ثالوثُ المَعرفة التّنويرية في الغرب الإسلامي

قلم: إدريس الواغيش
كيف ننظرُ في عالم اليوم إلى المَعرفة؟ بعيدًا عن إدراك الأشياء وفهم الحقائق والوعي بها، وبهارَات العُلوم والتّكنولوجيَات الحديثة التي أدخلتنا، بالإغرَاء حينًا والغَصب تارة أخرى إلى دوّامات طاحنة في عَولمة عمياء. هذه العَولمة التي أعمت عُيوننا، وغزَت أدمغتنا وعوالمنا وبيُوتاتنا، وأثّرَت سلبًا وإيجابًا على سلوكيّاتنا وعاداتنا، حتى أصبحنا عبيدًا لها غصبًا عنّا في كثير من الحالات. ولكن، يجوز أن نتساءل في براءة الباحثين عن المعرفة، وبرودة أعصاب مَنهج جامد، بعيدًا عن أيّ انفعَال: هل نحنُ قادرون فعلا على إنتاج معرفة تليق بالعصر الذي نعيش فيه؟ وهل بإمكاننا عربًا ومسلمين بناء مجتمع معرفي راقي يليق بتاريخنا العظيم وإرثنا المَعرفي المَجيد، كي نعيش في مجتمع معرفي يحلق بنا، يكون أعلى ممّا نحن فيه من درك حضاري بين الأمم المتقدمة، سواء تلك التي توجد من حولنا وأمامنا ومن خلفنا؟
بعيدا عن تشريح هذه الـ « مَعرفة » وماهيتها وأنواعها وطرق اكتسابها، والخوض في أهميّتها وفصلها وأصلها ومفاهيمها، وهي أكثر اشتباكًا وتعقيدًا ممّا نظن أو نعتقد، فإننا في النهاية لا نجد لها أثرًا في كثير من الكتب المتداولة في مختلف الأجناس الإبداعية والفكرية، وهي تتكدس كل يوم فوق رُفوف مكتباتنا. المسلمون والعرب، من جهتهم، لم ينتجوا لنا معرفة تليق بتاريخهم منذ القرون الوسطى، أما في أوروبا والغرب عمومًا، فقد جفّت ينابيع المعرفة في مهدها الأصلي مع أبيقور (270- 341 ق.م) والقدّيس أوغسطين (430- 354 ق.م)، وصولا إلى ألمانيا وفرنسا في نهاية القرن التاسع عشر، وإلى حدود القرن العشرين. ولم نعد قادرين على إنتاج معرفة ترُجّ الكون بطرح أسئلتها المقلقة والمستفزة، وتُغيّر من أحوال العالم وسكونه في بعده الكوني والإنساني. أصبحنا نكتفي بإعادة إنتاج نفس المعرفة السّابقة، غربيّة كانت أو عربية وإسلامية، ونعمل على تدويرها بشكل سيّء في أحسن الأحوال.
أغلبية المبدعين والمفكرين العرب، حتى لا أعمّم، فيما أعلم ولا أعلم، لا يمتلكون الجرأة الحقيقة لطرح أسئلة مستفزة وجديدة وجديرة بالتفكيك والتحليل، إمّا خوفًا من ضغط اجتماعي أو من محاصرة أسئلة المجتمع، وضعٌ قد يُهدّد أمنهم وسلامهم الداخلي، ولذلك نجدهم يكتفون بأخذ أفكارهم من كتب أخرى مترجمة أو في لغاتها الأصلية من ثقافات قديمة، بعضها يكاد يكون منسيًّا، وينسبونها لأنفسهم، ثم ينشرونها كمعرفة جديدة خاصة بهم، ويوهمون القارئ المفترض أنها ملكية فكرية لهم، والحقيقة غير ذلك. ويتناسى هؤلاء أنهم بذلك، يعملون على إعادة إنتاج وتدوير معرفة قديمة أنتجها غيرهم، وكان دورهم فيها محصورًا ومحدودًا، والأسوأ من ذلك أنهم صاغوها بشكل رديء. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا نقرأ لكي نعرف؟ وحتى نكتب عنه أو ننتج منه معرفة، بعد عمليتي الهضم والاستيعاب، معرفة جديدة تليق بعصرنا الحالي، وهو عصر أكثر تعقيدًا ممّا سبقه من أزمنة وعُصور؟ الكل يكتب ويفكر، ولكن ماذا ينتج؟ وماذا يقرأون؟ وكم كيف يقرأون؟
سأعتمد في هذه الورقة على ثلاثة نماذج من الغرب الإسلامي، على سبيل المثال لا الحصر، واحدة من المغرب واثنتين من الأندلس، كل نموذج طوّر نفسه في مجال اشتغاله، وكل في زمانه ومكانه ومجال تخصّصه، وأعطانا شيئًا جديدًا. وهكذا نجد في الفكر ابن رشد الأندلسي، وفي التصوف محيي الدين بن عربي. أما في الشعر، لن نجد أحسن من الشاعر محمد السرغيني، إذ لا شيء فيما أنتجوه، يتشابه مع معرفة من سبقوهم في الفلسفة والشعر والتصوّف. الفيلسوف ابن رشد، درس الفلسفة اليونانية القديمة والشريعة الإسلامية، واستوعب الاثنتين معًا، وأمكنه ذلك من إنتاج معرفة جديدة، وأخرج الفلسفة من عباءتها اليونانية القديمة بعد تنقيّتها، دمج بين العقل والنقل إلى درجة أصبحت تتآلف فيها الفلسفة مع الشريعة الإسلامية. ألف في هذا الباب كتاب: » فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتّصال »، مثبتا بذلك أن الفلسفة والدين الإسلامي يهدفان إلى نفس الحقيقة، وأن البرهان العقلي لا يتعارض مع النص الديني، عكس ما كان يراه غيره من الفلاسفة المسلمين ومنهم الغزّالي. واعتبر ابن رشد أن الاثنين لا يختلفان في البحث عن الحقيقة الخالصة والمطلقة، وأن كل منهما يصبّ في خانة واحدة، ولا يتعارضان إطلاقا، كما كان يظن البعض، بل يكملان بعضهما البعض. وهكذا ترك لنا ابن رشد فلسفة عربية إسلامية بمرجعيات خاصة، وهو ما أعطى لهذه الفلسفة- المعرفة ديمومة وخصوصية، ومكنها من الاستمرارية إلى اليوم، في حين وصلت كل الفلسفات الأخرى السابقة لها، ومنها فلسفة كثير من الفرق الكلامية، التي اعتمدت بشكل منفرد، إما على القرآن والسنة وحديث الأئمة أو على الفلسفة اليونانية، والنتيجة أن وصلت أفكار فلسفاتهم إلى الباب المسدود والاختفاء. وبالتالي، لم تستطع مقاومة زحف الزّمن الذي كان يتربّص بها، وتناست أن عالم المعرفة يتطوّر من حولها بشكل رهيب.
النموذج الثاني يتعلق بالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، وهو فيلسوف في المقام الأول قبل أن يكون صوفيًّا، تتلمذ على يد مُعلمه ابن رشد، وتأثر أيّما تأثر بفلسفته. ولذلك، جاءت صوفيته مختلفة عن باقي الصوفيات الأخرى التي نعرفها، صوفية عقلانية لا تستسلم للمسلمات والثوابت، ولا تعتمد « الشطيح والرّديح »، كما يقول عنها الشاعر محمد السرغيني، وهو من أكبر المعجبين بتصوّف ابن عربي وفلسفته. ولكن صوفيّته تعتمد الدليل العقلي، والمنطق في معرفة الخالق والحقيقة الإلهية، ومستعدة لمواجهة كل المتغيرات من حولها. لا تتكئ صوفيته على الزُّهد في الدنيا والانصراف إلى التعبّد في الكهوف، كما كان يفعل أغلب متصوفة زمانه. حاول ابن عربي جاهدًا أن يعمل على التقريب بين الفلسفة والتصوّف، ولكن دون أن يخرج من ظلال الشريعة الإسلامية، لأنه كان يعمل بمبدأ محدودية العقل، وجعله وسيلة لمعرفة العبادات لا غاية، عكس ما كانت تؤمن به فلسفة الغرب التي أعطت للعقل سلطة مطلقة. وفي هذه النقطة بالذات، يكون ابن رشد وابن عربي قد سبقا إيمانويل كانط، وهو من أعظم فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، وهو القائل أيضًا أن العقل لا يستطيع تفسير الماورائيات وظواهر ما بعد الطبيعة. واعترف بأن العقل مشدودٌ إلى العالم الحسّي، ومحصورٌ بحدود وسياجات لا يمكنه تجاوزها.
النموذج الثالث يعطيه لنا الشاعر محمد السرغيني من المغرب، درس البلاغة والبيان وأصول الفقه وقديم الشعر العربي على شيوخ جامعة القرويين، وحديث الشعر في المشرق العربي وجامعات الغرب الأوروبي. وأضاف له ما أمكنه الاطلاع عليه، وما استطاع الوصول إليه من شعر غربي حديث بلغاته الثلاث العالمية التي يُتقنها: الفرنسية، الإنجليزية والإسبانية. وبذلك، يكون السرغيني قد قرأ الشعر الغربي واستوعبه جيّدًا، وبالتالي أمكنه أن ينتج لنا شعرًا اعتمد الفكر والمنطق والعقل والممارسة العملية في الحياة، بعيدا عن أيّ عمل عاطفي. ولذلك، جاءت أشعاره المتأخرة على الخصوص غريبة، تتأرجح بين الفهم واللافهم، صادمة لاطمة للمشهد الشعري المغربي خاصة والعربي عامة.
شعر محمد السرغيني لا يقين فيه، يبتعد ما أمكن عن العاطفة، ويعتمد في نسج قصائده الشعرية، عن قصد، على خلخلة العقل والثابت من القوالب المتعارف عليها والأفكار الجاهزة. كما أنّ الشاعر محمد السرغيني لا يبتغي من وراء كتابة قصائده الشعرية تقديم لذّة قرائية أو غنائية مجّانية إرضاءً لقرّائه. ولذلك، نجده يبتعد عن المؤثرات المتعارف عليها في الشعر العربي الحديث والقديم، من صور بلاغية ومُصوّغات لغوية بكل تشكيلاتها أو اللعب بالألفاظ وتنويع الإيقاعات والموسيقية والقوافي. وبذلك، تصبح الأحاسيس في شعره مُشتّتة وشرايين الدّماغ مُتعبة. ويصبح الجسد والدماغ معًا، كائنان منفصلان ومتعبان بعد قراءة كل قصيدة سرغينية. محمد السرغيني مفكر وفيلسوف في شعره أكثر منه شاعرًا، وهو الكائن المُجمّع لخليط من المتناقضات والثقافات المتعدّدة والفلسفات غربية وشرقية. وهذا الخليط من المعارف، هو الذي أعطانا شعرًا مُوَلدًا للفكر والمعرفة العميقة، طارحًا لمزيد من الأسئلة المُستفزّة والمُقلقة. لم يكتف الشاعر السّرغيني بتقديم أفكار ومعرفة جديدة، بل قدم لنا كل ما هو عربي ومغربي قديم في أثواب وأنساق وإيقاعات غربية جديدة: رموز، أساطير، حكايات شعبية، تاريخ، إلخ. ولكن، كل ذلك في أنساق وأشكال جديدة تتماشى مع روح العصر، مفيدة ومغذية للعقل الرّوح ومنوّرة للفكر.
ومن هنا، يبقى في نظري كل من ابن رشد، ابن عربي ومحمد السرغيني أنموذجًا ثلاثيًّا تنويريًّا في الغرب الإسلامي، استطاع تغيير الكثير من المفاهيم الثابتة في الوعي العربي والإسلامي، كل واحد منهم حمل في ذاته مفكرًا وفيلسوفًا أنتج أفكارًا جيّدة وجديدة، لم يسبقه إليها أحد غيره. وظل ولاء هذا الثلاثي المطلق للسؤال والحقيقة والفهم، ولا شيء غيرها. ولذلك، لا يمكن إعادة هذا الثلاثي في كل الأحوال مرّتين، كل واحد من هذا الثلاثي تفنّن وأبدع وأنتج في زمانه، وقدم لنا معرفة ومفاهيم جديدة تليق بالعصر في مجال تخصّصه.



Aucun commentaire