أزمة النخب التربوية ودورها في الإصلاح
بقلم هشام البوجدراوي
مع رحيل الأستاذ حسن اللحية، أحد الوجوه التربوية التي راكمت تجربة علمية وبيداغوجية داخل المنظومة التربوية المغربية، يطرح مجددا سؤال موقع النخب التربوية ودورها في إصلاح المدرسة العمومية. فقد شكلت مؤلفاته في مجالات التقويم التربوي، والدعم، والبيداغوجيا، والتخطيط التربوي، وديداكتيك المواد، مرجعا أساسيا لعدد واسع من نساء ورجال التعليم منذ تسعينيات القرن الماضي، وأسهمت في نقل المعرفة التربوية من مجال التنظير إلى فضاء الممارسة الصفية. غير أن هذا العطاء، الذي ظل غالبا بعيدا عن دوائر القرار، يعكس اختلالا بنيويا أعمق في علاقة المنظومة التربوية بنخبها الأكاديمية والميدانية.
إن استحضار تجربة حسن اللحية لا ينفصل عن النقاش الأوسع حول أزمة النخب التربوية بالمغرب، سواء من حيث تعريف هذه النخب وحدود تمثيليتها، أو من حيث طبيعة علاقتها بصنع القرار التعليمي. فقد أفرزت السنوات الأخيرة مفارقة لافتة؛ إذ رغم وفرة الخطاب التربوي وتعدد القامات الأكاديمية والفكرية، ومن بينها أسماء وازنة مثل محمد الدريج ومحمد الجابري وغيرهم، ظل تأثير النخب التربوية على السياسات التعليمية محدودا. ويعود ذلك إلى جملة من العوامل، أبرزها إقصاء هذه النخب من دوائر القرار، أو حصر أدوارها في استشارات شكلية، أو اكتفاء البعض بالتنظير الفردي دون بناء قوة اقتراحية جماعية قادرة على التأثير في السياسات التعليمية.
وقد أدى ضعف إشراك النخب التربوية في صنع القرار إلى نتائج عكسية واضحة، تجلت في تنامي المعارضة والانتقادات للقرارات التربوية، ما أضعف مصداقيتها لدى نساء ورجال التعليم. فالنخب التربوية تحتل موقعا رمزيا ومرجعيا داخل الشغيلة التعليمية، ليس فقط بحكم مكانتها الأكاديمية، ولكن أيضا لأن أجيالا من الممارسين تشكل وعيهم المهني على مؤلفاتها وإسهاماتها العلمية » اللحية وزملاؤه نموذجا »، كما هو الحال مع سلسلة « علوم التربية » التي صدرت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وشكلت مرجعا عمليا للممارسة الصفية داخل المدرسة المغربية.
ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، اتجه عدد من هذه النخب إلى تحليل ومناقشة السياسات التربوية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية، مما أفرز نقاشا تربويا واسعا حول البرامج والمشاريع الإصلاحية. غير أن هذا النقاش، في ظل غياب قنوات مؤسساتية منظمة، يتحول في كثير من الأحيان إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية للبرامج والسياسات التعليمية الجديدة، حيث تتكون لدى بعض فئات الشغيلة التعليمية قناعة مفادها أن كل ما يصدر عن الوزارة يظل محل تشكيك ما لم يحظ بقبول أو مصادقة ضمنية من النخب التربوية.
وتبرز هذه المقاومة بشكل جلي في عدد من المشاريع التربوية التي تم تنزيلها خلال السنوات الأخيرة، مثل « مشروع بيداغوجيا الإدماج نموذجا »، والتي رغم أهمية أهدافها ورهاناتها على تحسين التعلمات، واجهت معارضة شديدة بسبب غياب إشراك فعلي للنخب التربوية في مراحل التصور، الإعداد والتنزيل. وقد بلغت هذه المقاومة في بعض الحالات حد الممانعة داخل الأقسام، وانتهت بالتخلي عن بعض المشاريع أو إفراغها من مضامينها التربوية. وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على مشروع « مدارس الريادة »، الذي رغم الانخراط الواسع فيه، ما يزال يثير انتقادات عديدة من طرف نساء ورجال التعليم، تتعلق ليس فقط بآليات التنزيل، بل تمتد إلى التساؤل حول مدى قدرته على تمكين المتعلمين من تحقيق أهداف المنهاج المدرسي، بدل الاكتفاء بتحسينات جزئية أو آنية لا تضمن بناء متكامل للتعلمات الجديدة.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال حول طبيعة المواقف المعارضة التي تتبناها النخب التربوية: هل تستند إلى دراسات ميدانية ومعطيات علمية دقيقة، أم أنها مجرد آراء نظرية بعيدة عن واقع القسم؟ إن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن جزءا مهما من هذا النقاش يستند إلى معرفة عميقة بواقع التعليم المغربي وإكراهاته اليومية، ذلك أن عددا من هذه النخب راكم تجربة مهنية طويلة ومتنوعة تجمع بين التدريس والتأطير والتكوين والتدبير، مما يجعلها قريبة من هموم المدرس ومن التحديات الواقعية لتنزيل الإصلاحات داخل الفصل الدراسي.
غير أن هذا المعطى لا يعفي النخب التربوية من تحمل جزء من المسؤولية في تعثر الإصلاح التربوي. فالصمت أو القبول الضمني بالسياسات التعليمية دون فتح نقاش تربوي عمومي واستباقي، والاكتفاء بالنقد المتأخر بعد تنزيل المشاريع، يسهمان في إرباك التنفيذ وخلق نقاشات هامشية تعيق التنزيل الأمثل للإصلاحات. كما أن غياب مبادرات جماعية للنخب التربوية، وخاصة منها التي تنتمي إلى هيئة التفتيش التربوي والإدارة التربوية وهيئة التدريس، تهدف إلى تشخيص دقيق لأزمة التعليم واقتراح حلول واقعية منبثقة من الفصل الدراسي، يعمق الفجوة بين المعرفة التربوية وصنع القرار.
وينضاف إلى ذلك ضعف تنظيم مناظرات تربوية وطنية مستقلة تُفتح فيها نقاشات عميقة حول الإشكالات البنيوية للمنظومة التعليمية، إلى جانب محدودية تأثير الجمعيات ومراكز الدراسات التربوية، التي رغم إنتاجها لتقارير ودراسات متعددة، لا تنجح دائما في تحويل خلاصاتها إلى قوة اقتراحية فاعلة داخل السياسات العمومية.
إن تجاوز هذه الوضعية يقتضي إعادة بناء العلاقة بين المنظومة التربوية ونخبها على أسس جديدة، تقوم على الانتقال من منطق الاستشارة الشكلية إلى منطق الشراكة الفعلية في القرار التربوي، وإرساء تقاليد مؤسساتية للمناظرات التربوية الوطنية قبل اعتماد المشاريع الكبرى، وربط البحث التربوي بالسياسات العمومية عبر آليات قانونية واضحة. كما يستدعي الأمر توسيع مفهوم النخب التربوية ليشمل المفتشين والمتصرفين التربويين والمدرسين الممارسين ذوي الخبرة الميدانية، وبناء فضاءات دائمة للحوار بين الوزارة وفاعلي الميدان والنخب العلمية.
إن استحضار تجربة حسن اللحية لا ينبغي أن يظل مجرد لحظة وفاء رمزي لشخصية تربوية وازنة، بل يجب أن يتحول إلى مدخل نقدي لإعادة التفكير في موقع النخب التربوية داخل إصلاح المدرسة العمومية، بما يضمن إصلاحا قائما على المعرفة العلمية، والمشاركة الواسعة، والشرعية المهنية، ويمنح للقرار التربوي مصداقيته داخل الفصول الدراسية.
بقلم هشام البوجدراوي





Aucun commentaire