Home»Enseignement»مـآزق التعليم بالبــادية ج 3

مـآزق التعليم بالبــادية ج 3

1
Shares
PinterestGoogle+

الطلحاوي نجيب
في الجزء الثانـي كنـا قد ركزنـا علــى مشاكـل الأقسام المشتـركة التي تخلقهـا في منظومـة التربية و التعليم و الآن سنحـاول إن شاء الله تحليل بعض العوائق المتفرعـة التي تسهم بدورهـا في تدهـور التعليم بالبـادية

 

عــوائـــق فرعيــة :

كنـا نتحـدث قبل قليل عن ظـاهـرة الأقسام المشتركـة كمشكـل محوري مـانع من تحقيق المردودية المطلوبـة في قطـاع التعليم بالعـالم القروي، لكن ذلـك برأيي لا يزداد حدة إلا باجتماع عوامل أخرى تخلق حواجز صلبـة تحول دون تجويد منظومـة التعليم ، و قصدنـا من هذا أن الأقسام المشتركة تمثل الغطـاء الخـارجي الذي يسـاعد علـى بقاء العوامـل الفرعية و تغذيهـا بأسباب الترعرع و النمو، فمثـلا يعتبر حجم تراكم الجهـل و انسداد آفاق الفهـم و غياب الطموح الذاتي و بروز إشكاليات التعبير اللغوي و ضعف التعلمـات و غياب الوسائل الديداكـاتيكية و غيرهـا يعتبر عوامـل حقيقية في ظـل غطـاء الأقسام المشتركـة لاسيمـا عندمـا يفوق الفصل الدراسي حده العددي التربوي فتزداد تلك العوامل في الاشتداد ، و كلمـا خف العدد كلمـا هـان العمل و تيسر المنـاخ التربوي و كلمـا نقص عدد مستويات الفصل الدراسي كلمـا سـاعد كثيرا على معـالجـة اختـلالات المتعلمين ، لكن و مـع ذلـك تظل المشكلة قائمـة كلمـا تعددت المستويات إذ أن العبرة ليست دائمـا في التعدد و إنمــا أيضا في تنـوع المقررات الدراسية التي تُلـزِم المدرس على إتباعها عند كل مستوى، فلـو فرضنـا في فصل دراسي يضم 12 تلميذا بمجموع يشمـل 4 مستويات في كـل منـه 3 تـلاميذ فإن ذلـك لا يطرح إشكـالية من زاوية التعدد و إنمـا تـتـشخَّص في كيفيـة تمكن المدرس من مخـاطبـة 4 مستويات بمقررات متباينـة و في زمن مشترك،  في الواقـع فإن حجم العياء و الإرهـاق لا يمكن أن يتصوره غير الذي عـانـى فعـلا من الواقع المر .

 

و من بين العوائق التي تعترض المدرس في مساره التعليمي التعلمي مـا يواجهه من مشاكـل مرتبطـة بالإهمـال الشديد لوازع التعلم الذاتي و عدم الاهتمـام بالجوانب الدراسية مواكبة و تتبعـا يغذيـه مـا يشهده العـالم القروي من أمية فـاحشة، فقلمـا تجدُ ولي أمـر يتـابع أحوال ابنه بالحث و الدعم و يندر أن تجد أحدهم يستفسـر الأستاذ عن وضعية ابنه الدراسي، الشيء الذي يسهـم في تبديد طموحـات المتعلمين و يجعـل تواجدهم في الفصل الدراسي تواجدا « مؤقتا » الغرض منـه الاستئنـاس بمنـاخـات الإطـار المدرسي ليس إلا . و يبدو هـذا الأمـر مفهومـا تمـامـا إذا أدركنـا حقيقـة الوجود القروي ومـا يعـانيه من هشاشـة فجة علـى كل المستويات إذ ينعكس ذلك بشكـل مباشـر علـى الأسر القروية التي تجد في أبنـائهـا فرصـة للاشتغال بمتطلبات الرعي و حـاجات العون الفلاحـي ، و هـذا التراكم في استخدام الأطفال المتمدرسين في مجـالات شتـى يتحول باستمرار إلـى عنصر قاتـل للرغبة الدراسية فيورث بذلك إهمـالا و لا مبالاة للشأن الدراسي، و مهمـا أجهـد الأستاذ في سبيل بسـط الأنشطـة و المضامين فإن ذلك سرعـان مـا يتبخر في سياقات اندمـاج الطفل في وسط مشاكـل الأسرة الصعبة فيصير الواقع أكبر من أن تحتويه لحظات دراسية عـابرة. و لعـل السؤال المطروح الآن هـو: هـل هـذا الغياب لإرادة الاستمرار الدراسي (الطموح) هـو نتيجـة لفعل التعثر الدراسي الذي يراكمه المتعلم عـامـا بعد عـام أم هـو بفعـل اعتبارات بدوية تعود أسـاسـا إلـى جذور اجتمـاعية موصولـة بإكراهـات الحياة الصعبة و مـا تفرضه عليه من شروط عملية تجعله يُبدد المكتسبات التعلمية و يحجِّم من آفاق فهمه ؟ في الواقع لا يمكن الفصل بين هـذا وذاك، لكن في نظرنـا تمثــل عوامل الوضع الاجتمـاعي و الاقتصادي عوائقا حقيقيـة لاستمـرار المتعلم في تطوير مواهبه و مهـاراته إذ أن حجم اشتغـاله بمجـالات الزراعـة و الرعي إنمـا تُـثـقِـل كـاهله بشروطهـا و متطلباتهـا، و مــع تراكم مسلسل العمل اليومي تصبح عملية التمدرس غير ذات قيمـة و عديمـة الجدوى من نـاحية فوائدهـا بالنسبة له ، بل و حتـى المتفوقون النبغـاء سرعـان مـا تخف عندهـم شعلة الشغف الدراسي فيضطرون تحت ضغط الوالدين إلـى مغادرة الدراسـة للتفرغ لأمـور قد تدر ربحـا مـاديا ، و حتـى إذا سلم المتعلم من تلك الاعتبارات و حدث أن أنهـى السلك الابتدائي بتفوق فإن مواصلـة الدراسـة في مؤسسة إعدادية بعيدة عن الأهـل و ما تقتضيهـا من شروط مـادية و رعـاية اجتمـاعية سرعـان مـا تُتَـوَّج بفشل كبير بسبب ضعف الامكـانيات و تزايـد الحـاجـة لتوظيفه في شؤون الأشغـال الفلاحية. من جهـة أخرى لا يمكن أن ننـكر إسهـام بعض الأسـاتذة الكسلاء –من حيث الأداء و الاشتغال- في زرع عقليات الإهمـال و تخريب أساسات بنـاء الطموح و الإجهـاز علـى مـا تبقى من قَـبَـسـات الأمـل عند بعض المتعلمين المتحمسين، فرغبات البعض منهم قد تُقـابل أحيانـا ببرودة مهنية شديدة من المدرس فلا يلقي بـالا لنوازعهم و لا يهتم بمستقبل آفاقهم ، لكـن الأخـطر من هـذا وذاك تزداد حدة عندمـا تجتمـع عوامل آفات الوضع الاقتصادي الاجتمـاعي مع استهتـار المدرس فتصير النتيجـة الحتمية ضياع المتعلم و انقطـاعـه .

 

إن غياب الطموح التعليمي الذي يغذيه أيضا إهمـال أولياء الأمـر يعنـي بالنسبـة للأستـاذ عـلامـة من عـلامـات الانحسار التعلمي لديه و مظهـر يورث البرود التعلمي فيصيبـه بالتسيب إجمـالا وتجعـل مجهـودات المدرس غير ذات جدوى البتة ، كمـا أنه يسبب مع مرور الوقت حـالة من التكدس للمضامين الغير مفهـومـة فترديـه في النهـاية قاب قوسين من الانقطـاع المدرسي النهـائي. إن المشكـل هنـا غير مرتبط بالمتعلم ابتداء فـلا مـلامَ عليه مـا دام الطموح قابـلا للانبعـاث فيه متـى مـا توفرت منـاخاته ، إنمـا المشكل يعود أساسـا إلـى بنية قروية مغلقة لا تفتـح آمـالا عريضـة و لا تشجع علـى التحرر من قبضـة الواقع الصعب، كمـا أن البنية الأسرية في معظمهـا لا تتيح لأبنـائهـا تطوير امكانياتهم و لا تعلمهم كيفيات التفكير للمستقبل عكـس واقع المدينـة التي توسع من إدراكـات النـاس و تصقل مواهبهم في كل وقت و حين . و قـد يُقـال : كيف تجعـل غياب الطموح معيقـا لتحقيق الكفـاية و الجودة ؟ فأقول إن غيابـه كدافع سيكولوجي فعـال يؤدي إلـى تعثرات شتـى بفعـل قنـاعـة المتعلمين في البادية بحتمية العـودة إلـى شؤون الرعي و الفلاحـة فتُقتـلُ لديهم الملكات التي تدفعهم للاجتهـاد و المثابرة، الشيء الذي يجعـل غـالبية أولياء الأمـر غـاية مـا يطلبون تحقيقـه لهم لا يتجـاوز حدود معرفـة الكتابة و الحساب و الاكتفاء بالحد الأدنـى من التعلمـات حتـى إذا تحقق لهم ذلك أعـادوهم و فصلوهم عن الدراسـة خصوصـا إذا لم يكن هنـاك أحد يقوم بأشغـال الدعـم المنزلي و الرعوي .

 

إن غياب الطموح لا يتنـاقض مع مستـوى الاكتظاظ العددي للمتعلمين في بعض المنـاطق القروية، و لا يدل الحجم العددي –برأيي-علـى توافر شرط تحقق الطموح لدى المتعلمين إذ أن نظرة بسيطـة تكشف لنـا أسباب هذا الاكتظاظ، فالأمـر لا يخرج عـن كونـه نـاجمـا عن الإغراءات المـادية و المساهمـات المـالية الرمزية التي تقدمهـا الدولة (جمعية تيسير) للمتمدرسين، و هـذا أمـر مفهوم جدا عند النظر في الوضعيات الاقتصادية الهشة التي تعـانيهـا العوائل القروية و في حجم المتعلمين بالمنـاطق التي لا تتمتـع بالدعـم المـادي حيث تكـاد أعداد التـلاميذ في المستويات الستة يقابلـه نفس العدد أو أكثر منه في المستوى الواحد بالمنـاطق التي تعرف دعمـا مـاديا .  علـى أن (جمعية تيسير) و إن كـانت قد أسهمت فعلا في رفع حجم المتمدرسين و التقليص من نسب المنقطعين و إعـادة المغـادرين للمدرسـة إلـيهـا زمنـا فإنهـا في المقابل خلقت متـاعب حقيقية بالوسط القروي زادات من مأزق التعليم إذ بارتفاع العدد مع الخصاص في الأطر التربوية تكون قد أنتجت تحديات صعبة تمس بتحقيق الجودة التربوية و النجاعة المطلوبة في المستويات الابتدائية، وهـذه الوضعية فرضت منطـقا لاتربويا يضطر فيهـا المدرس إلـى نهـج سياسـة « إنقاذ مـا يمكن إنقاذه » في ظل الاكتظاظ و تعدد المستويات . و لئن دلت سياسـة الدعـم المـادي علـى عودة أعداد غفيرة إلـى المدرسـة فإنهـا لا تـدل بالضرورة علـى نجـاح المقاربـة التربوية النوعية و لا تؤشـر عـلى تحقيق الكفايات بقدر مـا أحـالت إلـى العنـاصر الكمية المفصولـة أساسات البنـاء التربوي السليم و المتمثل في وجود الأطر الكـافية و المنـاخات المحيطـة بشروط التربية ، ففي قسم مشترك (الأول و الثاني مثلا) ينـاهـز مجموعهم أربعين متعلمـا تصبـح العملية التربوية أشبـه بعمليات محـاربة الأمية الغرض منهـا الاستئنـاس بسياق الفصل الدراسي ليس إلا، لـذلك نـرى أن الإصلاح التربوي لا يختزل في دعـامـات مـادية خجولـة و محدودة و لا يقتصر علـى أساليب الإغراء و الجذب و إنمـا تتفاعـل فيه عوامـل الدعم بتحديد أعطـاب التعليم المـانعة من تحقيق الجودة، و كل حديث عن مؤشرات الحد من الهدر المدرسي بناء علـى المعطى الكمـي فهـو حديث شكـلاني لا تتجاوز وظيفته التسويق الإعـلامي و دبج التقارير الرقمية و النِّسبيـة إلـى من يهمهم الأمـر ، فمن السهـل الإشارة إلـى انخفاض مؤشرات الانقطاع المدرسي بإحصائيات و مبيانـات و أرقام لكن الصعب هـو النفاذ في عمـق العملية التربوية التي تعـاني من إشكـاليات بنيوية ،الصعب هـو الوقوف على طبيعـة الاكراهـات التي يواجههــا المدرس معزولا عـن العـالم في غياب الشروط الموضوعية المساعـدة على القيام بالوظيفة التربوية، الصعب هـو الاعتراف باختـلال منظومـة التربية و التكوين نوعيا بفعل تراكم المعيقـات التي صـارت تُفشِـل مهمـات الأساتذة الغيورين علـى مستقبل أولادنـا. إن لغة الأرقام في نظري لا تصلـح لمقاربـة نجاح سياسيـة التمدرس و لا توحي بوجود ارتقـاء تربوي إلا علـى صعيد الكم البحت، لهذا المطلوب من القائمين علـى هـذا القطاع التـوغل في الأساسات و الوقائـع المـادية .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. أستاذة
    18/10/2013 at 14:07

    بك جزيل الشكر على المقال القيم الذي بدت أجزاءه متناسقة ومقاربته موضوعية تكشف واقع التعليم بالعالم القروي و تكشف أيضا المفارقات التي تحكم تعريف الأقسام المشتركة من حيث التعريف النظري كما هو مستنسخ من الواقع الكندي و الماهية الكينونة المادية لمصطلح الأقسام المشتركة في واقع التعليم المغربي و خصوصيات التلميذ المغربي في العالم القروي تحديدا.
    ما أثار دهشتي واستغرابي أيضا هو سكوت الأقلام المتهافتة على الكتابة في الشأن التربوي وبخلها ولو بمداخلة في مقالك القيم هذا، يبدو أن ان لهذه الأقلام توجهها النظري المحض وبريقها الخاص برؤيتها الأحادية المتعالية، على أي مقالك يستحق أكثر من تنويه و رد، ولي عودة له علها تغني الموضوع وتسهم فيه.
    كما أرجو أن يأخذ مقالك صيغة مشروع بحث عملي لأن مقومات البحث وأسسه متوافرة فيه.
    تحياتي.

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *