قصة الفراقشية: حقيقة أم خيال؟!

اسماعيل الحلوتي

مؤسف حقا إن لم نقل صادما ومحبطا أن نرى في بلادنا الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وزيرا شابا يمارس التضليل ويحاول الاستخفاف بذكاء المغاربة خلال تصريحاته الإعلامية أو تحت أضواء كاميرات التلفزيون من أجل إرضاء ولي نعمته رئيس الحكومة وتلميع صورته، كما حدث مؤخرا في أحد البرامج التلفزيونية، التي تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة، حيث اغتنم فرصة الظهور أمام عشرات الآلاف من المشاهدين داخل المغرب وخارجه، للقيام بدغدغة العواطف في حملة انتخابية سابقة لأوانها.
ويتعلق الأمر هنا بالمسمى لحسن السعدي عضو المكتب السياسي في حزب « التجمع الوطني للأحرار » الذي يقود التحالف الحكومي الثلاثي، رئيس لجنة المالية في مجلس النواب وكاتب الدولة لدى وزيرة السياحة المكلف بقطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، الذي أبى إلا أن يستغل مناسبة استضافته في البرنامج التلفزيوني الحواري « مع الرمضاني » الذي تبثه القناة الوطنية الثانية 2M في تمرير مغالطاته والسعي نحو محاولة استقطاب أكبر عدد ممكن من المواطنات والمواطنين، وذلك مساء يوم الأربعاء فاتح أبريل 2026
إذ أنه لم يتردد في الادعاء بأن قصص « الفراقشية » و »تضارب المصالح » لا توجد إلا في مخيلة مروجيها، وأن فيها إساءة كبيرة لدولة القانون والمؤسسات أكثر منها لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، ناسيا أن ما أراد نفيه سبق لوزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب « الاستقلال » نزار بركة، أن أكده في برنامج تلفزيوني بالقناة الوطنية الأولى « نقطة إلى السطر »، وسبق أن تبناه حزب « الأصالة والمعاصرة » ثاني مكونات الحكومة عبر بلاغ صادر عن مكتبه السياسي. وأن أحزابا من المعارضة البرلمانية مازالت تتهم أخنوش باستغلال النفوذ و »تضارب المصالح » إثر التمكن من إرساء صفقات عمومية على شركاته، وخاصة شركة « إفريقيا » المتخصصة في توزيع المحروقات، ومن بين أبرز هذه الصفقات المشبوهة، صفقة تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء-سطات التي بلغت قيمتها 6,5 مليار درهم، وصفقة تزويد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول الممتاز والعادي التي حددت في مبلغ 2,44 مليار درهم، فضلا عن غياب الشفافية في إدارة المشاريع الكبرى وإضعاف مؤسسات الرقابة ومكافحة الفساد.
فهل نسي سيادته أن ما يزعم أنها مجرد قصة خيالية سبق أن أقر بوجودها فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وأحمد البواري وزير الفلاحة، وأنها كلفت ميزانية الدولة أكثر من 1300 مليار سنتيم من المال العام، صرفت لدعم استيراد المواشي، ليكتشف المغاربة فيما بعد أن حوالي 133 مستوردا من المحظوظين هم فقط من استفادوا من هذا المبلغ الضخم، بمعدل يقارب 40 مليون درهم للشخص الواحد، دون أن يتحقق الهدف في تخفيض الأسعار التي واصلت ارتفاعها الصاروخي، حيث تضاعفت الأرباح بشكل لافت، وأن الحكومة رفضت تشكيل لجنة تقصي الحقائق حتى لا تنكشف الحقيقة للمغاربة؟
وجدير بالذكر في هذا السياق أن لحسن السعدي البرلماني ورئيس الشبيبة التجمعية، الذي اشتهر برقصته الحماسية على أنغام أغنية « مهبول أنا » أمام أنظار رئيس الحكومة خلال حفل أقامه الحزب بمدينة أكادير، التي يرجح الكثيرون أن تكون سببا من بين أسباب استوزاره خلال التعديل الوزاري الموسع الذي شهدته الحكومة في أكتوبر 2024، اشتهر كذلك بخرجاته الإعلامية المستفزة والمثيرة للتذمر والاستياء، حيث لم تكن تصريحاته الهوجاء في البرنامج الحواري السالف الذكر هي الوحيدة، فقد سبق له التصريح بأن حكومة أخنوش تهتم بالمواطن « من المهد إلى اللحد » رغم أنه يعلم بأن هناك عديد الأمهات اللواتي تلدن في العراء ليس فقط في القرى، بل حتى خارج أسوار المستشفيات في بعض المدن المغربية، ناهيكم عن إقصاء وتهميش الشباب والمتقاعدين…
فهو نفس الوزير الذي يطلق عليه الكثير من متتبعي الشأن العام اسم « المراهق السياسي »، جراء ما يصدر عنه في خرجاته من تصريحات هوجاء، من قبيل ادعائه بأن المغرب في عهد « حكومة الكفاءات »، هو الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح تغطية صحية إجبارية مائة بالمائة لكافة المواطنين، ناسيا أنه بهكذا تصريح يمس بروح المشروع الملكي الذي أعاد هيكلة نظام الحماية الاجتماعية بشكل استراتيجي دقيق، بعيدا عن الحزبية الضيقة.
إن المتتبع لخرجات بعض الوزراء الإعلامية وخاصة الوزير السعدي سيقف على حقيقة واحدة هي محاولة تزييف الحقائق وتلميع صورة الحكومة ورئيسها، إذ أنه في خضم غليان الشارع المغربي بالاحتجاجات المتصاعدة، للمطالبة بتحسين ظروف عيش المواطنين وإيجاد حلول ملائمة وعاجلة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتواترة، مثل غلاء الأسعار وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي وتدني مستوى الخدمات الصحية وتفشي ظاهرة الفساد وغيرها، يخرج علينا « الفتى المدلل » في كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية بتصريح يستنكر من خلاله تحميل المسؤولية للحكومة الحالية فيما يحدث من توترات شعبية متوالية، معتبرا الأمر مجرد « تحوير للنقاش » و »تضليل للرأي العام »
نحن كنا دائما وما زلنا إلى اليوم مع تجديد النخب الحزبية لتعزيز الديمقراطية، وإدماج الشباب في الحياة السياسية وتحمل المسؤولية في تدبير الشأن العام، باعتبارهم قوة حيوية قادرة على رفع تحديات التغيير والتنمية المستدامة، على أن تتوفر فيهم الشروط الضرورية من كفاءة واستقامة. غير أن ما يعاب على الحكومات المتعاقبة هو عدم خضوع تشكيلها لمعايير دقيقة في انتقاء أعضائها، إذ يلاحظ أن التعيينات الوزارية كثيرا ما تعتمد على الولاء والمحسوبية عوض الكفاءة والاستحقاق وروح المواطنة…
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire