاءات وبانيها ومطورها، الشيء الذي سينعكس مباشرة على المتعلم ومنه على المجتمع كله لأن متعلم اليوم هو مستقبل الغد. والفائدة هنا ليست فقط فائدة اقتصادية وإنما بشرية كذلك من خلال التنمية البشرية التي رائدها التعليم. حيث ( التنمية البشرية المركبة تستدعي النظر إلى الإنسان هدفا في حد ذاته حين تتضمن كينونته والوفاء بحاجته الإنسانية في النمو والنضج والإعداد للحياة. إن الإنسان هو محرك الحياة في مجتمعه ومنظمها وقائدها ومطورها ومجددها. إن هدف التنمية تعنى تنمية الإنسان في مجتمع ما بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية وطبقاته الاجتماعية، واتجاهاته الفكرية والعلمية والثقافية )[11]. وعليه إذا عملنا على تحسين أوضاع المدرس فإننا نعمل على تحسين مستقبل الأجيال، لأن المدرس /ة ( المعلم عنصر حي قادر على التأثير ببقية العناصر الأخرى، والدور الريادي والقيادي والتوجيهي في الموقف أو المجال التربوي ليجعلها في وضع تخدم العملية التعليمية والتربوية ولهذا فإنه لا يصلح حال التعليم ولا الموقف التعليمي إلا إذا صلح حال المعلم دينا وخلقا وعلما وثقافة، وإعدادا فنيا وتربويا وشخصيا )[12].
وإصلاح حال المدرس الشخصي لن يكون سوى إصلاحا لحاله المالي والمادي حيث ( يواجه المعلمون العرب ] بما فيهم المغاربة [ بشكل عام وضعا اقتصاديا وماديا سيئا يتمثل في انخفاض دخولهم مقارنة بدخول زملائهم الآخرين كالمهندسين والأطباء والصيادلة والمحامين وغيرهم )[13]. لذا وجدنا الشعار قد تعمق في الوضع المادي والاقتصادي للمدرس/ة؛فوجده يستدعي التحسين كمدخل لتحسين خدمات المدرس/ة في المؤسسة التعليمية.

4.1.أجيال المستقبل:

هنا نجد أجيال المستقبل جمع جيل[14] ويعني الصنف من الناس وأهل الزمان الواحد والقرن، وهي دلالة على أن الأجيال السابقة عن الأجيال اللاحقة تتحمل المسؤولية التاريخية والشرعية والقانونية في الإرث الذي تتركه لها. ومن ثم نجد الشعار قد وعى بأهمية هذا الإرث الحضاري الذي ستتركه الأجيال الحالية للأجيال القادمة عبر التربية والتكوين من خلال المدرس، لأنه المدخل الحقيقي لبناء المجتمع وتقدمة بما يقوم من تنشئة اجتماعية للأجيال القادمة. ومن هذا الدور الخطير نتساءل: هل وعت وزارة التربية الوطنية ومختلف مؤسسات المجتمع المغربي الرسمية وغير الرسمية بأهمية المدرس في وجودها الحضاري؟ وهل يقدر المجتمع المغربي هذا الدور من أجل الأجيال القادمة، ويقوم بما يعلي من مكانة هذا المدرس في المجتمع؟ وفي المقابل: هل وعى المدرس المغربي هذا الدور وعمل على أن يكون في المستوى المطلوب منه حضاريا؟ أم الحاضن والمحتضن سواء في جهل ما للمدرس من أهمية في بناء الإنسان والمجتمع والحضارة؟
إن الأجيال القادمة إن كانت محاسبة الأجيال السابقة بمعنى محاسبة الخلف للسلف، فسوف تتفحص أحداث التاريخ وسجلاته، لتكشف في عصر المعرفة مدى التركة التي ورثتها. ومنها تصدر حكمها الذي في ظل الراهن سيكون قاصيا علينا نحن أهل الزمان الواحد! فالواجب من الآن النظر فيما نعمل بعين الناقد المؤمن بمراجعة الذات في ظل الإيمان بأن اليوم أساس الغد.
2 ـ في مشروعية الشعار:
من خلال تلك الإطلالة اللغوية ودلالاتها العميقة نتساءل عن مشروعية الشعار من خلال وجهات نظر ثلاث في الواقع المجتمعي المغربي وهي:

1.2. وجهة نظر الأولى:

تقول هذه النظرة أن حال المدرس المالي تحسن من السلم7 إلى السلم11 وخارج السلم، ومنه فقد ارتفعت أجرته بما سمح له التمكن من التكوين الذاتي من خلال الوسائط المكتوبة والرقمية بما يطور كفاياته، ويفتح له آفاق التطور المهني. ومن ثم يجب عليه أن يعترف بهذا التطور الحاصل ويسعى إلى العمل الجدي المضاعف مقابل أجرته. كما أن ظروفه الاجتماعية تحسنت جدا مع خلق مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين.
كما أن ظروف اشتغاله تطورت نتيجة تطور البنية التحتية للمغرب عما كانت عليه قبيل الاستقلال. وهذا يساعده على بناء أجيال المستقبل.ومنه فإن الشعار يأتي في سياق الاستزادة وتحسين المكتسبات. ولا يجد في أرضية الواقع ما يسوغه في إطاره العام مقابل وجود وضعيات خاصة تمنحه بعض شرعية الطرح.

2.2. وجهة نظر ثانية:

تقول هذه النظرة بأن حال المدرس لم يتغير رغم ما حصل من تطورات مالية واجتماعية في صالحه، لأن الأخذ بهذه التطورات يجب أن يكون في سياق عام وهو المستوى المعيشي للمغاربة. فرغم فتح آفاق السلم المتحرك في وجه المدرس فإن ذلك يقع داخل غلاء المعيشة اليومية وارتفاع الأسعار إزاء غلاء الخدمات المقدمة إليه من مختلف المرافق الرسمية والخاصة. مما يستنزف قدرته الشرائية ويعيده إلى حالتها السابقة كأن المكتسبات الحالية لم تقع. وبالتالي يجب تطوير وتحسين أوضاعه على مختلف الأصعدة حتى يمكنه من الوضع المريح المساعد على بناء الأجيال. ومنه فإن طرح الشعار ضرورة حتمية بما يرفعه إلى مرتبة مطلب رئيس وليس شعارا فقط يتطلب الوقت الطويل لتحقيقه. وعليه فالشعار يستمد مسوغاته من الواقع المعيش للمدرس.

3.2. وجهة نظر ثالثة:

تقول هذه النظرة أن المدرس حصد الامتيازات تلو الامتيازات دون أن يقدم شيئا مقابلها، لأنه تشبع بثقافة الأخذ دون العطاء، ومن تم؛ فمهما تحسنت ظروفه المالية والاجتماعية وظروف اشتغاله لن يقدم شيئا لهذا المجتمع بناء على الثقافة السائدة في المجتمع التعليمي، وهي ثقافة الحق دون الواجب. وعليه فإن طرح الشعار في صيغته الحالية غير مبرر!

وهنا؛ لابد أن نقول بأن هناك حقائق واقعية تستدعي طرح الشعار وبحدة في مقابل استيفاء الواجب مع تحقيق الحقوق للمدرس. ومن تلك الحقائق الواقعية نجد:
· أن وظيفة المدرس تتعدى كونها وظيفة قانونية إلى كونها وظيفة إنسانية واجتماعية، مهما كان أجرها فهو قليل أمام بناء الإنسان وأنسنته.
· واقع المعيشة في المغرب ارتفع بوتيرة تسارعية في مقابل الأجر الذي ظل محدودا نسبيا. حيث أصبح الأجر لخارج السلم لا يف غرض تأمين العيش الكريم للمدرس؛ فوجدناه يسد الثغرة بالساعات الإضافية مهما كانت تحفظاتنا عليها. فهي مؤشر اقتصادي على تدهور الحالة المالية للمدرس.
· الحالة الاجتماعية للمدرس لم تبرح بعد مكانها إلا في بعض المناحي مثل السكن والتنقل والتخييم. أما جوهرها المتمثل في إيجاد الوسائل المعلوماتية والمكتبية والثقافية المساعدة على تطوير خدماته، وحفز على العطاء المتواصل مع إبقاء تفكيره في مجال اشتغاله وهو التعليم.
· ظروف عمل المدرس غير مواتية، ولم ترق بعد إلى طموح المدرس والعملية التعليمية؛ بما يشبعها بالإشكالات والمشاكل التي تعوق أداءه اليومي.
· الإشكالات الناجمة عن بعض الخزعبلات التي تسود النظام التعليمي من قبيل الحزبوية والناقبوية والقبلية والإثنية … تؤدي إلى خلق فوارق في واقع المدرس، مما يجعل أوضاعه تتفاوت من حالة إلى أخرى، فينعكس ذلك على الواقع، الشيء الذي أدى إلى وجود وجهات النظر السابقة تلك. ولم توحد المشهد تجاه الوضع الحقيقي العام للمدرس المطبوع بالخصاص في كل مناحيه المهنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
· أغلبية المدرسين لم يبرحوا بعد السلمين التاسع والعاشر فضلا عن الحالات الموضوعة في طريق الانقراض. مما يجعل الأجرة لا تف بالغرض المطلوب منها.
· النظرة الثقافية والاجتماعية والسياسية للمدرس في المجتمع مما ينعكس سلبا على وضعيته المهنية والنفسية،وبالتالي تتطلب قراءة واعية بما يصحح اختلالاتها.
3 ـ هل من مسوغات موضوعية لطرح الشعار؟
هناك أكثر من مسوغ موضوعي نراه يبرر طرح الشعار خاصة في هذه الظروف الاقتصادية التي يعيشها المغرب، ونذكر منها مثلا لا حصرا:
1.3. أهمية المدرس في العملية التعليمي:
لن نسهب في الحديث عن أهمية المدرس في بناء أجيال المستقبل من خلال دوره الحيوي والمركزي في الفعل التعليمي، وإنما قررت الدراسات العلمية أن ( المعلم هو أساس العملية التربوية ومركزها ومفتاحها وحجر الزاوية فيها. فهناك دراسات عديدة أثبتت أن 60% من نجاح العملية التربوية يقع على عاتق المعلم، بينما يتوقف الـ 40% الباقية من النجاح على الإدارة والكتب وظروف التلميذ العائلية وإمكانات المؤسسة التعليمية، كما أظهرت دراسات أخرى أن للمعلمين أثرا واضحا في تحصيل طلابهم حيث يتمكن طلاب بعض المعلمين، عند تشابه الظروف الأخرى، من إنجاز مستويات تحصيلية أعلى من المستويات التي ينجزها طلاب معلمين آخرين. ولم يعد دور المعلم محصورا في التلقين ونقل المعلومات وتوصيل المعرفة بل أصبح مسؤولا عن تنمية الأفراد بشكل شامل ومتكامل، وبنائهم وتوجيههم والإشراف عليهم والتفاعل معهم وإكسابهم الخبرات وتسهيل تعلمهم، وإيجاد البيئة التعليمية الملائمة لهم. إن المعلم يعمل جاهدا لإعداد الأجيال ورفعة الأمم والأوطان، ويقوم بدور الأخ والأب والرائد والصديق والمرشد والقدوة والناصح للطلاب، يعزز الصواب ويصحح الخطأ، ويساعد على حل المشكلات، ويبسط المعرفة والثقافة، ويعلم البحث والتنقيب والتفكير العلمي، ويحرس دين الأمة ويحفظ عقيدتها ومنهج حياتها، ويضحي من أجل تحقيق أهداف وطنه وأمته )[15]. فإن كان كذلك؛ فلماذا لا ننهض بأحواله المختلفة من أجل تمكينه من أداء مهامه في يسر؟ حيث ( عرفت أمم وبلدان كثيرة عظم شأن المعلم وسمو مهنته، فسعت إلى توفير وسائل الراحة وأسباب الحياة الكريمة له، وعملت على تحسين أوضاعه المادية، وخففت من أعبائه التدريسية، وسهلت له سبل الترقي الوظيفي والأكاديمي والمهني،وأحاطته بالعناية والرعاية، ووهبته مكانة اجتماعية مرموقة تليق به. وهيأت له ظروف عمل ملائمة ومريحة، مما أسهم في كثير من الأحيان في تطوير تلك الأمم والبلدان وتسريع تقدمها، وزيادة فاعلية المعلمين وكفايتهم وإنتاجهم، وضمان تحقيق الأهداف التربوية والتعليمية المرسومة )[16]. فأين مدرسنا من هذا كله في المجتمع المغربي وفي فكر وثقافة الدولة؟ ألم يعد نكتة بل نكسة فيه؟
من هذه الأهمية التي يرى البعض المدرس فيها ( أداة التغيير وقائد الأمة إذا توفرت فيه سلامة العقيدة وغزارة العلم وحسن الأداء والتدريب. وبهذا قيل: إذا أردت رسم صورة لمستقبل أمة فعليك أن تصوغ صورة محددة لمعلمها)[17]؛ نجد للشعار مسوغا موضوعيا لطرحه في الوقت الراهن، انطلاقا من أهمية المدرس في بناء مستقبل البلاد عبر بناء أجيال الأمة المستقبلية. ولا يبقى مع هذه الأهمية أية قيمة للدفوع بتحسن أوضاع وأحوال المدرس المغربي. لكن تبقى مساءلة المدرس عن أداء واجبه المهني والاجتماعي والإنساني مطروحة بشدة في ظل مردودية نظامنا التربوي والمهني الهزيلة في إطار المسؤولية المهنية والأخلاقية الجماعية لمكونات هذا النظام المختلفة.
2.3. حق المدرس القانوني في الترقية لكونه موظفا عموميا:
بموجب الجزء الثالث الخاص بالنقط والترقية من الباب الرابع موضوع الانخراط في الوظيفة العمومية ونظام الحياة الإدارية من الظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وتعديلاته يحق للمدرس أن يرقى في الدرجة والرتبة، مما يضمن له تحسنا في وضعيته المهنية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. والترقية هذه مرتبطة بمدى تطور القانون الأساسي لموظفي التربية الوطنية والتعديلات الطارئة عليه.
لهذا سعت الوزارة في تعديلاتها إلى تحسين بنود قانونها هذا، لكنها مع الأسف الشديد وتحت ضغوط ورؤى بعض النقابات التقليدية الممثلة للهيئة في اللجان الثنائية حجبت عن المدرس في بعض الأسلاك التعليمية الترقي إلى خارج السلم و صادقت على الاختلاف في رتب السلم 11 بين مدرس ومدرس، مما نتج عنه اختلال أدى إلى تصدع الوحدة التعليمية فضلا عن تنازلها على مكتسبات مرسوم 1985.
كما صادقت على انقراض بعض الفئات بوتيرة العصور الجيولوجية، مما زاد الاحتقان في الحقل التعليمي وأدى إلى الانشقاقات التي عادت على نساء ورجال التربية والتكوين سلبا في المجتمع، فأظهرتهم كطالبي الزيادة فقط لأجل الزيادة دون أن تكون لها عائد على المتعلمين. فازداد الوضع والمشهد سوء. في حين كان النظرة الشمولية والتعاطي بالتساوي والديمقراطية والشفافية في ظل فوارق بسيطة كفيل بالرفع من مستوى الدخل لجل المدرسين وضمان أداء جيد لهم.
وحق المدرس في الترقية بل في الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها حق ثابت في قوانين الدول المتقدمة، وفي بعض الدول العربية. ومنه وجدنا العاهل المغربي واع بأهمية هذه الرعاية، فخلق مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين مقابل اقتطاع رمزي، وهي تسعى إلى تطوير خدماتها للقطاع.
وانطلاقا من حق الترقي والرعاية؛ نجد مسوغا آخر لطرح الشعار لأن هذه الترقية والرعاية مدخل لتحسين أحوال المدرس وتمكينه من أسباب بناء الأجيال القادمة بروح مطمئنة وواجب مهني مقدر. وبالتالي فإن الدفع بالتطور في السلم لا يوجب طرح الشعار هو دفع فاسد في ظل ارتفاع المعيشة ومتطلبات الحياة اليومية.
3.3. حق المدرس في العيش الكريم لكونه مواطنا مغربيا:
انطلاقا من كون المدرس مواطن مغربي، وانطلاقا من مبادئ ديننا الحنيف وحقوق الإنسان الموجبة للمواطن العيش الكريم والضامنة له ذلك الحق حقا طبيعيا. يجب على الدولة والمجتمع المغربيين أن يضمنا للمدرس عيشا كريما، يبعده عن طلب عيشه خارج مجال التعليم. لذلك نعتقد بأن هذا الإطار وهو حق المدرس في العيش الكريم يبرر طرح الشعار لأنه ينبئ عن واقع مزري يعيشه المدرس كمواطن مغربي ضمن مجموع مغربي يعاني ما يعاني من شظف العيش ومحاربة في الرزق بالغلاء والضرائب المرتفعة. مما يستوجب على الدولة كنظام سياسي ضمان العيش الكريم لكل المغاربة دون تمييز بما فيها المدرس.
ففي ثقافتنا الإسلامية والعربية والمغربية نجد مكانا للمدرس محترما ومعززا ومكرما، محاط بمجموع الأوقاف التي تصرف عليه كي يتفرغ لعلمه وعمله، كما ( وجدنا حينها المجتمع المحلي هو الذي يبني المؤسسة التعليمية ويصرف ماليا عليها بل يوجد لها الوقف للصرف عليها ويخصص الكراسي العلمية بالوقف )[18] حيث ( وجدت كثير من المدارس التعليمية كانت تتغذى من الأوقاف، فمنذ وقت مبكر وفي عهد الدولة المرابطية نجد كثيرا من المراكز الإشعاعية في حقلي الفكر والثقافة، وكانت كثير من المدارس ينفق عليها من أموال الوقف كمدرسة "وكاك بن زلو اللمطي السوسي"، ومدرسة "عبد الله بن ياسين" في الصحراء، ومدرسة "الصابرين" أو مدرسة "بو مدين" بفاس. وفي زمن المرينيين استطاعت هذه الدولة أن تشيد مدارس لتلقين مختلف أنواع المعرفة لتدعم بها المساجد من جهة وللدعاية لها من جهة أخرى. ومن أهم المدارس التي أسسها ملوك بني مرين مدرسة "دار المخزن" حيث رتب فيها الطلبة لقراءة القرآن والفقهاء لتدريس العلم وأجرى عليهم المرتبات والمؤن في كل شهر وحبس عليها الرباع، ومدرسة الصهريج، ومدرسة السبعيين، ومدرسة العطارين: حيث رُتب فيها إمام ومؤذنان وشحنها بالطلبة وخصص لها الفقهاء لتدريس العلم، وحبس عليها عدة أملاك، إلى غير ذلك من المدارس… وفي العهد السعدي ازدهرت الحياة الثقافية في المغرب ازدهارا كبيرا بسبب كثرة الأوقاف المخصصة للعلماء الذين يقومون بالتعليم سواء في المدارس أو في المساجد. وقام المولى رشيد في عهد الدولة العلوية بتأسيس المراكز الثقافية باعتبارها منطلق العلوم ومبعث المفهوم وأسس مركزين ثقافيين هامين في كل من مراكش وفاس وهما: مدرسة ابن صالح، ومدرسة الشراطين بفاس..وكان للمولى محمد بن عبد الله اهتمام خاص بالطلبة سواء كانوا خاصين بحفظ القرآن الكريم أو طلبة رتبهم لقراءة دلائل الخيرات في ضريحي أبي العباس السبتي، ومحمد بن سليمان الجزولي، أو طلبة مكفوفين أو زمنى عاجزين عن التكسب أو طلبة علم في المدارس أو طلبة يعلمون أبناء المسلمين في الكتاتيب القرآنية، سواء في مدينة مراكش أو في مدن أخرى. وقد وقف على طلبة مراكش وفاس ومكناس أوقافا كثيرة منها ما يتعلق بالشؤون الدينية ومنها ما يتعلق بالشؤون المجتمعية ومنها ما يتعلق بالشؤون الثقافية، ومنح طلبة مكناس مرتبا نص عليه الظهير الشريف الذي أصدره لناظر هذه العاصمة في حينه. وفي عهده أيضا كان العلماء والفقهاء يأخذون من أموال الأوقاف ما يكفل لهم عيشا كريما وحياة مستقرة حتى يستطيعوا القيام بواجبهم الديني، كذلك يأخذ العلماء أصحاب الكراسي العلمية ما وقف عليهم قصد تنشيط الحركة العلمية والثقافية )[19] كما (خصصت كثير من الأوقاف لدعم الكراسي العلمية وتطويرها سيما في العهد الوطاسي والسعدي حيث عرفت سوس في هذا العهد نجوما لوامع في الفكر والثقافة كانت تغذى من الأوقاف. كما لاقت الكراسي العلمية في العصر العلوي اهتماما خاصة، وخاصة في عهد المولى الرشيد الذي كان له تعلقا خاصا بالعلم ورجاله. وكان يجالس العلماء ويمنحهم مكافآت خاصة زيادة على ما يأخذونه من مستفاد الأوقاف. وقد كانت الكراسي العلمية في هذا العصر تشجع من قبل المحسنين من عامة الناس، ومن الشخصيات البارزة في الدولة، ومن العلماء أيضا ومن الملوك أنفسهم، حيث يلاحظ ما تقوم به الأوقاف من تشجيع للعلم والعلماء والطلاب أيضا. وكان للمولى إسماعيل دور مهم في الوقف على الكراسي العلمية سيما بالنسبة لجامعي القرويين ككرسي "ظهر خصة العين"، وكرسي "ظهر الصومعة". ولجامع الشرفاء ككرسي" القبة"، وكرسي" يمين القبة". كما أسس المولى إسماعيل كتاتيب قرآنية مع الوقف عليها، وخصص أوقافا مهمة على القراء، واهتم الواقفون بقراءة القرآن في كل المساجد، ووقفوا على ذلك أوقافا كثيرة ومتنوعة حتى يبقى القرآن محفوظا في الصدور.. ومن بين المساجد التي كانت تتوفر على قراء وعليها أوقاف جامع القرويين وجامع الأندلس ومسجد الشرفاء ومسجد ابن عمران.. وخصصت أوقاف لمعلمي الصبيان: حيث كان الصبيان يتعلمون القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن.. ويتولى تسيير الكتاب طالب يتقاضى عوضا عن ذلك تارة يعطى لهم من قبل أولياء الصبيان أسبوعيا أو شهريا أو يأخذه من غلة وقف على كتابه ويمكنه الجمع بين ما يأخذ من الوقف وما يمنح له من قبل أولياء الصبيان الذين يتعلمون.. )[20].
ومن هذه الأرضية التراثية لا يبق للدولة أو المجتمع أي دفع أمام تهربه من توفير العيش الكريم للأستاذ. بما يضمن تحسين أوضاعه المختلفة من أجل مستقبل العباد والبلاد.
4.3. واقع حال المدرس:
هذا الواقع سنأخذ منه مشاهد واضحة بارزة غير ملتبسة، لا يمكن تجاوزها أو تعميتها بخطاب أو شعار أو تنميق كلام. لأنها جلية في معيش المدرس اليومي، تستوجب طرح الشعار والعمل على تفعيله للخروج من واقعنا هذا، ومنها:
1.4.3. الوضع الاجتماعي:
إذا قال شوقي يوم كان للمدرس مكانة في المجتمع العالم بأهميته في حياة النشء والمجتمع والحضارة:
قــــــــــــــم للمعلم وفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولا..؟
فإن إبراهيم طوقان جسد شعرا الواقع المزري الذي آل إليه المدرس منذ أن اعتلت الأمية والجهل والموبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية المجتمع العربي والمسلم، فأحالته إلى كم مهمل في منطق الحضارة والعلم والمعرفة والفعل والتقدم والتنمية؛ بقوله:
شَوْقِي يَقُولُ وَمَا دَرَى بِمُصِيبَتِي
قُمْ لِلْمُعَلِّـمِ وَفِّـهِ التَّبْجِيــلا
اقْعُدْ فَدَيْتُكَ هَلْ يَكُونُ مُبَجَّلاً
مَنْ كَانِ لِلْنَشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلا
وَيَكَادُ يَفْلِقُنِي الأَمِيرُ بِقَوْلِـهِ
كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولا
لَوْ جَرَّبَ التَّعْلِيمَ شَوْقِي سَاعَةً
لَقَضَى الْحَيَاةَ شَقَاوَةً وَخُمُولا
حَسْب الْمُعَلِّم غُمَّـةً وَكَآبَـةً
مَرْأَى الدَّفَاتِرِ بُكْـرَةً وَأَصِيلا
مِئَـةٌ عَلَى مِئَةٍ إِذَا هِيَ صُلِّحَتْ
وَجَدَ العَمَى نَحْوَ الْعُيُونِ سَبِيلا
وَلَوْ أَنَّ في التَّصْلِيحِ نَفْعَاً يُرْتَجَى
وَأَبِيكَ لَمْ أَكُ بِالْعُيُون بَخِيلا
لَكِنْ أُصَلِّحُ غَلْطَـةً نَحَوِيَّـةً
مَثَـلاً وَاتَّخِذ الكِتَابَ دَلِيلا
مُسْتَشْهِدَاً بِالْغُـرِّ مِنْ آيَاتِـهِ
أَوْ بِالْحَدِيثِ مُفَصّلا تَفْصِيلا
وَأَغُوصُ في الشِّعْرِ الْقَدِيمِ فَأَنْتَقِي
مَا لَيْسَ مُلْتَبِسَاً وَلاَ مَبْذُولا
وَأَكَادُ أَبْعَثُ سِيبَوَيْهِ مِنَ الْبلَى
وَذَويِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الأُولَى
فَأَرَى (حِمَارَاً ) بَعْدَ ذَلِكَ كُلّه
رَفَعَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَالْمَفْعُولا
لاَ تَعْجَبُوا إِنْ صِحْتُ يَوْمَاً صَيْحَةً
وَوَقَعْتُ مَا بَيْنَ الْبُنُوكِ قَتِيلا
يَا مَنْ يُرِيدُ الانْتِحَارَ وَجَدْتـهُ
إِنَّ الْمُعَلِّمَ لاَ يَعِيشُ طَويلا
فهذا الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المدرس في المجتمع مهما كانت المبالغة البلاغية فيه، فإنه واقع لا يرتفع، يستدعي تحسينه من خلال تحسين المجتمع والدولة خدماتها للمدرس مقابل تحسين خدماته هو للمجتمع من خلال التنمية البشرية. وإلا فإن الوضع ينبئ بانحدار ليس في المستوى المعيشي للإنسان المغربي وإنما في المستوى العلمي والأخلاقي لهذا الإنسان.
2.4.3. البيئة المهنية للمدرس:
هذه البيئة معقدة بمجمل مشاكلها سواء القانونية أو المادية أو النفسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية. ذلك أن اللاعبين فيها كثر كما هي مرجعياتهم الفكرية والإيديولوجية والعقائدية والسياسية ورؤاهم للعملية التعليمية التعلمية وكيفية تصريفها. مما جعل التناقض الصارخ يستوطن البيئة المهنية بدءا من المناهج وانتهاء بالوسائل ومرورا بالفضاء المدرسي والثقافة المهنية السائدة فيه والعلاقات بين مختلف مكوناته حتى أصبحت تلك البيئة متشنجة بالصراعات بين الأفراد والأطر وبينها وبين محيطها الخارجي ولا تشجع على الأداء المهني.
فهذه البيئة تتعقد أكثر إذا اتجهنا نحو العالم القروي حيث ما تطين من الأرض وما وعر منها وما كان نائيا محاصرا بالطبيعة فضلا عن حصارها سياسيا وتنمويا يكون موقعا لهذه المؤسسة التعليمية أو تلك، تفتقد الحد الأدنى من التجهيز الأساس سواء ما تعلق بالسكن أو الماء والكهرباء والطريق وغيرها. فقد اعترف بهذا المشكل سؤال نيابي موجه لوزير قطاع التربية الوطنية يقول: ( تعاني العديد من بنايات المؤسسات التعليمية ونخص بالذكر منها المدارس الابتدائية بالعلم القروي من التدهور والتلاشي بحيث لم تعد تشرف الدور النبيل المنوط بها والمتعلق بالتربية والتكوين خاصة وأن بلادنا قد فتحت منذ سنوات أبواب الإصلاح والتغيير في مجال التعليم، مع العلم بأن كل تنمية تربوية يجب أن تبدأ بسلامة المحيط وصحة بيئته وما قد تشرطه هذا الغاية من مراجعة فعلية لفضاءات المؤسسات التربوية باعتبارها المرآة العاكسة للوازع الأخلاقي والحس التربوي.وفي نهاية الصدد نستحضر وضعية المدارس الابتدائية بالقرى والمناطق النائية التي تعرض بنايتها للتدهور والتلاشي، وفقدت العديد من أجزائها كالأبواب والنوافذ بحيث أصبحت في حاجة ماسة إلى الكثير من الاهتمام من حيث ترميمها ودعمها بالوسائل والمعدات وكذا العمل على تحسينها ومدها بأعوان لحراستها )[21].
أما وسائل التربية والتكوين في هذه البيئة فحدث ولا حرج عن وضعها المزري، فهي معدومة أو متقادمة أو غير مناسبة، وحتى المناسبة منها توجد على الرف تجمع الغبار لتنام قريرة العين في عالم السكون. ولا أحد يفكر فيها رغم الأدبيات التربوية في شأنها إلى حد صارت معها بعض المواد مجرد مواد نظرية غير تطبيقية مثل المواد التجريبية من علوم طبيعية وجيولوجيا وفيزياء وتكنولوجيا … ومن ثمة تدون دعوة تحسين أوضاع المدرس في هذا المنحى دعوة جديرة بالاهتمام.
3.4.3. تأهيل المدرس:
نعتقد أن التكوين الأساس للمدرس متجاوز، لأنه يرجع لعقود خلت، شهدت فيها العلوم تطورا متسارعا، خاصة فيما يتعلق بعلم النفس المعرفي وما ارتبط به من علوم تطبيقية في عالم المعلومات نتيجة الدراسات المتخصصة في البناء المعرفي عند الإنسان بمختلف مراحل حياته. في مقابل تطور علم الوراثة التي تخصص منها فرع في دراسة السلوك المعرفي وراثيا فضلا عن تطور مختلف حقول العلوم الأخرى الإنسانية منها أو الحقة. كما نعتقد أن التكوين المستمر غاب عن الساحة التعليمية المغربية بالمرة مدة طويلة تحجرت معها المعرفة وتكلست وأصبحت من حفريات الماضي، ولولا دعوة الإصلاح الأخيرة لما تحركت الجهة الرسمية لإجراء التكوين المستمر الذي يظل زمنيا متأخرا عما برمج من جديد الإصلاح. وهو في مضمونه لا يرقى إلى تأسيس ثقافة الإبداع عند المدرس وغيره من المعنيين به لطبيعته التقنية والإخبارية.
وأما عن التكوين الذاتي فحدث ولا حرج لأننا بمعيشنا اليومي وضيمه يحيلنا إلى مجالات اقتصادية نبحث فيها عما يدعم قدرتنا الشرائية. والذي يجري التكوين الذاتي فإنه يقوم به على حساب معيشه اليومي ومستلزمات هذا المعيش، وهو قليل جدا في الوسط التربوي والتكويني مما انعكس وينعكس على أدائنا سلبا إزاء بعض العقليات البالية التي تكرس الجهل بمنطق المذكرات الوزارية التي تستوجب إذن القراءة والدراسة بدعوى واهية، تبقي كثير من الطاقات الحية خارج التكوين الذاتي في مستوى متابعة الدراسات الجامعية؟!
واقع تأهيل المدرس الأساس والمستمر والذاتي يستدعي طرح الشعار من أجل التحسين، حيث التحسين لا ينصب فقط على الجانب المالي وإنما هو مجمل الوقائع التي تدخل في بنية النظام التعليمي كوحدة وظيفية في المجتمع. وبالتالي فتحسين هذه الوقائع يفيد الاستثمار من أجل أجيال المستقبل.
4.4.3. الثقافة المهنية:
سادت القيم الإيجابية المجال التربوي والتعليمي والتكويني زمنا طويلا بما خدم عدة أجيال متعاقبة لكن مع التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعرفية الحاصلة في العالم انعكست على مجموع قيم تعليمنا، فنحت أغلب القيم الإيجابية وأحلت محلها ما يسمى القيم المتحولة بتحول المصلحة الخاصة " سوق القيم؛ حيث تتغير القيم بتغير مجال السوق. فقيم سوق التجارة غير قيم سوق الصداقة وغير قيم سوق العلم… ". ومن ثم افتقدنا ما يوجه تعليمنا نحو تحقيق الأهداف المنشودة من ترسيخ القيم الإسلامية والعربية والمغربية والعالمية الإيجابية إزاء تحقيق التنمية البشرية والحجرية. وأصبح التعليم مرتعا لكل قيمة سلبية، تعلو فوق أية قيمة أخرى بدعاو شتى. عندما يواجهها النقد البناء ترتفع الأصوات المنتفعة منها وبها تدافع عنها وتستميت في الدفاع عنها بل ترسخها ثقافة وهوية تتوارثها الأجيال حتى أصبح التملق والخمول والزبونية والمحاباة وغيرها شرطا لازما في الترقي واعتلاء المناصب. وأصبحت الكفاءة والجد … عملة نادرة لا تجد مكانا عند مروجي الرذائل في الوسط التعليمي.
وزاد الطين بلة أن مهنة التعليم أصبحت بحكم الضغط السياسي متنفسا لكل الاحتقانات السياسية والضغوطات الاجتماعية والاقتصادية! من حيث هي القطاع الذي نفرغ فيه كل ذلك بما يحمل من سلبيات. فنتجت في الميدان سلوكات تضرب في العمق النظام التعليمي سواء من قبل السياسة أو من قبل الأفراد. فغدا المدرس بذلك في المجتمع محط انتقاد وسخرية وإن كان النفاق الاجتماعي في كثيرا من الأحيان لا يظهر سوى كلمات تقدير جميلة كمسحوق جميل على وجه قبيح. وأصبحنا ننعت بأوقح النعوت حتى أصبح الواحد منا يستحي أن ينتمي لهذا القطاع الذي كان في زمن مضى من أشرف وأعز وأقدس قطاع. وبدل أن نبقى كذلك تغيرت ثقافتنا المهنية إلى حد أصبح المتعلم شمعة تحترق من أجلنا بدل العكس!
وهنا لا نبالغ لأن الواقع لا يرتفع، فما بال السياسي يطلب إصلاح منظومة التربية والتكوين وهو يخرقها بأن جعل كل مسؤول كبير من قبيلة حزبه أو من قبيلة إثنيته وإيديولوجيته؟ كيف تبقى لهذه المنظومة قيمة مقدسة في المجتمع!؟ وما القيم الإيجابية التي يحملها هذا السلوك؟ وتجد جمهرته الحزبية أو الإثنية أو الإيديولوجية تدافع عنه في موقع يتطلب الكفاءة وليس الانتماء السياسي أو غيره؟ كيف لهذه الجمهرة أن تعلم الأخلاق وتمارس الأخلاق وهب بهذه الحال؟
من هنا ومن حيثيات يعرفها الجميع، فالغسيل منشور على صفحات الجرائد؛ نجد للشعار أساس لطرحه بحده من أجل بناء أجيال المستقبل بعيد عن هذه الأوساخ التي يسمونها قيما! وبالتالي فالنهوض بأوضاع المدرس يبتدئ من ترسيخ القيم الإيجابية ومحاربة القيم السلبية.
من خلال هذه العناصر، وكثير منها تركناه طلبا للاختصار نجد مسوغات موضوعية لطرح الشعار والعمل على تنفيذه عبر الزمن من خلال قراءته قراءة واعية تتضمن نقدا ذاتيا من أجل أجيال المستقبل، فهم أبناؤنا ولن يكونوا إلا كذلك. ولا يظن أحد أن غيرنا سيتولى أمرهم ويأخذ بيدهم نحو التنمية، وأن التاريخ سيحاسبنا كأمة فضلا عن محاسبتا كأفراد منخرطين في هذا البناء كل من موقعه.
4 ـ لماذا التركيز على المدرس؟
لم يكن تركيز الشعار على المدرس اعتباطا أو محاباة وإنما عن وعي تام بموقع المدرس في الفعل التعليمي وواقع حاله. حيث يفيد موقعه أنه مكون أساس من مكونات المشهد التعليمي والفاعل فيه انطلاقا من دوره الفعال في تفعيل العملية التعليمية التعلمية في تجاه المتعلم. فهو المحرك الحقيقي للعملية التدريسية من خلال تفعيل مدخلاتها البشرية واللوجيستية المتنوعة وتفعيل مجال التدريس بما يبعث الحياة في المتن التعليمي وفي المتعلم حيث يتحول الدرس إلى ورش بناء الكفايات والقيم والسلوكات والمهارات فضلا عن المعلومات والمعرفة والتفكير والإبداع…
فالمدرس ( أحد العناصر الفاعلة والعقل الواعي الذي يساهم في صنع أجيال الغد بما يقدمه لطلابه داخل المدرسة وخارجها من معلومات نامية ومتطورة مليئة بجميع أنواع السلوك المختلفة الحركية والانفعالية والمعرفية كما أن دوره في المدرسة كمرب ومرشد عامل أساسي وفعال في تطوير المجتمع من خلال رسالته الثقافية والتربوية والاجتماعية )[22]. ويتوقف ذلك على نوعيته ونوعية العلاقة التي تربطه بالمتعلمين حيث ( عندما يكون المعلم متمكنًا من مادته الدراسية متعمقًا فيها، فإنه يكتسب قدرًا كبيرًا من احترام الطلاب، وبالتالي يسهل عليه التأثير عليهم فكريًا… [ كما أن العلاقة تختلف ] في الفصل الدراسي بين المعلم والطالب من معلم إلى آخر ومن بيئة مدرسية إلى أخرى، فقد تكون العلاقة ذات طبيعة سلطوية لا تسمح للطالب أن يناقش الآراء والأفكار التي يطرحها المعلم وقد يتجاوز ذلك إلى استخدام أساليب الاستبداد والقهر، أو يكون المعلم ذا طبيعة ديمقراطية يتعامل مع الطلاب بنوع من الحرية لتركهم يعبرون عن آرائهم وأفكارهم من خلال نقاش مفيد مما يساعد على نمو شخصياتهم وزيادة ثقتهم بأنفسهم، ولهذا الأسلوب أو ذاك تأثيره المؤكد على اتجاهات الطلاب سواء بالسلب أو الإيجاب )[23]. وبذلك يعول كثيرا على المدرس في بناء أجيال المستقبل مما جعل الشعار يعي دور المدرس في بناء تلك الأجيال، فطلب تحسين وضعيته. لأن تحسين الوضعية مدعاة تحفيزه وتفعيله أكثر.
يتبع


[1] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1414/1994، عدد184، ص.: 394.

[2] د.محمد الترتوري، إعداد المعلم وتأهيله في المدرسة التربوية الحديثة، http://www.minshawi.com/other/tartury3.htm.

[3] انظر المادة المعجمية في المعاجم العربية.

[4] انظر المدخل المعجمي في القواميس العربية.( مختار الصحاح والمعجم الوسيط كمثال ).

[5] د. نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص.: 400.

[6] انظر المادة المعجمية في المعاجم العربية.

[7] أحمد زقاوة، جودة التعليم و آفاق التنمية البشرية، http://www.diwanalarab.com/spip.php?article5661.

[8] من الورقة التوجيهية للمكتب الوطني للتضامن الجامعي المغربي.

[9] هوين كاوتري، مدخل عام إلى اقتصاديات التربية، مقدمة في التخطيط التربوي؛ مجموعة مقالات ومحاضرات، مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، بيروت، الجزء 1، 1980، ص.ص.: 156 ـ 162.

[10] انظر المادة المعجمية في المعاجم العربية.

[11] د. محمد يوسف أبو ملوح، التنمية البشرية ودور التربية والشباب فيها، مجلة المعلم، http://www.almualem.net/tanmiya1.htm.

[12] د. عمر التومي الشيباني، ديمقراطية التعليم في الوطن العربي، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1990، ط2، ص.: 186.

[13] د. يزيد عيسى سورطي، المشكلات التي تواجه المعلمين العرب … وحلولها، المجلة العربية للتربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1418/1997، المجلد 17، العدد 2، ص.ص.: 165 ـ 200.

[14] انظر المادة في المعاجم العربية.

[15] د. يزيد عيسى سورطي، المشكلات التي تواجه المعلمين العرب … وحلولها، مرجع سابق، ص.ص.: 165 ـ 200.

[16] د. يزيد عيسى سورطي، المشكلات التي تواجه المعلمين العرب … وحلولها، مرجع سابق، ص.ص.: 165 ـ 200.

[17] د. زريمق خليفة العكروتي، المعلم وتحديد مفاهيمه ودوره في العملية التعليمية،http://www.dirasaat.com/11/s00.html

[18] عبد العزيز قريش، العنف على المدرسة في العالم القروي، ملحق الصباح التربوي، 2006.

[19] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،p=12& z=1&http://www.islam-maroc.ma/ar/detail.aspx?id=953

[20] نفسه.

[21]http://www.men.gov.ma/parlement1/cdparl/session_avril/quest_avril_mouss/mouss_oral_avril/s_avril_mouss_oral_grmvtdemsoc.htm#موضوع%20السؤال%20:حول%20وضعية%20المدارس%20الابتدائية%20بالعالم%20القروي

[22] د. زريمق خليفة العكروتي، المعلم وتحديد مفاهيمه ودوره في العملية التعليمية، مرجع سابق.

[23] د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، http://www.almarefah.com/print.php?id=691.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *