Home»Enseignement»أسس ومرتكزات الإصلاح التعليمي- الجزء الأول: المؤسسة الأسرية

أسس ومرتكزات الإصلاح التعليمي- الجزء الأول: المؤسسة الأسرية

0
Shares
PinterestGoogle+

أسس ومرتكزات الإصلاح التعليمي

الجزء الأول: المؤسسة الأسرية

بقلم: نهاري امبارك، مفتش التوجيه التربوي، مكناس؛

 

لقد عرف قطاع التعليم بالمغرب، ومنذ فجر الاستقلال إلى اليوم، أي على امتداد أكثر من نصف قرن، عدة إصلاحات، تعاقبت بتعاقب الحقب الزمانية والأجيال المتوالية، حيث شكلت عدة مجموعات لجان، وانكبت على النظر في قضايا التعليم، فاتخذت قرارات واختيارات وفق تصوراتها الذاتية والغايات المرسومة لمنظومة التربية والتكوين، ما كان يؤدي بالطبع إلى فشل هذه الإصلاحات دون تحقيق المنتظر منها على الساحة التربوية والتكوينية، الأمر الذي انعكس سلبا على جميع الأصعدة، منها الاجتماعية والاقتصادية، وغيرها.

حيث إن أي متتبع أو متفحص لهذه الإصلاحات، يلمس بكل بساطة مجموعة من الاختلالات، تطال المؤسسات التي تنهض عليها سياسة تدبير شؤون الدولة، والتي تعتبر الأسس والمرتكزات الحقيقية للإصلاح التعليمي ومنها الأسرة المغربية ؛

Ø    فأي مؤهلات مادية ومعنوية تمتلك الأسر المغربية لضمان مدرسة أبنائها؟ وكيف تسهم المؤسسة الأسرية في الإصلاح التعليمي؟ ومتى تسهم المؤسسة الأسرية في الإصلاح التعليمي بالشكل المطلوب من أجل تأهيل الأطفال والشباب للاندماج في الحياة العملية والنسيج الاجتماعي؟

حيث، في اعتقادنا، أن أي إصلاح تعليمي يتناول، فقط، بالمعالجة والدرس والتحليل البرامج والمناهج والمقررات الدراسية والكتب المدرسية، ويرفع شعارات، ويقدم إنشاءات شمولية وفضفاضة، لن يجدي نفعا، ولن يتجاوب مع الغايات المرسومة، ولن يحقق الأهداف المسطرة، ما دام لم تصاحبه، أو على الأصح، لم تسبقه إصلاحات جذرية وعميقة لجميع المؤسسات، بكل أنواعها ومجالاتها، التي ينهض عليها المجتمع وتعمل على تصريف السياسة المنتهجة في تدبير شؤون الحياة المجتمعية برمتها.

وحتى نجيب قدر الإمكان على سؤال الإشكالية المطروحة، سوف نعرض، واقع المؤسسة الأسرية المغربية  المحتضنة للدعامات والأسس والمرتكزات الحقيقية لإصلاح التعليم، والخدمات المنتظرة منها والأدوار الحقيقية الموكولة إليها، مع مراعاة أهميتها البالغة في المجتمع، وتحديد العناية الفائقة التي يجب إيلاؤها إياها، حتى تضطلع بمهامها، وتؤدي رسالتها السامية تجاه تربية الأجيال المتعاقبة وتكوينهم وإعدادهم للحياة المهنية، إلى جانب خدمات مضامين المقررات الدراسية والبرامج والمناهج، وبموازاة لها، أو في تكامل معها، وتعاون متبادل، أخذا وعطاء.

هذه المؤسسة، التي تشكل، النواة الصلبة، وحجر الزاوية الحقيقي لكل إصلاح تعليمي، المتمثلة في المؤسسة الأسرية: فما هي المؤسسة الأسرية؟ ومتى تشكل مرتكزات أساسية للإصلاح التعليمي؟ وما هي الأدوار المنوطة بها للنهوض بأي إصلاح تعليمي؟

تعتبر الأسرة اللبنة الأولى لقيام جميع المجتمعات على وجه البسيطة، ومهد التنشئة الاجتماعية، حيث ينشأ الأطفال وينهلون من التربية الأبوية، من رعاية واهتمام، بهدف إعدادهم لمواجهة متطلبات الحياة المدرسية والمهنية والاجتماعية.

فاستنادا إلى تقارير رسمية، يستفاد معاناة الأسر المغربية، عموما، وبأشكال متفاوتة، من الفقر والتهميش والبطالة والأمية والأمراض والتخلف الاجتماعي، الشيء الذي يقف حجر عثرة أمام تمدرس أطفالها لعجزها البين عن توفير سكن لائق، تتوفر فيه كل أو بعض الشروط الصحية الضامنة لظروف الدراسة، حيث تكدس أفراد الأسرة الواحدة في بيت واحد، لا ماء ولا كهرباء ولا قنوات صرف المياه، كما يعجزون عن توفير الملبس والمأكل والمشرب واللوازم المدرسية، فماذا ينتظر تربويا ومدرسيا من العاري والجائع وغير المتوفر على الأدوات المدرسية؟ هذه العناصر التي تعتبر حافزا للأطفال على الدراسة والمواظبة والتحصيل الدراسي والإنتاج المدرسي.

إن الأسر الفقيرة والمعوزة تنشغل أساسا بمتطلبات العيش، وتشتغل لتوفير الحاجيات الأساسية للحياة اليومية من أكل وشرب ولباس، معتمدة على أطفالها ذكورا وإناثا، حيث منهم من يرعى بعض المواشي، ومنهم من يجلب الماء والحطب، ومنهم يجلب البرسيم والعلف، ومنهم من يعمل مقابل أجر هزيل في أي مجال كان، للتخفيف عن أبيهم وأمهم. هذه الأسر ليس في استطاعتها المادية تشغيل راع أو شخص آخر يعينها بمقابل مادي، لذلك تلتجئ لأطفالها الصغار والكبار، الذكور والإناث، وتصرفهم عن التمدرس، أو تضطر لتوقيفهم عن الدراسة في مستويات دراسية معينة.

ونظرا للمستوى الثقافي الهزيل للأمهات والآباء بأغلب الأسر، وعدم وعيهم بأهمية الدراسة والتعلم، وفقدان الثقة في المدرسة التي لم تعد وظيفية في نظرهم، فإنهم، من شدة معاناتهم الأمية والجهل، يتخذون مواقف سلبية من الدراسة، خصوصا لما لم يستطيعوا مساعدة أبنائهم مدرسيا على المراجعة وإنجاز الواجبات المنزلية التي يطلبها المدرسون من التلاميذ بالكم الهائل يوميا.

ومن ناحية أخرى، ونظرا لوطأة الأمية والجهل كذلك، ونظرا لغياب الوعي التربوي وعدم تمكن أغلب الأمهات والآباء من قواعد التربية السليمة، لغياب التأطير التربوي والاجتماعي، وغياب الأدوار الحقيقية التربوية والاجتماعية لوسائل الإعلام المسموع والمرئي، وعدم تحقيق برامج محو الأمية أهدافها، فإن الأطفال يعانون تصادم أساليب التربية الأسرية إلى حد التناقض والتعارض بين التربية الأبوية لمختلف الأسر من جهة، وبين التربية الأبوية لمختلف الأسر والتربية المدرسية من جهة أخرى، لنجدهم( الأطفال) تتجاذبهم ما يطلق عليه التربية التقليدية الأصيلة وما يسمى بالتربية الحديثة المعاصرة من ممارسات وتمظهرات متنافرة تؤثر سلبا في المسار التربوي والحياتي للطفل والمراهق والشاب والناضج على حد سواء، إلى درجة الحيرة والتشكيك والمعاناة النفسية. وفي السياق نفسه، يتخذ بعض الآباء والأمهات مواقف سلبية من تمدرس الفتاة، معللين ذلك بتخوفهم على شخصها من الانحراف والاعتداء، إما لبعد المدرسة عن السكن، أو المرور بمسالك وعرة ووديان بلا قناطر، وإما لكثرة الموبقات ومظاهر الانحلال الخلقي بالأزقة والشوارع، أو يعتمدون عليها للقيام بالأشغال المنزلية إلى غاية التحاقها ببيت الزوجية.  

كما يسجل، من ناحية أخرى، في الحواضر والبوادي، على حد سواء، ضعف الخدمات الطبية والاستشفائية العمومية، حيث مستشفى أو مركز صحي واحد لآلاف المواطنين لا يفي بأغراضهم ولا يستجيب لمطالبهم الصحية، ما يجعل الأسر المعوزة تعاني الأمراض ومواجهة تكاليف التطبيب والتداوي الباهضة، التي تثقل كاهلهم وتصرفهم عن توجيه اهتمامهم إلى تمدرس أطفالهم، الذين لا يلتحقون بالمدرسة بتاتا، أو قد يغادرون الأسلاك الدراسية بفعل أمراض عابرة أو مزمنة، تقعدهم وتفتك بهم.

كما يلاحظ أن استفادة، فقط، بعض التلاميذ، خصوصا في البوادي، من خدمات الدعم الاجتماعي والإطعام المدرسي، ما يشكل أحد العوامل المؤثرة سلبا في إقبال الأطفال على التمدرس ومتابعة الدراسة. وعلى العموم، فإن قلة المنح المدرسية والجامعية، ومحدودية الطاقة الاستيعابية للداخليات والأحياء الجامعية ودور الطلبة، تدفع الأمهات والآباء إلى توقيف أبنائهم خصوصا الفتيات، وعلى الأخص الوافدات من الوسط القروي إلى توقيفهم عن متابعة دراستهم، لعدم قدرتهم على توفير لهم الإيواء والأكل والنقل ومختلف لوازم الدراسة والتكوين.

كما يرى أرباب الأسر الفقيرة، خصوصا منهم، ذوي العدد المرتفع من الأطفال، أن تكلفة التمدرس تتجاوز طاقتهم المادية المحدودة، حيث يعجزون عن أداء واجبات التسجيل واقتناء الكتب المدرسية، في ظل عدم استفادتهم من إعانات مادية، المتمثلة في لوازم مدرسية كافية تخفف أعباءهم وتحفزهم على تمدرس أطفالهم.

إن الطبقة الاجتماعية المسحوقة التي تعاني الفقر والأمية والتهميش، والمحرومة من الخدمات الاجتماعية الأساسية، حيث لا تتوفر على عمل رسمي، ولا ضمان اجتماعي، ولا تأمين صحي، ولا تحصل على تعويضات أو مساعدات عائلية أو إعانات صحية، وليس لها نظام تقاعد، ولا تستفيد من دعم اجتماعي، والتي  مصيرها التسريح وإغلاق الضيعات والمقاولات والمعامل أبوابها دون سبب ودون حقوق، يعاني أطفالها الأمراض والحرمان، ليصبحوا عرضة للانحراف والانحلال الخلقي، من تسكع وتناول المخدرات والإدمان على التدخين، هذه الآفات تشكل العوامل الأساسية للفشل الدراسي ومغادرة الأسلاك الدراسية.

وعليه، وفي اعتقادنا وكما يرى كثير من المهتمين والفاعلين التربويين الممارسين ميدانيا، أن الإصلاح التعليمي يرتبط ارتباطا عضويا بإصلاح أحوال الأسر المغربية خصوصا المعوزة منها، وتنزيل الدستور وتنفيذ توصياته ومقتضياته وسيادة مبادئ تكافؤ الفرص التعليمية والتكوينية والعدالة والمساواة، والارتقاء بخدمات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، هذه مطالب آنية ومستعجلة تتردد على ألسن العديد من أرباب الأسر عموما وآباء وأولياء التلاميذ الذين يعانون الفقر والعوز على الخصوص، توازي الإصلاح التعليمي إن لم تكن قبله، وتعتبر مرتكزاته الأساسية الضامنة لنجاحه وتحقيقه الأهداف المنتظرة منه.

يــــتــــــــبــــع

نهاري امبارك، مفتش التوجيه التربوي، مكناس.

 

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. عكاشة أبو حفصة
    13/09/2012 at 21:41

    موضوع جميل يستحق أكثر من قراءة لي عودة إن شاء الله تعالى.انتظر بفارغ الصبر التكملة خاصة ونحن في الأيام الأولى للدخول المدرسي الحالي . كم سأكون شاكرا لكم لو تطرقتم إلي المشاكل الإحتماعية الناتجة عن الطلاق وحرمان الطفل التلميذ عمدا من نصف الحنان وتأثير ذلك على المردودية الدراسية؟؟؟ وشحن الأطفال التلاميذ في وضعية الطلاق بافكار هم في غنا عنها . كما أطلب منكم التطرق الى وضعية هؤلاء التلاميذ بين أقرانهم داخل وخارج المدرسة… لكم الكلمة أستاذي في هذا الموضوع أي أطفال- التلاميذ – ما بعد الطلاق و المدرسة واتمنى مع الشكر المسبق بأن تنوروا لنا الطريق في هذا الشأن والسلام على كل شخص يسعى في خدمة التلاميذ والتلميذات و السلام عليكم ورحمة الله

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *