زعيمُ حِزبٍ، أم صدرٌ أعظم

رمضان مصباح

« ولكن البلاد إذا اقْشَعَرَّت، وصَوَّحَ نبتُها رُعِيَ الهشيم« .
دعبل الخزاعي
استعادة اشتغال الصدارة العظمى:
خارج الاشتغال « السلطاني » ،تَقرُّبا من المؤسسة الملكية القوية جدا؛ لم تعد الأحزاب المغربية –رغم النص الدستوري المحدد لاختصاصاتها – تعني شيئا ذا أهمية سياسية كبرى لدى غالبية المواطنين ،وخصوصا الشباب .
لم تعد تمارس التأطير المواطني ،ولا الوساطة ؛وقد تجلى هذا جيدا في الربيع العربي ،الذي مثلته بالمغرب حركة عشرين فبراير؛ عدا ما يسجل من موقف « مرتجل » لحزب العدالة والتنمية ؛اذ حاول زعيمه توجيهها واجتواءها ؛دون أن تكون له بها – في عمومها – علاقة حزبية سابقة.
كما تجلى في حراك الريف ،الذي انتفض كنمر متوحش ؛معلنا منذ البداية قطيعته مع الأحزاب ،معتبرا اياها مجرد دكاكين سياسية .
وقد كان جوابها سريعا وخطيرا في نفس الوقت:
اتهمت الحراك – حتى وهو يهتف بمطالبه الاجتماعية – بالانفصال ،وقد قطعت بهذا شعرة معاوية .(أخيرا اعتذر السيد نبيل بن عبد الله ،معتبرا ما جرى زلة)
وقد كرس هذه القطيعة جيل Z؛الذي ملك بدوره – رقميا وواقعيا- أمر نفسه ؛وهو يرفع مطالبه الاجتماعية .
مرة أخرى لم تحاول الأحزاب السياسية الاقتراب من هذا الجيل حينما نحا ،في بعض المناطق، نحو تخريب الملك العام والخاص؛ بتأثير واختراق من شباب عاطل ،سعى ،بخشونة، ليلفت أنظار الحكومة الى وضعه المأزوم.
أفلحت كتائب العطالة في ما فشلت فيه الأحزاب ،أو لم تسع اليه أصلا.
رغم هذا الابتعاد ،شبه المطلق ،عما يعتمل في المجتمع – وهو في حراك رقمي تواصلي عام ودائم – يلتقط زعماء الأحزاب ،بسرعة ،كل الاشارات الصادرة عن المؤسسة الملكية ؛الا ما يرد في الخطب الملكية من توجيهات تخص اشتغالهم السياسي ،المدعوم سياسيا ،وماديا من المال العام.
وهم بهذا يستعيدون الاشتغال القديم لمؤسسة الصدر الأعظم ،بجانب السلطان.
صدور عظمى ،تظهر وتختفي ،حسب المواسم السياسية ،التي يشبهها المرحوم الحسن الثاني بالمواسم الفلاحية ،ومخرجاتها من الغلال.
ورغم كون المفهوم الجديد للسلطة ،كما بشر به ،وسعى لتنزيله جلالة الملك محمد السادس يتضمن تجديد ممارسة المؤسسة الملكية للحكم (الحديث)،كما ترسم – دستوريا وديموقراطيا – منذ الاستقلال ؛فان الأحزاب السياسية استوعبت هذا بطريقتها الخاصة والغريبة حقا: العودة بعلاقتها مع المؤسسة الملكية الى زمن الصدارة العظمى كما بينت.
وبعبارة أخرى: خطوة الملكية الجديدة الى الأمام ،أنتجت حزبيا خطوتين الى الوراء.
متقهقرة حتى عن دورها الى جانب المرحوم الحسن الثاني ؛الذي ختم ملكه باستدعاء شيخ المعارضة اليسارية ،عبد الرحمن اليوسفي ،ليعطي الانطلاقة لمرحلة « الديموقراطية التوافقية » ،من خلال تشكيل حكومة » التناوب التوافقي « .
أهي مجبرة في هذا ،أم مخيرة؟
الاجابة تستدعي ،مرة أخر، المفهوم الجديد للسلطة ؛الذي يفهم ،بداهة، على أنه تطور في نهج الحكم نادت به الملكية الجديدة ،غب البيعة.
والقول بإجبار الأحزاب ،من طرف المؤسسة الملكية، على ما هي فيه من ضعف يناقض كلية هذا المفهوم. منطقيا لا يمكن الجمع بين المتناقضين.
وتقوم الخطب الملكية ،حين تخاطب الأحزاب، حجة على أنها تنتظر منها – تطورا ومصداقية – الكثير؛ والمجبر على التقهقر ،لا يمكن أن يتطور.
لنتأمل هذه الفقرة من الخطاب الملكي السامي، بمناسبة الذكرى17 لعيد العرش:
» كما أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين ، تتوفر فيهم شرو ط الكفاءة والنزاهة ، وروح ا لمسؤولية والحرص على خدمة المواطن.
فأحزاب الأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلة عملها خلال ممارستها للسلطة؛ في حين يجب على أحزاب المعارضة تقديم النقد البنا ء واقتراح البدا ئل المعقولة في إطار تنافس مسؤ و ل من أجل إيجاد حلول ملموسة ، للقضا يا والمشاكل الحقيقية للمواطنين. »
ان شرط الكفاءة في تزكية المترشحين، مطلب ملكي ؛وهو يتضمن نقدا مبطنا للنهج الحزبي الجاري به العمل : تأسيس التزكيات على القرابة والولاء ،ونفوذ الأعيان ؛وأحيانا يتم الانحدار الى الدرك الأسفل ،باختيار القادر على الدفع أكثر.
هذا المطلب الملكي ،رغم خصوصية سبب نزوله، ينسحب على تركيبة الأحزاب ،كلية، ونهجها في ممارسة أدوارها الدستورية ،في التأطير السياسي للمواطنين؛ اضافة الى دور التوسط بينهم وبين الحكومة ؛في ما يخص مطالبهم السياسية والاجتماعية.
وبعبارة أخرى :المصداقية الحزبية العامة، شرط لتحقق مصداقية التزكيات.
والنصوص الملكية المشتغلة في هذا الاتجاه متعددة.
وعليه فلا يقول بضغط الملكية ،أو الدولة العميقة ،أو وزارة الداخلية، على الأحزاب لتكون على ماهي عليه من قصر الباع السياسي ؛الا من يريد التهرب من مسؤولياته ،وستر ضعفه البنيوي.
هي مخيرة ،واختارت أخف الأضرار:
حينما نقارن بين موقف المرحوم امحمد بوستة ،أمين عام حزب الاستقلال وقتها ؛وهو يرفض ،صراحة، عرض المرحوم الحسن الثاني ،لتشكيل الحكومة ،مشترطا ،أولا، ابعاد وزير الداخلية ،ادريس البصري ؛ وبين موقف ادريس لشكر ،الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي ،وهو يصرح جهارا ،في البرلمان ،بخصوص نازلة طلب التحكيم الملكي ،في مواجهة رئيس الحكومة عبد الاله بنكيران:
« نحن ،أيضا،معارضة جلالة الملك«
حينما نقارن سلف المعارضة بخلفها ندرك مدى ما حصل من تقهقر في الشأن الحزبي المعارض.
وأكثر من هذا قد نلمس قوة في مواقف بعض الأحزاب المعتبرة ادارية ،تعوز المعارضة التقليدية.
وآخر النوازل ،في موضوع التقهقر الاختياري للمعارضة ، اعتراض اثنين وثمانين مستشارا على آلية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق ،بخصوص عدم فعالية الدعم المقدم لمربي الماشية .
تضمنت اللائحة 17 مستشارا من حزب الاستقلال ، و8 من الاتحاد الاشتراكي.
هؤلاء ،ومعهم بقية اللائحة يرفضون الكشف عن حقيقة ما جرى في أسواق عيد الأضحى.
طبعا من ينحدر ،معارضة، الى هذا المستولى ،لا يمكن أن يرقى الى مستوى الشرط الملكي:
« تقديم مرشحين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة «
(اسجل هنا ماورد من تكذيب حزبي لهذا)
النوم في عسل السكينة والريع الحزبي:
طبعا يقع هذا الاختيار ،الهدام، خارج دستور 2011 ،الذي رسم المعارضة وحرض عليها ،بناءة، وربط المسؤولية –اطلاقا – بالمحاسبة.
كما يقع خارج كل التوجيهات الملكية السامية ،الموجهة في خطب جلالة الملك؛ خصوصا الخطب العرشية.
وأكثر من هذا حتى حينما جمع أمين عام حزب العدالة والتنمية ،بين رئاسة الحكومة ومكانته الحزبية ؛واجه مطلب المعارضة بتنزيل دستور 2011؛معتبرا أن هذا شأنا ملكيا.
نعم الملك يسود ويحكم ،وقد يختار أن يسود ولا يحكم ؛كما في الملكيات الغربية ؛فهل تريدون منه أن يتحزب أيضا ؟
يتحزب ليعيد بناء الأحزاب من الداخل ،ويزرع الديموقراطية في حقولها ؛ويفعل المصداقية في احتيار المترشحين.
وقد تنتظرون منه أن يسير الجهات والمدن والجماعات الحضرية والقروية.
لقد انتبه جلالته الى هذا المنحى الحزبي المتكاسل،والمتواكل ؛وهو يؤكد بأنه ينتمي لحزب واحد فقط ،هو حزب الوطن:
« وبصفتي الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيا ر الديمقراطي ، فإنني لا أشارك في أي انتخاب ، ولا أنتمي لأي حزب . فأنا ملك لجميع المغاربة مرشحين ، وناخبين ، وكذلك الذين لا يصوتون .
كما أنني ملك لكل الهيآت السياسية دون تمييز أو استثناء . وكما قلت في خطا ب سابق ، فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغر ب . »
لا حجة على الأحزاب السياسية ،وقد ركنت الى السكينة والريع الانتخابي ، أكثر من المنطوق الملكي السامي.
وكل تهرب من مماسة دورها السياسي التأطيري ،وهو دستوري ومدعوم ماديا ، يكيل بمكيالين:
اليد الممدودة للقبض ،واليد المشلولة ،حينما يتعلق الأمر بأداء الواجب وتنفيذ التعاقد بكل صرامة.
ومن غرائب الشلل في المعارضة والابداع البرامجي ،تماهي كل الايديولوجيات الحزبية في واحدة ؛ويترتب عن هذا تشابه فاضح في البرامج ،المعتبرة غالبا خطب مقدمات لاغير ،وليس برامج بكرونولوجيات دقيقة وصارمة.
وخير دليل هذا ،الترحال الحزبي المتكرر ،والشائع لدى كل الأحزاب :ينام الواحد تجمعيا ليستيقظ أصاليا ؛أو عداليا ليفطر مع الاستقلاليين..
أمثلة هذا الترحال يعرفها القاصي والداني.
ألا تكون بعقيدة حزبية وببرنامج نضالي ،يفتح لك باب الدخول الى كل الأحزاب ؛والى برامج جلالة الملك، لأنك بدون برنامج حقيقي ،قابل للتنزيل.
هذه هي حقيقة الوضع الآن؛ ونحن على مرمى سهم من الانتخابات التشريعية .
فمن أين يبدأ الاصلاح؟



Aucun commentaire