قراءة هادئة في أحداث « سبتة » المحتلة


علينا أن نتفق أولا بأن الشعب المغربي من أكثر شعوب الأرض جَلْدا لذواتهم، إن لم نكن أكثرهم على الإطلاق، وأننا محترفون في تبرئة الآخر؛ رغم ظهور الأدلة التي تدينه، واتهام أنفسنا بلا بينة أو دليل، وكأنها عادة أدْمَنّا عليها منذ فجر التاريخ، هذا ما بدا لي واضحا في كأس إفريقيا الأخيرة، حيث كان كثير منا، من غير وعي أو قصد، وقودا في نشر سردية أننا مدعومون من « الكاف » و »الفار » وقرارات الحكام، وأن الكأس الإفريقية قد تسلمناها مسبقا على الورق قبل حتى أن تبدأ، ولم يتبق سوى فصول مسرحية متقنة الإخراج لتكتمل أركان الجريمة.
لولا أننا « نزيهون » فوق النزاهة نفسها، ومتجردون أكثر من تجرد الفلاسفة أنفسهم، لما نجحت كثير من المؤامرات التي تحاك ضد بلدنا الذي قال عنه جلالة الملك في خطاب العرش الأخير بأنه بلد صاعد، أي أن فيه من المشاكل ما لا يمكن التستر عليه، ومن النقائص ما لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه؛ لكن العين المنصفة مثلما تُعَدد ما يُحزن النفس ويدمي القلب، لا تسارع في الوقت ذاته لإنكار ما يسر العين ويثلج الصدر.
إن مشاهد آلاف المراهقين يقتحمون « سبتة » المحتلة لا تسائل الدولة وحدها، ولكن تسائل أيضا المجتمع المدني، والنخب والمثقفين والمؤثرين المغاربة، وكذا الأحزاب السياسية غير المسؤولة، والتي تنشر خطاب اليأس والتبخيس من المنجزات لتظفر بغنيمة الانتخابات، كما تسائل الغرب الاستعماري الذي يُسَوق نفسه على أنه الجنة الموعودة فوق الأرض، وأنه يجسد أسمى معاني الحرية والديمقراطية والعدالة؛ وهو ما اكتشف زيفه كثير من هؤلاء المراهقين المُغرر بهم، بعدما تجرعوا مرارة الجوع والعطش، والطرد والإذلال، والسلوكيات الفاقدة لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، فَهَمُّوا بالعودة إلى وطنهم طواعية وبدون تردد، بعدما هجروه تحت وطأة إكراه الإعلام المضلِّل والمحرِّض، والذي يتقن تزيين الوهم وتجميل القبيح.
علينا أن نكف من أن نجلد ذواتنا لمجرد أننا، في يوم من الأيام، رأينا كثيرا من أبنائنا يهربون من وطنهم الحبيب؛ إذ لو أنهم كانوا يعيشون فيه الجحيم حقيقة، لما كان جوع يوم وعطش ليلة كافيان لإرجاعهم للجحيم من جديد؛ ولما كانا كافيان لإقناعهم بأن أوطانهم وإن جارت عليهم عزيزة، ولا يحز في أنفسنا أن يستغل أعداؤنا هذه المشاهد القاسية للنيل من سمعتنا، ما دام هؤلاء الأعداء متيقنين من أن شعوبهم المقهورة ستهجر عن بكرة أبيها إذا ما سنحت لها الفرصة، وكما قال المسيح عليه السلام لمن أراد أن يرجم المرأة الزانية: « فَلْيَرْمِها بحجر من كان بلا خطيئة ».
لا يهم إذا كان لا أحد يعرف بالضبط ما وقع في أحداث « سبتة » المحتلة، ومن كان وراءها، وما كانت أهدافها الحقيقية؛ المهم أن الجميع بات يعرف بأن المخزن أمكر من أن يمكر به الماكرون؛ يكفي أن هذه الأحداث جعلت العالم يكتشف أن « سبتة » و »مليلية » أرض مغربية، وجعلت كثيرا من الأصوات الغربية ترتفع بضرورة إرجاعهما لمالكهما الحقيقي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، كما جعلت إسبانيا، تتأكد مرة أخرى، بأن المغرب ليس من الدول التي يمكن العبث معها دون أن يكون لذلك ثمن.
نورالدين زاوش
رئيس جمعية المعرفة أولا




Aucun commentaire