من تبادل الكتب إلى تمزيقها.. ماذا يحدث لقيمة التعليم في المغرب؟

بقلم: مريم مستور

قبل سنوات، كان التلميذ المغربي يودع موسمه الدراسي بحفظ كتبه ودفاتره بعناية، بل إن العديد منهم كانوا يتبادلون الكتب فيما بينهم، لتستفيد منها أسر أخرى أقل قدرة على اقتناء المقررات الجديدة.
كان الكتاب المدرسي بالنسبة إلى أجيال كاملة رفيقاً للعلم، وذاكرةً تحفظ أسماء الأصدقاء والأساتذة، وشاهداً على مرحلة من العمر لا تتكرر.
أما اليوم، فقد أصبحت نهاية السنة الدراسية في بعض المؤسسات التعليمية مناسبة لمشاهد مؤلمة، يتسابق فيها بعض التلاميذ إلى تمزيق الكتب ورميها في الهواء أو تركها مبعثرة في الساحات والشوارع، وكأنها فقدت كل قيمة بمجرد انتهاء الامتحانات.
مشاهد أثارت استغراباً وحزناً لدى كثير من المغاربة الذين رأوا فيها سلوكاً غريباً عن ثقافة المجتمع وقيمه.
فالكتاب المدرسي ليس مجرد أوراق مطبوعة، بل هو وعاء للمعرفة، وجزء من الذاكرة الدراسية لكل تلميذ. وبين صفحاته أسماء وعبارات ودروس، بل وحتى كلمات تحمل اسم الله تعالى أو أسماء الأنبياء والصالحين، مما يجعل التعامل معه باحترام جزءاً من احترام العلم نفسه.
غير أن ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات عديدة: هل أصبح التعليم مجرد عبء ثقيل يسعى التلميذ إلى التخلص منه؟ وهل فقدت المدرسة قدرتها على غرس حب المعرفة وقيمة الكتاب؟ أم أن الظاهرة تعكس أزمة أعمق تتعلق بالأسرة والمجتمع والمنظومة التعليمية برمتها؟
من السهل تحميل التلاميذ وحدهم مسؤولية هذه التصرفات، لكن الحقيقة أن المسؤولية جماعية. فالأسرة مطالبة بتربية أبنائها على احترام الكتاب وتقدير قيمة العلم، والمؤسسة التعليمية مدعوة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة والمحافظة على الممتلكات العامة، كما أن المجتمع مطالب بإعادة الاعتبار للمدرسة وللأستاذ الذي يؤدي رسالته في ظروف ليست دائماً سهلة.
كما أن رجال ونساء التعليم، رغم ما يواجهونه من تحديات وإكراهات، يحتاجون إلى مزيد من الدعم والتقدير حتى يستعيد التعليم مكانته الطبيعية باعتباره أساس نهضة الأمم.
الفرح بنهاية السنة الدراسية أمر طبيعي، لكن التعبير عنه لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة للكتاب أو استخفاف بقيمة العلم. والأجدر أن تتحول هذه المناسبة إلى فرصة للتبرع بالكتب، أو تبادلها بين التلاميذ، أو الاحتفاظ بها كذكرى جميلة، كما كان يفعل آباؤنا وأمهاتنا.
إن مشاهد تمزيق الكتب تحز في النفس، لأنها لا تعني فقط ضياع أوراق، بل تعكس تراجعاً مقلقاً في العلاقة بين الأجيال الصاعدة والمعرفة. لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى حملات توعية تشارك فيها الأسر والأساتذة ووسائل الإعلام والجمعيات، حتى نعيد للكتاب هيبته، وللمدرسة رسالتها، وللعلم مكانته في المجتمع.
فالكتاب الذي نرميه اليوم، هو نفسه الذي نبني به مستقبل الغد
=====
منقول.



Aucun commentaire