Home»Débats»العرب ومعركة الهوية التي لا تنتهي

العرب ومعركة الهوية التي لا تنتهي

0
Shares
PinterestGoogle+

الكاتب : سعيد حجي

…
حينما انشغل العالم باكتشاف أسرار الكون، وغزو الفضاء ، والبحث عن آفاق جديدة للمعرفة، ظل جزء كبير من عالمنا العربي غارقا في صراعات الهوية والمذاهب والأصول، يتنازع أبناؤه حول من ينتمي إلى الفرقة الصحيحة، ومن يمتلك الحقيقة، ومن كان أسبق إلى هذه الأرض، ومن يحق له احتكار التاريخ والمجد. صراعات تمتد من الكتب إلى المنابر، ومن النقاشات اليومية إلى الحروب، حتى تحولت الاختلافات التي كان يفترض أن تثري مجتمعاتنا إلى جدران تفصل بين أبنائها.
المؤلم أن هذه المعارك تستمد قوتها من الماضي، بينما يدفع الحاضر ثمنها، ويُترك المستقبل رهينة لها. يولد الطفل فيجد نفسه محاطا بأحكام جاهزة عن الآخرين، يتعلم من أسرته ومحيطه من ينبغي أن يحب ومن ينبغي أن يكره، وأي مذهب يستحق الاحترام وأي جماعة تستحق الإقصاء. وهكذا تنتقل الخصومات من جيل إلى آخر، ويصبح الإنسان وريثا لمعركة لم يختر بدايتها، وقد يقضي عمره مدافعا عن خلافات لم يفهم جذورها.
نستنزف طاقاتنا في إثبات نقاء هوياتنا، والتنقيب عن أخطاء الآخرين، واستحضار وقائع مضى عليها قرون لنحاكم بها أحياء اليوم. نختلف حول تفسير التاريخ، ونحوّل المذاهب إلى حدود نفسية واجتماعية، ونمنح الانتماء قدرة على تحديد قيمة الإنسان قبل أن نعرف أخلاقه أو علمه أو ما يقدمه لمجتمعه.
إن أخطر ما في هذه الصراعات أنها تجعل الهوية سجنا، والمذهب معيارا للحكم على البشر، والتاريخ سلاحا في معارك الحاضر. فالإنسان الذي ينظر إلى جاره من خلال انتمائه المذهبي أو العرقي، قد يعجز عن رؤيته إنسانا يشاطره الأرض والماء والخبز والمصير. ومع مرور الزمن، تتراجع الثقة بين الناس، وتتآكل الروابط الاجتماعية، وتصبح أبسط الاختلافات مادة للشك والاتهام والتحريض.
لقد عرفت الحضارة العربية والإسلامية تنوعا فكريا ومذهبيا واسعا، وازدهرت في مراحل كثيرة حين تفاعلت العقول وتجاوز العلم حدود الانتماءات. فقد عاش علماء من مذاهب مختلفة في مدن واحدة، وتداولوا المعرفة في فضاء علمي مشترك، رغم اختلافاتهم العقدية والفقهية. ففي بغداد، عاش أبو حامد الغزالي، الفقيه الشافعي، في زمن الشريف الرضي، العالم والشاعر المنتمي إلى المذهب الشيعي، كما كان الشيخ المفيد، أحد أبرز علماء الشيعة، حاضرا في المشهد العلمي للعاصمة العباسية. ومن شمال إفريقيا، خرج العالم الأمازيغي ابن تومرت من جبال سوس بالمغرب، وارتحل إلى المشرق طلبا للعلم، فدرس في حواضر متعددة، واطلع على مدارس فقهية وكلامية مختلفة، منها الأشعرية والمعتزلة، قبل أن يعود إلى المغرب ويؤسس حركته الإصلاحية.
تكشف هذه الشواهد أن تاريخنا الفكري كان أوسع من الحدود المذهبية الضيقة التي يحاول البعض حصره فيها، وأن اختلاف المدارس لم يمنع العلماء من التفاعل والتناظر وتبادل المعرفة في مراحل كثيرة. أما حين يتحول الاختلاف إلى تكفير وإقصاء وتنازع على امتلاك الحقيقة، فإنه يفقد قيمته الفكرية ويصبح أداة لتعبئة الجماعات ضد بعضها، وتكريس العداوة بين أناس تجمعهم الحياة أكثر مما تفرقهم الانتماءات…
لسنا مطالبين بالتخلي عن هوياتنا أو محو اختلافاتنا، فالتنوع جزء من طبيعة المجتمعات، والمشكلة تبدأ حين يعتقد كل طرف أن وجوده يقتضي إلغاء الآخر، وأن احترام عقيدته لا يتحقق إلا بانتقاص عقيدة غيره. وقد جاء القرآن واضحا في بيان الغاية من اختلاف البشر، حين قال الله تعالى: »وجعلناكنم شعوبا وقبائل لتعارفوا « . فالتعارف هو الغاية التي يفتحها الاختلاف، لا التناحر الذي يحوّل البشر إلى خصوم، ولا التعصب الذي يجعل الانتماء ذريعة لاحتقار الآخرين.
والأكثر إيلاما أننا نطالب بالتقدم والنهضة، ثم نعيد إنتاج الشروط التي تعطل قيامهما. كيف يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله فيما يظل أبناؤه مشغولين بتصنيف بعضهم، وتوزيع صكوك الصواب والخطأ، واستدعاء خصومات الأجداد؟ وكيف يمكن أن تتشكل ثقة مشتركة بين مواطنين ينظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم خصوما محتملين بسبب الاسم أو المذهب أو الأصل؟
إن الأمم لا تتقدم بكثرة ما تملكه من روايات عن ماضيها، ولا بانتصار جماعة على أخرى في معركة الهوية، وإنما بقدرتها على تحويل اختلافاتها إلى مساحة للتعايش والعمل المشترك. وما لم نتحرر من الحاجة الدائمة إلى إثبات أننا أفضل من الآخرين، سنظل ندور في الحلقة نفسها، نعيد فتح قبور الماضي، ونترك أبواب المستقبل مفتوحة لغيرنا.
المأساة أن يرث أبناؤنا خلافات لم يصنعوها، ثم يورثوها بدورهم لأبنائهم، فيما يمضي العالم إلى الأمام، ويظل بعضنا مشغولا بتحديد من يستحق أن يكون أخا له، ومن ينبغي أن يظل عدوا

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *