القانون المالي وتعاقب السنوات، تساؤلات حول الثوابت والمتغيرات، ومحاولة استقصاء هذه المعطيات
.jpg)
القانون المالي وتعاقب السنوات، تساؤلات حول الثوابت والمتغيرات، ومحاولة استقصاء هذه المعطيات
الجيلالي شبيه، دكتور ومؤهل للبحث والتأطير والتدريس بجامعة باريس، ودكتور الدولة بجامعة القاضي عياض، في العلوم القانونية والمالية والضريبية والإدارية والمنهجية، ومحامي بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير، كلميم والعيون·
أولا: مفهوم قانون المالية
يعرف قانون المالية بمفهومه الواسع بوصفه عملا قانونيا، إجرائيا، ماليا، محاسبيا، اقتصاديا، اجتماعيا وسياسيا، توقعيا سنويا أو متعدد السنوات يتم على مراحل (سنويا، معدلا أو تكميليا، وتقييميا أو تصفية، أو أكثر من سنة)، ناشئا عن مصادر دولية ودستورية وتشريعية وتنظيمية وقضائية وفقهية، ومشتركا بين فاعلين سياسيين- ماليين وقانونيين بارزين في الدولة وخارج الدولة (منظمات دولية، رئيس الدولة، الحكومة، الإدارة، البرلمان، هيئات الخوصصة، الخزينة العامة، بنك المغرب، المحكمة الدستورية)، هدفه المنشور والمشاع أو المصرح به هو توفير الموارد المالية والبشرية لتغطية حاجيات الدولة والمجتمع (من تنظيم وتسيير وادخار واستثمار) وتحقيق المرافق العمومية وتجويد الخدمات (الصحة والتعليم والشغل والسكن والبنية التحتية والتوزيع العادل للثروة الوطنية)· غير أن هذه النوايا (حسنة أو مضللة) تبتعد كل البعد عن النجاعة والإرادة الحقة والفعالة كلما كانت النخبة السياسية الحاكمة تجهل أو تتجاهل مفاهيم الديمقراطية والصالح العام والمسؤولية الفردية والجماعية وأهمية جودة التدبير في كل مجتمع صالح ( ج· شبيه، سوء التدبير والتبذير والفساد المالي والإداري، نونبر 2023، متاح على الأنترنيت)·
ثانيا: إشكالية قانون المالية السنوي
وإذا اكتفينا بدراسة وتحليل قانون المالية السنوي نظرا لأهميته المحورية بالنسبة للقوانين المعدلة أو لقانون التصفية، وإن كانت الأولى داخل السنة المالية (تصحيح القانون المالي السنوي، تحديث وضبط التوقعات، الاستجابة للظروف الطارئة) والثاني في نهايتها (تحديد النتائج المالية، إقرار الحسابات النهائية وتقييم نجاعة الأداء المالي للإدارة وللحكومة)، يمكن مقاربته من أربعة جوانب مختلفة: الجانب القانوني والجانب المالي والجانب القانوني-المالي والجانب المقارن مع قوانين مالية أخرى· يشمل القانون المالي من الناحية القانونية مجموعة القواعد والمبادئ والإجراءات والمساطر التي تؤطر وتحدد المسار المادي والمؤسساتي للظاهر المالية· ويتضمن القانون المالي من الجانب المالي مجموعة الأموال العينية والنقدية والأصول والخصوم والمبادلات الورقية والرقمية وكيفية اكتسابها وتدبيرها واستخدامها والسهر على حمايتها من المخاطر المرتبطة بها· ويجمع القانون المالي من الجانب القانوني-المالي بين الإطار القواعدي والظاهرة المالية، بين الشق التنظيمي والشق المادي، بين البعد الكيفي والبعد الكمي· أما الظاهرة المالية أو الظواهر المالية بصفة عامة، فتشمل عدة زوايا : مالية عامة، مالية خاصة، ومالية مختلطة، وعدة أحداث ووقائع وظروف تتخلل هذه الزوايا المالية مثل مصادر التمويل وكيفية استعمالها وتدبيرها، إدارة الثروات والاستثمار والادخار، التنمية والنمو الاقتصادي، التضخم والأزمات الاقتصادية والفقاعات المالية··· وأبرز علم يهتم بدراسة هذه الظواهر المالية هو علم المالية العامة· أما إذا اعتبرنا القانون المالي السنوي مقارنة مع قانون التصفية أو القوانين المعدلة، فالقانون المالي للسنة المالية هو برنامج مالي شامل توقعي وتقديري للسنة المالية المقبلة عكس قانون التصفية الذي هو حاصل فعلي محاسبي يستخلص ما انتهى إليه تنفيذ قانون المالية السنوي مقارنة مع التوقعات الأولية استنادا إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات ومعاينة وتقييد مطابقة حسابات المحاسبين العموميين الفردية للحساب العام للدولة· أما القوانين المعدلة أو التكميلية فهي تحاول ضمان استمرارية المعطيات الميزانياتية ومراجعة الاحتياجات لتلبيتها للواقع المتطور، فقد تضيف أو تزيل، تحدث أو تغير، تعدل أو تطور مقتضيات قانون المالية السنوي كلما واجهت البلاد ظروف اقتصادية أو اجتماعية، وطنية أو دولية غير متوقعة، مثل جائحة فيروس كورونا 2019-2020، أو زلزال الحوز سبتمبر 2023، اختلال في الاعتمادات بين القطاعات الوزارية والمؤسسات وتحويل هذه التخصيصات المالية أو فتح اعتمادات إضافية، ارتفاع سعر المحروقات، أو واردات الحبوب والسكر وغاز البوتان المدعمة، انخفاض سعر الصادرات (الأسمدة، الطماطم، الحوامض، الأسماك، الملابس) اختلالات في تقديرات الموارد والنفقات···
فإذا انطلقنا من هذه الزاوية، زاوية العلوم المالية، ستنبني مقاربتنا لهذه الإشكالية، إشكالية القانون المالي السنوي، على أربعة أسس: الشكل والمضمون وترابط الشكل بالمضمون والاستنتاجات من خلال الإحاطة بكل هذه المعطيات·
ثالثا: دراسة قانون المالية السنوي من حيث الشكل
إن الهندسة المالية الرسمية المتواترة سنويا أو المنهجية المعتمدة في إعداد قانون المالية السنوي، منذ عقود من الزمن، هي منهجية ثنائية غير علمية بتاتا، تختزل الظاهرة المالية رغم تشعبها ووفرة معطياتها إلى عنصرين: كفي الميزانية، توازن الإيرادات والتكاليف، الجزء الأول الموارد والجزء الثاني النفقات: الدستور الحالي 2011 الفصل 77 منه، القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية بتاريخ 2 يونيو 2015، القوانين المالية السنوية بما فيها قانون المالية السنوي لسنة 2026·
والمنهجية المالية الرسمية تعني كذلك الفترة التي خلالها ينجز قانون المالية السنوي، لأن عمليات إعداد المشروع المالي وعرضه للمشاورة ومناقشته والمصادقة عليه والشروع في تنفيذه وانتهاء السنة المالية والمحاسبة المتعلقة به تستغرق أكثر من سنة بكثير، بحيث تبدأ في فترة جد مبكرة من السنة المالية السابقة· يمتد مسار قانون المالية السنوي على مراحل : مرحلة إصدار منشور رئيس الحكومة للآمرين بالصرف، خلال شهر مارس، يحدد فيه، حسب ما تلقاه من التعليمات الرئاسية والدولية، التوجهات العامة والبرمجة الميزانياتية للسنوات القادمة، والشروع في إعداد المشروع المالي (بين مارس ويوليوز) تدعو فيه الحكومة القطاعات الوزارية والمؤسسات لتحضير مقترحات ميزانياتها وتوقعاتها خلال الثلاث السنوات المقبلة، مرحلة إعداد الآمرين بالصرف لمقترحاتهم الميزانياتية (المداخيل والتكاليف) وتدارس هذه المقترحات من طرف اللجان الميزانياتية بوزارة المالية وتعد من بعدها مسودة المشروع المالي والمرفقات (وعددها 13)، مرحلة عرض الإطار العام للمشروع المالي من طرف الوزير المكلف بالمالية (قبل 31 يوليوز) على اللجنتين الماليتين بالبرلمان و خلاصة تقدم الإنجازات المالية والماكرو اقتصادية ونتائجها إلى نهاية شهر يونيو من السنة القائمة، مرحلة إعداد مشروع قانون المالية من طرف الحكومة للسنة المالية القادمة ( بين يوليوز وأكتوبر)، يناقش المشروع أولا داخل مجلس الوزراء برئاسة رئيس الدولة (الملك)، ثم يناقش مرة ثانية داخل مجلس الحكومة برئاسة رئيس الحكومة، ويقدم من بعدها إلى البرلمان قبل 20 أكتوبر من كل سنة لمناقشته والمصادقة عليه (بداية بمجلس النواب خلال 30 يوما، ثم مجلس المستشارين داخل 22 يوما، وإعادته لمجلس النواب لمدة 6 أيام للقراءة الأخيرة والتصويت النهائي واختتام العمل البرلماني في هذا الشأن قبل 20 دجنبر)، مرحل إحالة القانون المالي، قبل إصدار الأمر بتنفيذه، إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقته للدستور، مرحل دخول قانون المالية حيز التنفيذ وتبدأ مبدئيا السنة المالية المعنية بالتنفيذ والمراقبة من فاتح يناير إلى غاية 31 دجنبر من نفس السنة· القانون التنظيمي رقم 13-130 لقانون المالية، يونيو 2015، المواد 46-66، الدستور الحالي 2011، الفصل 132، القوانين المالية السنوية بما فيها قانون المالية السنوي لسنة 2026·
رابعا: دراسة قانون المالية السنوي من حيث المضمون
صدر منشور رئيس الحكومة في 8 غشت 2025 المتعلق بإعداد مشروع قانون المالية للسنة المالية 2026 تجسيدا للتوجيهات الملكية· يرتكز هذا المشروع المالي على أربع أولويات: أولا تعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الصاعدة، غير أن هذا الطموح المحمود يتطلب للارتقاء إلى هذا المستوى المتميز الكثير من الجهد والتفاني في العمل الصالح والمسؤولية على صعيد كل القطاعات، ثانيا تدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلا أن هذا التدارك لا زال مضطربا، متلعثما في أمره، ولا تزال رغم السعي المستمر الفوارق صارخة، ثالثا النهوض بالدولة الاجتماعية، مع العلم أن هذا السير الاجتماعي المترنح من كل جوانبه (الصحة، التعليم، السكن، القدرة الشرائية، البنية التحتية) لا يزال في بداية الطريق والمسار طويل، رابعا وأخيرا إصلاحات هيكلية والعمل على توازن المالية العمومية، لكن هذه الإصلاحات ليست في الواقع جدرية بل ظرفية مناسباتية، انتقائية، وتأثيرات خارجية، أما التوازن المالي تنهشه اختلالات هيكلية على مستوى التدبير والتبذير (الجيلالي شبيه، محاضرات في المالية والميزانية والمحاسبة، مدرج الإمام مالك، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة القاضي عياض، مراكش، 27 نونبر 2021، ومقاربة منهجية في ضوء الظاهرة المالية بالمغرب، يوليوز 2023، ودراسة وتحليل للواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي، هسبريس، يناير 2024، مقالات متاحة على الأنترنيت)·
نلاحظ من خلال الهيكل العام لقانون المالية للسنة المالية رقم 25·50، 2026 ج· ر· عدد 7465 مكرر أن المادة المالية تظهر على الشكل التالي: الجزء الأول، المعطيات العامة للتوازن المالي، والجزء الثاني، وسائل المصالح، ويأتي هذا التقسيم الثنائي المغلوط استنساخا لما جاء به تماما تشطير القانون المالي الفرنسي وتقسيماته الداخلية، إلا أن القانون المالي الفرنسي قد غير فيما بعد عنوانين تقسيماته الثنائية بينما القانون المالي المغربي ما يزال محتفظا بما تخلى عليه الإرث المالي الفرنسي:
Première partie : Conditions générales de l’équilibre financier : ressources (impôts et ressources autorisées), l’équilibres des ressources et charges ;
Seconde partie : moyens des politiques publiques : autorisation des crédits des missions et performance.
الجزء الأول، المعطيات العامة للتوازن المالي، يشمل ثلاثة أبواب: الموارد (الضرائب والاقتراضات، والموارد (الضرائب) المرصدة للجهات)، والتكاليف (تؤهل الحكومة، قطاعات وزارية ومؤسسات، ويؤذن لها بمراسيم خلال السنة المالية في التمويل بالاقتراض وفتح اعتمادات إضافية وإحداث مناصب مالية داخل الميزانية العامة، وإحداث مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة وحسابات خصوصية للخزينة)، وتوازن موارد وتكاليف الدولة (جدول يحدد ويلخص المداخيل (ضريبية أساسا وغير ضريبية ثانويا) والنفقات (التسيير، الدين العمومي، الاستثمار) وموارد ونفقات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والحسابات الخصوصية للخزينة· ويحدد كذلك هذا الجدول مجموع المداخيل الضريبية 1˓376 مليار درهم، وحصيلة وعائدات الاستغلالات والمساهمات وأملاك الدولة 0˓35 مليار درهم، وموارد مختلفة (غرامات، ذعائر، مصادرات، رسوم قضائية، حطام···) 6˓9 مليار درهم، وموارد الهبات والوصايا 5˓1 مليار درهم، وموارد الاقتراضات المتوسطة والطويلة الأجل 0˓123 مليار درهم، واستهلاكات الدين العمومي المتوسط والطويل الأجل 0˓64 مليار درهم· تشكل حاصلات الضرائب والرسوم والغرامات والزيادات والذعائر لوحدها دون احتساب موارد الاقتراضات التي هي كذلك يتم تسديدها من موارد الضرائب أكثر من 90 بالمئة من مجموع مداخيل الدولة·
الجزء الثاني، وسائل المصالح، صفحة واحدة والباقي جداول، يجزأ إلى نفقات الميزانية العامة ونفقات المرافق ونفقات الحسابات· تتضمن الميزانية العامة للسنة المالية 2026 نفقات التسيير (5˓347 مليار درهم) ونفقات الاستثمار، اعتمادات الالتزام (6˓215 مليار درهم) واعتمادات الأداء (1˓136 مليار درهم) ونفقات الدين العمومي للسنة المالية 2026 (2˓108 مليار درهم)· توزع هذه الاعتمادات على القطاعات الوزارية أو المؤسسات حسب الفصول فيما يتعلق بنفقات التسيير ونفقات الاستثمار ونفقات الدين العمومي وفقا للبيانات الواردة في الجداول المخصصة لها· وتشمل ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة للسنة المالية 2026 نفقات الاستغلال (740˓1 مليار درهم) ونفقات الاستثمار، اعتمادات الالتزام ( 354˓0 مليار درهم) واعتمادات الأداء 257˓0 مليار درهم)· توزع هذه الاعتمادات على الوزارات والمؤسسات وفق البيانات الواردة في الجداول· وتضم الحسابات الخصوصية للخزينة الاعتمادات المفتوحة (مجموع النفقات) برسم السنة المالية 2026 (5˓167 مليار درهم) وتوزع هذه الاعتمادات على الأصناف والحسابات وفقا للبيانات الواردة في الجدول الملحق بقانون المالية· أنظر قانون المالية للسنة المالية رقم 25·50، 2026 ج· ر· عدد 7465 مكرر بتاريخ 16 ديسمبر 2025·
خامسا: دراسة قانون المالية السنوي من خلال ترابط الشكل والمضمون
إنما المضمون الشكل يطفو على السطح، ومن خلال تفحص الشكل نستشف جودة العمل وقيمة المضمون، أو العكس، وارتباط الشكل والمضمون، هو تلك الجدلية القائمة بين التحليل والتعليل والتركيب والمقاربة· فهو يعكس بحق عناصر ومكونات الواقع والاستراتيجية العمومية لتقويمه، بكل سلبياتها وإيجابياتها، نواقصها ومنافعها· كما يظهر فعلا حقيقة الواقع وتلازم أطرافه، والقيمة العلمية للتصدي لشوائبه· ويبرز كذلك قوة الإرادة أو ضعفها، ودقة التحليل وعمقه للواقع الاقتصادي والاجتماعي، أو عمومياته وبساطته، أو الهفوات التي وردت فيه· لكن يعكس كذلك، وهذا يضاف لمجهودات المؤسسة أو المنظمة المعنية وايجابيات عملها، التركيز في الاستراتيجيات المتخذة وصياغة الأفكار والقرارات وتتبع الخيط الناظم بكل دقة لكل بعد من أبعاد السياسات العمومية المالية المتبعة· وعلى هذا الأساس، فارتباط الشكل بالمضمون يعكس عموما وبصفة جلية العلاقة الوطيدة بينهما وكيفية سبر أغوارها والخروج بالحلول الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية والسياسية الناجعة والفعالة· فدراسة الواقع السوسيواقتصادي والمالي يحتاج لخبرة علمية ومنهجية محكمة والفهم والدقة في وضع السياسات العمومية والاستراتيجيات المالية·
فاختزال القانون المالي للسنة المالية بكاملها، اقتصاديا واجتماعيا وماليا وإداريا وديمغرافيا ومعماريا وثقافيا وحضاريا، في تقسيمات ثنائية خاطئة شكلا ومضمونا، هو طعن عنيف في البحث العلمي وفي التصدي الجريء للغوص في الوقائع الاجتماعي المعقد واستشفاف حقيقته·
الجزء الأول يحمل عنوان « المعطيات العامة للتوازن المالي »، يحتوي على الموارد العمومية، أساسا مداخيل الضرائب والاقتراضات، وتأهيل الحكومة لفتح اعتمادات إضافية خلال السنة، وإصدار إقتراضات، أو إحداث مرافق عمومية مستقلة تابعة للوزارات والمؤسسات أو حسابات خصوصية نفس المجرى· والجزء الثاني، ينقل عنوان « وسائل المصالح » ويضم الموارد المرصدة، أساسا الضرائب والقروض، لتمويل نفقات القطاعات الوزارية والمؤسسات وعددها 37 قطاعا ومؤسسة، ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، التابعة للقطاعات الوزارية والمؤسسات، وعددها 161 مرفقا، والحسابات الخصوصية للخزينة، الملازمة كذلك للقطاعات الوزارية والمؤسسات وعددها 54 صنفا·
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وجود وتبني استراتيجية تدبيرية يطبعها الانتحال ويكتنفها الغموض والضبابية وتشتيت وضياع الأموال العمومية التي مصدرها الضرائب أي الملزم بنسبة تفوق 90 بالمئة من مجموع المداخيل العادية للدولة، أي بدون إدخال الاقتراضات· لكن إذا حاولنا بكل نزاهة تقييم، بصفة عامة، بملايير الدراهم، مجموع مالية الدولة لسنة 2026 (الميزانية العامة 3˓421+ المرافق 0˓2+ الحسابات 2˓166+ الاقتراضات 0˓123) يكون الحاصل 5˓712 مليار درهم، ومجموع الضرائب 1˓376+ الاقتراضات 0˓123، المجموع 1˓499 والقسمة 1˓499/5˓712= 05˓70 بالمئة، أي أن ما يفوق 70 بالمئة من مجموع موارد الدولة يأتيها بدون مشقة ولا بحث كاد عن مصادر التمويل العمومي الأخرى مثل التفاوض في السلع والخدمات وإخضاعها لقانون العرض والطلب وجودة التدبير ومطاردة التبذير وتشجيع الهبات والوصايا من الأشخاص الميسورة: ذاتية واعتبارية، وطنية ودولية·
القاعدة المنهجية هي أن كل ظاهرة مجتمعية كيفما كانت طبيعتها: اجتماعية، اقتصادية، إدارية، مالية، بيئية، قانونية، جغرافية أو تاريخية، هي في الواقع حالة معقدة الجوهر والخصائص وبالتالي لا يمكن تقزيمها في قسمين، هذه الطريقة ليست علمية بتاتا، وعاجزة عن فهم الظواهر السوسيو اقتصادية والمالية والطبيعية إذا لم تكن مبنية على المعاينة والممارسة والمقاربة المنهجية القائمة على القرائن والأدلة لتمكنها من الوصول إلى استنتاجات موضوعية قائمة الذات والخروج بحلول ملائمة، فعالة وناجعة تنعكس على شرائح شاسعة وممتدة من المجتمع·
سادسا: استنتاجات من خلال الإحاطة بكل هذه المعطيات: حقائق ووقائع ومقتضيات
من خصائص الرئية الاستنتاجية الايجاز والدقة والاستدلال والترابط بين المعطيات والصرامة الأكاديمية مما يجعل الباحث ينتهي من خلالها إلى الأهداف المتوخاة وهي تقديم إجابات نهائية ومباشرة على إشكالية البحث وصياغة الفرضيات وطرح المقترحات والتوصيات المبنية على أدلة علمية وربط كل هذه الحقائق والوقائع والمقتضيات بسياق فكري شمولي ورصين·
وعلى هذا الأساس نلاحظ أولا: أن القانون المالي للسنة المالية 2026 (وكذا القوانين المالية السنوية التي سبقته) بما فيه القوانين الملازمة له (القوانين المعدلة وقانون التصفية) أو التقارير والمذكرات والمراسيم المرفقة له عندما كان مشروعا، (وعددها 17+4 مراسيم)، ولو أنه يطغى عليه الجانب القانوني والإجرائي إلا أنه يتناول، (أكثر من حجمه)، الظاهرة المالية بجميع أبعادها (الأموال، الأشخاص، الأساليب، السلطات، الإلتزامات، المجالات الجغرافية والشرائح الاجتماعية···) وبالتالي فهو يجمع، أو بالأحرى تنفجر عنه، مباشرة العديد من المواد والأنظمة والقطاعات والعمليات والمتدخلين· الأمر الذي يجعله عاجزا كقانون عن احتواء كل هذه المعطيات والحقائق والوقائع والأنشطة، وبتالي فالمصطلح الملائم، من منظورنا، في هذه الحالة هو: « التشريعات المالية الهيكلية والتنظيمية للسنة المالية 2026 » أو « الشرائع المالية الهيكلية والتنظيمية للسنة المالية 2026″·
ثانيا: لأن قانون المالية يشمل قضايا كثيرة ومتنوعة، تفيض عن إطار مضمونه القانوني والإجرائي مثل صدقية ومقروئية الواقع الاجتماعي والاقتصادي والمالي، الإطار الماكرو اقتصادي وطنيا ودوليا، المحاسبة العمومية والإحصاءات الوطنية، البنية التحتية وإشكالية ضمان استمرارية المرافق العمومية وكلفة تسيير الإدارة، العجز المالي والدين العمومي وخدمة الدين والنمو الاقتصادي، تقل الضرائب والقدرة الشرائية والحياة اليومية للمواطن، القطاعات الوزارية والمؤسسات والسلطات والمال العام، الهيئات والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة، المعطيات المادية والمعلوماتية واللوجستيك، الفوارق الاجتماعية والمجالية والشرائح الاجتماعية المعقدة، المقاولات العمومية والشركات العامة والخاصة، ناهيك عن القواعد والمساطر التي هي صفته الحقيقية·
ثالثا: ومن ناحية الهيكلة الشكلية لقانون المالية تتميز بثنائية تقزيمية لواقع شاسع ومعقد ينفجر بقوة عن حجم هذه الازدواجية « المستنسخة » من قانون المالية الفرنسي: الجزء الأول: المعطيات للتوازن المالي (الضرائب والقروض أساسا، النفقات، وعجز الموارد عن تغطية التكاليف)، والجزء الثاني: وسائل المصالح (صفحة واحدة والباقي جداول تتضمن مصادر الموارد أساسها ضرائب وقروض، وتوزيعها على كثرة القطاعات الوزارية والمؤسسات، وتشتيت الأموال العمومية بين الميزانية العامة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة التابعة للوزارات، وبين الحسابات الخصوصية للخزينة التي هي الأخرى مآلها إلى القطاعات الوزارية· لا مرافق الدولة ولا الحسابات الخصوصية ما هي إلا عبارة عن تكرارات لأنظمة بالية وجيوب للتبذير وتبديد المال العام يجب اجتثاثها نهائيا وإدماج عناصرها الأساسية في مالية الجماعات الترابية (حصيلة الضريبة على القيمة المضافة، أو في القطاعات الوزارية المناسبة لها مثل قطاعات الصحة والدفاع والحماية الاجتماعية·
رابعا: تقسم موارد الميزانية العامة للدولة، وقدرها 33˓544 مليار درهم على 37 قطاع وزاري ومؤسسة، ويصرف ما يعادل مليارين درهما على 161 مرفقا من مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والتابعة مباشرة للوزارات، ويرصد ما قدره 23˓166 مليار درهم لفائدة الحسابات الخصوصية للخزينة وعددها 54 صنفا التابعة كذلك للقطاعات الوزارية· نلاحظ بكل وضوح من خلال هذه المعاينة الوجيزة تشتيت صارخ للمال العام وتضخم القطاعات الوزارية والمؤسسات والمرافق المركزية والحسابات الخصوصية·
إذن ما يمكن مآخذته على هذه الهيكلة الثنائية وانفجار مكوناتها أنها تعتمد أساسا في توزيع وإنفاق المال العام على الوزارات والمؤسسات، بينما الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمالي والإداري يتطلب الأخذ بعين الاعتبار القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية، الوطنية والدولية، مثل قطاع الفلاحة والتشجير والمياه والغابات والصيد البحري، وقطاع الصناعة الثقيلة والخفيفة والصناعة التحويلية والتكنولوجيا، وقطاع الخدمات والسياحة والحرف والتجارة والنقل والأبناك والتأمينات، وقطاع المعلوميات والعولمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وقطاع الاقتصاد الدولي والمبادلات والدبلوماسية والعلاقات الدولية، وقطاع الصحة والتعليم والشغل والسكن والعمران وجمال الطبيعة ومحاربة رمي الأزبال العشوائي ونفايات البناء والصناعة، وقطاع الأمن والدفاع والقضاء والسجن والحماية الاجتماعية ومحاربة التشرد والتسول ومهنة التسول، وقطاع رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والإدارة وعقلنة التدبير ومحاربة الرشوة، والقطاع الخاص والاستثمار والتنمية والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية·
خامسا: تشكل بعض القطاعات الوزارية تقلا كبيرا على مجموع نفقات التسيير الخاصة بالميزانية العامة للسنة المالية الحالية (2026)، حيث تبلغ قيمة الاعتمادات المفتوحة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة 00˓91 مليار درهم، و32˓55 مليار درهم لإدارة الدفاع الوطني، و16˓55 مليار درهم للتكاليف المشتركة بين الوزارات والتسديدات والتخفيضات والإرجاعات الضريبية، و20˓45 مليار درهم لوزارة الداخلية، و86˓27 مليار درهم لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، و52˓15 مليار درهم لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار· مما يجسد أكثر من 47˓83 من مجموع نفقات التسيير الخاصة بالميزانية العامة للدولة والتي قدرها 49˓347 مليار درهم للسنة المالية 2026· وختاما يجب إعادة النظر في صياغة وهيكلة قانون المالية السنوي ومحتواه، شكلا ومضمونا، قلبا وقالبا، حتى نرى له صورة علمية واقعية واستقلالية وطنية تابثة ومؤكدة تراعى فيها جميع مكونات المجتمع·
الجيلالي شبيه، دكتور ومؤهل للبحث والتأطير والتدريس بجامعة باريس، ودكتور الدولة بجامعة القاضي عياض، في العلوم القانونية والمالية والضريبية والإدارية والمنهجية، ومحامي بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير، كلميم والعيون·



Aucun commentaire