Home»Femme»الرؤوس المكشوفة

الرؤوس المكشوفة

0
Shares
PinterestGoogle+

محمد شحلال
إذا كان ،،ضمان لقمة الخبز،،هو الغاية في نهاية كل الجهود التي يبذلها الناس،باعتباره الغذاء الذي لا بديل عنه،وترتبط به جل العناصر الغذائية،فإن طقوس إعداد هذا الخبز،ظلت تخضع لكل شروط النظافة الصارمة حتى لا تخدش سمعة ربات البيوت.
ومن غير رصيد في الثقافة الغذائية،فإن أمهاتنا توارثن ضرورة استيفاء شروط خوض تجربة إعداد الخبز.
كانت المرأة لا تمس الدقيق حتى تخفي شعر رأسها، بما يحول دون تطاير شعرة قد يؤدي اكتشافها في الخبز إلى النفور من كل ما تحضره من طعام،فتتعرض بسبب ذلك إلى إلصاق تهمة قدحية بها قد لا تفارقها أبدا :(معفونة،أو: تامعفونت ،بلغة الأمازيغ)!
إن شعر المرأة قد يكون أهم عنصر في محاسنها،حتى تغنى به الناس والشعراء عبر العصور ،وتنافسوا في استعراض أنواعه ومراتبه، غير أن،،حبة،،من هذا الشعر كفيلة بأن تعصف بسمعة صاحبتها ،إذا علقت بأصابع أو أسنان أحد الضيوف على الخصوص، حيث كان البعض لا يقاوم شعورا بالاستفراغ الفوري بكل ما يترتب عنه من تداعيات على الأسرة بأكملها.
كان تسرب شعر المرأة إلى الطعام على رأس العيوب التي تنسب إليها في بلدتنا،بالرغم من تنوع أنواع العفن التي قد يصادفها الجالسون إلى الطعام.
وحرصا من النساء في الماضي، وكذلك الفتيات الوافدات على الحياة ،على ضمان الإقبال على ما تصنع أصابعهن،وبتعليمات من الآباء والأزواج كذلك،فإن المرأة كانت تبادر بعد إخفاء شعرها عن الحاضرين،إلى تنظيف يديها ومرفقيها أمام الأنظار عمدا في جل الحالات، حتى تجنب نفسها الشبهات، ويقبل الحاضرون على خبزها وهم مطمئنون.
لقد ظل إعداد الخبز خاضعا لكل الطقوس التي تضمن خلوه من الشوائب،إلى درجة أن ربة البيت كانت تختار مكانا بعيدا عن الريح لاتقاء سقوط أي جسم غريب في عجينها،لذلك تعلقنا بخبز أمهاتنا اللواتي لم تسلم معظمهن من عقاب الأزواج عند ضبط أول هفوة.
لا زال الأهالي ببلدتنا يحافظون على قدسية الخبز، لأنه في الواقع، جسر سالك نحو بقية الأطعمة،إلى درجة أن بعض الخبز قد يعفي عن المرفقات،فكيف إذا كان من صنع بعض النساء اللواتي نلن شواهد التميز في محيطهن ؟
إن الذي قادني إلى إحياء طقوس العجين ،،بالدقيق المصون في المزود ليحضرفي قصعة خشبية أو خزفية،،هي هذه المشاهد المقرفة في قنواتنا ،حين تعرض علينا نماذج من ربات البيوت والفتيات وهن يحضرن وجبة من الوجبات برؤوس مكشوفة،سرعان ما يعقبها إشهار لحفاظات الصبيان أو ما يوازيها في القرف !
إن المشتغلين في المطاعم والمخابز بالدول،،الكافرة،،كما ننعتها،لا تفارق رؤوسهم قبعات حافظة ،إسوة بأياديهم التي لا تمس مادة إلا بقفازات،بينما تميل طباخات ،،القنوات،،عندنا إلى التبرج بصيغة أخرى !
عندما يتأمل المرء حال،،شميشتنا،،ومن يسرن على نهجها في إعداد الحلويات والوجبات المختلفة، وشعرهن المكشوف يتموج، فإنه لا يسعه إلا أن يأسف للدوس على قواعد الإسلام في النظافة،حيث لم يكن حثه على تغطية رأس المرأة صدفة أو مجرد رغبة في التضييق عليها،بقدر ما كان يسعى ليظل شعر المرأة ملكا لها ولشريكها، مخافة أن يعرض في سوق النخاسة كما يحصل الآن، ويجعل الطعام الذي تعده ،لا تحوم حوله الشكوك.
إننا نستهلك الخبز التجاري -على مضض-وفي نفسي -شخصيا- صورة امرأة
فاضلة كانت مضرب مثل في تحضير الخبز بين كل أهلنا.
نالت هذه المرأة من الثناء بين النساء كما الرجال مكانة لا مجال فيها للمقارنة، حتى إنني ظللت أغذي ألأمل في تذوق خبزها ذات يوم،وهو ما تحقق قبل وفاتها بقليل-رحمها الله-
كانت ع.حليمة.تعيش مع والدتها المعمرة حينما شاءت الأقدار أن أكون إلى جانب ضيوف من أقاربها قدموا من الجزائر،وهو دافع إضافي لأتقان الصنعة.
كنا نرتشف كؤوس الشاي، بينما ظلت المرأة تداعب دقيقا لامعا كان مدخرا لمثل هذه اللحظات.
تطلب عملية تحويل الدقيق وقتا طويلا،فلما أصبح الخبز جاهزا،خيل إلي وكأن هذه المرأة قد استعارت من النحل مهارته لتصنع بدلا عن الخبز تحفا حقيقية !
ما إن تناولت أول لقمة،حتى استصغرت كل الخبز الذي أكلته من قبل! عجزت عن إبداء إعجابي، فناب عني الضيوف في الإشادة ب،،خالتي حليمة،،التي لم تطأ قدماها مدرسة ولا تخطت أسوار مدينة !
كان حظي في أوج عطائه عشية ذلك اليوم،حيث دعينا لطعام العشاء، الذي أعدت فيه مضيفتنا طبق كسكس ،كان فيه من التميز ما لا يتوفر إلا لهذه المرأة البسيطة التي ظلت تجني من بستانها جل مؤونتها ،حتى تقوس ظهرها كما ينتهي حال كل الذين بعيشون بعرق جبينهم ،لكنهم لا يدخرون جهدا في صيانة الذوق وصقله.
رحم الله هذه المرأة العفيفة ،وكل النساء اللواتي بصمن حقبة من تاريخ بلدتنا، وكل الأمل في أن تتسلح المرأة المعاصرة بعفة أمهاتنا التي تتأذى صورتهن على أيد حثالة فتحنا لها كل الأبواب.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *