Home»National»الاختراق القانوني.. عندما يصبح “تسريع الاستثمار” مبرراً لتجاوز الدولة

الاختراق القانوني.. عندما يصبح “تسريع الاستثمار” مبرراً لتجاوز الدولة

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني
يعود إلى الواجهة ملف تعميري يلخص اختلالات عميقة في الحكامة الترابية. فبعد أن تم رصد مخالفات جسيمة في مشروع عمراني، خصوصاً تجاه نطاقات التشجير والمساحات الخضراء المحمية، وتم تنبيه السلطات الوصية سابقاً – من خلال هذا المنبر – بضرورة وقفه، ها هو يعود عبر “تخريجة إدارية” جديدة. هذه الحالة ليست شأناً تقنياً عادياً، بل هي نموذج صارخ لاختراق مبدأ سيادة القانون، حيث تتحول “إرادة تشجيع الاستثمار” إلى نفق مظلم يهرب عبره البعض من الضوابط التي يخضع لها الجميع.

الخطير في الأمر هو الآلية المتبعة. فالمشروع يُمَرَّر رغم ثبوت عدم احترامه لتصميم التهيئة الحضرية، وهو الإطار القانوني الأساسي الذي وُضع لتحقيق تنمية متناسقة وحماية المصلحة العامة والبيئة. يُطرح هنا سؤال جوهري عن مدى دقة المعطيات المقدمة للسلطة التقريرية الجديدة، وهل يتم إطلاعها على كامل الخروقات السابقة أم أنها تُقدم لها صورة قاصرة تختزل الملف في “عقبة إدارية” تحتاج “تذليلاً” ليس إلا؟ هذا الانزياح المقصود في التوصيف، من “مخالفة قانونية” إلى “عقبة بيروقراطية”، هو لب المشكلة.

تضعنا هذه الواقعة أمام مفارقة مؤسفة: كيف يمكن أن يُحاسب مواطن “بسيط” على حذف متر واحد من المساحة الخضراء المطلوبة، بينما يُغض الطرف عن مشروع يزيل الهكتارات من الخُضرة؟ هذا التناقض يهز ثقة المواطن والمستثمر الشريف على حد سواء، ويفسد بيئة المنافسة النزيهة. إن تشجيع الاستثمار الحقيقي لا يكون بتمكين البعض من كسر القواعد، بل بضمان شفافية وثبات وعدالة الإطار القانوني المطبق على الكل. عندما تتفلت مشاريع بهذا الشكل، فإن الرسالة الموجهة هي أن الاتصالات والوساطة أقوى من القانون، وهي رسالة تسمّم المناخ الاستثماري على المدى الطويل أكثر مما تنميه.

الموقف يستدعي تحركاً واضحاً. لا بد من وقفة جادة لأجهزة الرقابة الإدارية والقضائية للتحقق من سلامة المسطرة المتبعة وفحص مدى توافق القرارات مع القانون. كما أن تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” بشكل عادل وبدون استثناء هو الحاجز الوحيد أمام استمرار هذه الممارسات. فالإدارة التي تسمح باختراق قوانين التعمير باسم الاستثمار، لا تحل مشكلة اقتصادية بقدر ما تخلق أزمات اجتماعية وبيئية وقانونية أعمق، وتُبقي باب الريبة مفتوحاً أمام نزاهة الحكامة الترابية برمتها.
المصدر: https://respress.ma

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *