Home»International»السُّؤَالُ الْقَاتِلُ وَالنَّظْرَةُ الْمُرْعِبَةُ وَلُغْزُ اخْتِفَاءِ شَابٍّ سَأَلَ « بُومَدْيَنَ » عَنِ الْهُوِيَّةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ: بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ الصَّمْتِ.. مِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ تُعِيدُ إِحْيَاءَ قِصَّةِ الطَّالِبِ الْمُخْتَفِي « عُبَيْدِ جُمُعَةَ »

السُّؤَالُ الْقَاتِلُ وَالنَّظْرَةُ الْمُرْعِبَةُ وَلُغْزُ اخْتِفَاءِ شَابٍّ سَأَلَ « بُومَدْيَنَ » عَنِ الْهُوِيَّةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ: بَعْدَ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ الصَّمْتِ.. مِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ تُعِيدُ إِحْيَاءَ قِصَّةِ الطَّالِبِ الْمُخْتَفِي « عُبَيْدِ جُمُعَةَ »

0
Shares
PinterestGoogle+

عبدالقادر كتـــرة
في صفحات التاريخ، غالباً ما تُكتب الأحداث الكبرى بأسماء القادة والزعماء، لكن بين سطور هذه الصفحات، تختبئ قصص لأشخاص بسطاء دفعوا أثماناً باهظة لمجرد أنهم حلموا بصوت عالٍ.
إحدى هذه القصص المنسية التي أعادت منصات التواصل الاجتماعي نبشها مؤخراً، هي قصة الطالب الجزائري الشاب « عبيد جمعة »؛ قصة تلخص مأساة جيل كامل اصطدم بواقع مغاير للشعارات المرفوعة، وتطرح تساؤلاً عميقاً حول ثمن « الكلمة الحرة ».
وهم الحرية في مدرج الجامعة
تعود بنا القصة إلى عام 1976، في أروقة جامعة الجزائر. في ذلك الوقت، كانت البلاد تعيش تحت حكم الرئيس الراحل هواري بومدين، في فترة اتسمت بقبضة حديدية ومشروع سياسي وثقافي أحادي لا يقبل الاختلاف.
في أحد الأيام، وقف الرئيس بومدين خطيباً أمام حشود الطلاب. وكما هي عادة الخطابات السياسية التي تحاول استقطاب الشباب، أنهى الرئيس كلمته بعبارة تبدو في ظاهرها قمة الديمقراطية، قائلاً: « الكلمة لكم.. وأنتم أحرار في طرح أي أسئلة تريدونها! ».
السؤال القاتل
في تلك اللحظة، صدّق الشاب « عبيد جمعة » —وهو طالب من مواليد 1954 ينحدر من منطقة بني ماوش بولاية بجاية— الوعد الرئاسي. براءة الشباب وإيمانه بحقه في المعرفة دفعاه للوقوف وتوجيه سؤال كان في ذلك الزمن بمثابة « مشي في حقل ألغام ».
سأل الشاب ببساطة: « سيدي الرئيس، هل تعتقد أنه سيأتي يوم يمكننا فيه دراسة اللغة الأمازيغية والتحدث بها بكل حرية؟ ».
لم يكن السؤال يحمل دعوة لتمرد مسلح، ولا تحريضاً على العنف، بل كان استفساراً مشروعاً عن مكون أصيل من مكونات الهوية الجزائرية، كان في ذلك الوقت من أشد « المحرمات » السياسية.
وتقول الروايات المتداولة إن الإجابة لم تكن بالكلمات، بل كانت « نظرة غضب قاتلة » رمق بها الرئيس ذلك الطالب، قبل أن يتم تجاوز السؤال تماماً.
اختفاء في غياهب النسيان
في الأنظمة الشمولية، لا تنتهي القصص بانتهاء الخطابات. بعد يومين فقط من تلك الحادثة، اختفى الطالب عبيد جمعة وكأن الأرض انشقت وابتلعته.
لم تشفع له بطاقته الجامعية من معهد الدراسات السياسية، ولا شبابه، من مصير « الإخفاء القسري ». ومنذ ذلك اليوم من عام 1976 وإلى غاية كتابة هذه السطور، لم تتلقَ عائلته أي خبر يطفئ نار لوعتها، ليُسجل كواحد من ضحايا الرأي الذين غيبتهم المعتقلات المجهولة.
المفارقة التاريخية: انتصار السؤال
إذا كان جسد « عبيد جمعة » قد غُيب بقسوة، فإن التاريخ يحمل في طياته سخرية لاذعة من جلاديه ومفارقة تحمل كل معاني الانتصار للضحية.
السؤال الذي كلف هذا الشاب حياته، أصبح اليوم واقعاً ملموساً. فبعد عقود من النضال المرير، والحركات الاحتجاجية، والتضحيات الجسام في محطات مثل « الربيع الأمازيغي » عام 1980 وأحداث 2001، اضطرت السلطة في النهاية للرضوخ لنداء التاريخ. لقد تم الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية في الدستور الجزائري، وباتت تُدرّس في المدارس والجامعات، وتُتداول في وسائل الإعلام بكل حرية.
ختاما، اليوم، يتداول الشباب الجزائري صورة « عبيد جمعة » بابتسامته الهادئة وشعره الكثيف عبر منصات مثل (TikTok) و(X)، في محاكمة أخلاقية لزمن مضى.
هذه الاستعادة الرقمية ليست مجرد نوستالجيا أو بكاء على الأطلال، بل هي إعلان واضح بأن الرصاص والسجون قد تغيب الأجساد، لكنها أعجز من أن تقتل فكرة حان وقتها.
لقد رحل عبيد جمعة ولم يرَ حلمه يتحقق، لكن سؤاله الموؤود أزهر في حناجر الملايين، ليثبت أن « الكلمة الحرة » لا تموت، حتى وإن كان ثمنها الحياة نفسها.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *