Home»Débats»العدل أساس الملك… حين يكون القضاء مرآة تقدم الأمم أو واجهة تخلفها..

العدل أساس الملك… حين يكون القضاء مرآة تقدم الأمم أو واجهة تخلفها..

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني

في زحام الأحداث المتسارعة التي تُطوّق العالم، تتساقط الأقنعة عن وجوه كانت بالأمس القريب تتصدر المشهد، وتتهاوى هيبة كان يظن أصحابها أنها حصانة أبدية من المساءلة. من لندن إلى مدريد، مرورًا بباريس وتل أبيب…، تتهادى إلينا أخبار عدالة لا تلين ولا تحابي: أمير بريطاني يُعتقل على خلفية علاقته بمجرم جنسي مدان، ورئيس فرنسي سابق يغادر القصر الجمهوري إلى زنزانة السجن، وملك إسباني متقاعد يُجرد من امتيازاته، وابنته تتابع في قضايا فساد، وقائد إسرائيلي يقدم للمحاكمة رغم ما يقال إنه قدمه من خدمات جليلة للصهيونية، ربما لم يقدمها حتى هرتزل نفسه، ورغم تسوله التدخل من ترامب لدى رئيس الكيان للعفو عنه، إلا أن سيف القضاء يبقى مسلطًا على عنقه. ليست هذه مجرد وقائع عابرة، بل ومضات تكشف عن جوهر الحضارة الغربية الحديثة: أن القضاء هناك ليس مجرد سلطة دستورية، بل هو الروح التي تسري في مفاصل الدولة، والنبض الذي يخبرك إن كانت الأمة حية أم في عداد الموتى. وحتى نعترف بالمرارة: إسرائيل عنصرية وعدوة لنا بلا شك، لكن قضاءها نزيه، وهذا أحد أسباب انتصارها علينا نحن العرب، إذ أدركت أن استقلال القضاء هو العماد الذي لا تنهار معه الأمم، وأن العدل ولو كان في دولة عدو، يظل عدلاً يمنحها منعة وقوة. هذه المشاهد تعيدنا إلى حكمة ابن خلدون الخالدة التي جعلت العدل أساس الملك، لكنها لا تقدمها كنظرية فلسفية مجردة، بل كحقيقة تعيشها المجتمعات يوميًا. حين يمتد سيف القضاء ليصل إلى أمير في قصر باكنغهام، وحين تدوس عجلة العدالة على رداء رئاسة ساركوزي، وحين تفتح ملفات خوان كارلوس ونتنياهو كما تفتح ملفات أي مواطن عادي، فإننا نشهد لحظة تطهير مقدسة. إنها اللحظة التي تثبت أن لا شيء في هذه الدنيا يستحق أن يُبنى على أنقاض العدالة، وأن الهيبة الزائفة التي تحتمي خلفها الشخصيات الكبيرة هي مجرد سراب يتلاشى أمام أول اختبار حقيقي للمؤسسات.

ما الذي يصنع هذا الفارق الجوهري بين عالم يصبح فيه القضاء مرآة تعكس تقدم الأمة، وعالم يتحول فيه إلى واجهة تخلفها؟ إنه ذاك الجدار الفاصل الذي لا يُرى بالعين المجردة، لكنه أقوى من الغرانيت: الفصل الحقيقي بين السلطات، واستقلال القضاء الذي لا يقبل مساومة، وتراكم مؤسسي يجعل من القاضي إنسانًا لا يرى فوقه سوى القانون ولا سلطان سوى ضميره. القاضي في تلك المجتمعات يعرف أن رسالته لا تحتمل الازدواجية، وأنه إن انحنى اليوم لأمير، فسيُجبر غدًا على الانحناء لكل من يدفع أكثر. لذلك يقف شامخًا لا تلين قناته، مدركًا أن عدالة اليوم هي عمران الغد، وأن تغاضيته عن كبير اليوم هي خيانة لجيل الغد.

هذا يقودنا حتمًا إلى عالم آخر مظلم، حيث الأنظمة الشمولية والمجتمعات المتخلفة في مسارها الديمقراطي. هناك، في تلك الفضاءات التي تحتكر فيها السلطة التنفيذية زمام كل شيء، يتحول القضاء إلى مجرد ديكور مسرحي، وإلى ختم مطاطي يضفي شرعية زائفة على قرارات الحكام. هناك تتعدد المعايير وتتناقض الأحكام: العدالة الصارمة للضعاف المساكين، والغفران الواسع للنافذين وأقربائهم. هناك تخلق “الخطوط الحمراء” الوهمية التي تمنع الاقتراب من كبار الفاسدين، وكأن للقانون وجهين: وجه للعامة يقرعهم بالسياط، ووجه للخاصة يدغدغهم بالحرير.

إنها الكارثة الوجودية التي تصيب الأمة حين يتحول القضاء من حارس للحقوق إلى حارس للامتيازات. حين يدرك المواطن البسيط أن هناك قانونًا للذئاب وقانونًا للخراف، تنطفئ في قلبه شعلة الانتماء، ويموت فيه الإيمان بالدولة، ويتحول القانون من كونه ملاذًا آمنًا إلى كونه كابوسًا يطارده. وهنا يتحقق قول الفلاسفة: إذا أردت أن تهدم أمة، فافسد قضاءها. لأن القضاء الفاسد ليس مجرد خلل في مؤسسة، بل هو سم يسري في شرايين الدولة كلها، يحول العدل إلى نكتة، والمواطنة إلى وهم، والوطن إلى مجرد ساحة يتصارع فيها القوي والضعيف بلا ضوابط.

التأمل في النموذج الأوروبي والإسرائيلي معًا يمنحنا درسًا بليغًا في فلسفة السياسة: أن قوة الأمم الحقيقية لا تُقاس بعدد قنابلها النووية ولا بارتفاع ناتجها القومي، بل بقدرتها على محاسبة كبارها. الأمم العظيمة هي تلك التي تملك الشجاعة الأدبية لتقول لأبنائها البارين والعاقين: الجميع سواسية أمام القانون. هي تلك التي تدرك أن “المصلحة العليا” لا تكمن في التغطية على فساد النخبة، بل في اجتثاث الفساد من جذوره، حتى لو كان الثمن زعزعة بعض العروش المؤقتة. لأن العرش الذي لا يقوم على عدل، مصيره إلى زوال عاجلًا أم آجلًا.

لقد أدرك المفكرون الكلاسيكيون والحديثون على حد سواء أن استقلال القضاء هو شرط الديمقراطية الأول والأخير. فالديمقراطية الحقيقية ليست مجرد انتخابات كل بضع سنوات، بل هي شعور يومي للمواطن بأنه آمن من ظلم الأقوياء، وأن هناك عينًا ساهرة تحميه، وأن القاضي الذي يرتدي الرداء الأسود هو أقوى من الوزير الذي يرتدي البدلة البراقة. هذا الشعور هو الذي يصنع المواطنة الحقيقية، ويدفع الناس إلى دفع الضرائب والالتزام بالقوانين، لأنهم يوقنون أن ما يدفعونه لن يذهب إلى جيوب الفاسدين، وأن ما يلتزمون به لن يكون تكبيلًا لهم بينما غيرهم يطيرون بلا أجنحة.

إن الأحداث المتلاحقة في الغرب وفي إسرائيل تبعث برسالة صارخة إلى العالم: لا أحد فوق المساءلة. لا دماء زرقاء تحمي صاحبها، ولا قصور رئاسية تصون من فيها، ولا خدمات جليلة تقدم للوطن تشتري بها صكوك الغفران. رسالة تقول إن العدالة إذا طالت فقد تصل، وإن السنين التي تمر دون محاسبة ليست نسيانًا بل تراكمًا للأدلة. رسالة تذكرنا بأن التاريخ لا يرحم من ظن أن نفوذه سيشتري له الخلود، أو أن مكانته ستجعله استثناءً من سنن الكون التي لا تحابي أحدًا.

نعم، تبقى الحقيقة الخالدة: الأمم التي تبني قضاءها على أسس متينة من الاستقلال والنزاهة، هي وحدها القادرة على بناء عمران حقيقي يتحمل الزلازل. لأن العمران لا يُشاد بالأسمنت المسلح والحديد، بل بالثقة التي تغرسها العدالة في النفوس. وما نشهده اليوم من محاكمات لكبار القوم في أوروبا وإسرائيل، ما هو إلا تأكيد على أن تلك المجتمعات اختارت أن تدفع ثمن العدالة مهما كان باهظًا، لأنها أدركت أن ثمن الفوضى الأخلاقية التي ينتجها إفلات الكبار من المحاسبة، هو أثمن وأغلى من أي ثمن آخر. وهكذا يظل العدل أساس الملك، لا في الكتب الفلسفية فقط، بل في ساحات المحاكم وأروقة القصور وأكواخ الفقراء على حد سواء.
https://respress.maالمصدر

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *