Home»Débats»في الحاجة إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية

في الحاجة إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية

2
Shares
PinterestGoogle+

شهدت الأيام الأخيرة نقاشا وجدلا كبيرين حول المقررات الجديدة لمادة التربية الإسلامية، والتي تسيء حسب مدرسي مادة الفلسفة إلى هذه الأخيرة -الفلسفة- باعتبارها تتضمن نصوصا تهاجمها صراحة وتحرض ضدها، وهو ما ترفضه « جمعية مدرسي الفلسفة » التي دعت الوزارة الوصية إلى سحب هذه المقررات وإعادة النظر في مضامينها.

وقد رافق هذا الجدل نقاش تجسد في بعض كتابات الرأي التي تحدثت عن « الصدام » بين المادتين (التربية الإسلامية و الفلسفة) أكثر من الحرص على توضيح الأمر والوقوف على مكامن الخلل ومواطن الزلل..

لا نود في هذا المقال الخوض في هذا النقاش أو ترجيح رأي على آخر، ولا الإنخراط في معارك ومهاترات مهدرة للجهد والوقت، وإنما نود توضيح أمور نراها قمينة بالإثارة لفهم أوضح..

أولا: يجب التأكيد على أهمية كل فروع العلم والمعرفة، إذ لا يمكن لعلم أن يقوم مقام علم آخر أو يعوضه، أو أن يؤدي وظيفته في بناء المجتمع بناء متوازنا ومتزنا، ففي مجتمع مسلم ينشد التطور ويطرق أبواب الحداثة، في زمن العولمة، والمنافسة المحتدمة على كل الأصعدة، وفي مواجهة تحديات كبرى متشعبة، نحن في حاجة إلى علماء الدين لتبليغ رسالة الإسلام، وصيانة عقيدته، وتبيان مقاصده وغاياته…، وفي حاجة إلى علماء الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وإلى الأطباء، والجيولوجيين وعلماء الأحياء والاقتصاديين، كحاجتنا إلى مفكرين وفلاسفة ومؤرخين وسياسيين ودبلوماسيين ومشرعين وأدباء…

ثانيا: إن مسألة « الصدام » هذه بين المقررات الجديدة للتربية الإسلامية والفلسفة لا يعدو أن يكون صداما مفتعلا، وسرعان ما يتلاشى باستحضار الغايات الكبرى الجوهرية للمادتين بالنسبة للمتعلم، فالإسلام دين وسطية واعتدال، وهو دين تدبر وتأمل لمعرفة حقة بالخالق، يقول تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)    سورة الأنعام.

والفلسفة بما هي علم ينشد الحقيقة عبر التأمل العقلي والتساؤل النقدي، فلا يمكن إلا أن تساهم في إكساب المتعلمين آليات التفكير والتأمل والنظر، لبناء المعارف والتمثلات وترسيخ القيم، ومن هذا المنطلق تتماهى غايات المادتين، في علاقة تكامل وتعاون لا صدام وتنافر، وهو ما يخدم الناشئة والمجتمع، إذ الغاية بناء إنسان مفكر، لا إنسان مسلم (بفتح السين وتشديد كسر اللام).

ثالثا: إن النصوص المضمنة في المقررات الجديدة لمادة التربية الإسلامية، تهاجم وتسيء صراحة لمادة الفلسفة، ويكفي النص التالي دليلا : « الفلسفة أس السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال ، ومثار الزيغ والزندقة ، ومن تفلسف ، عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين…   » إن النص لا يقبل التأويل، فهو يسفه المادة، ويحط من مكانتها، ويعاديها، ويحرض المتعلم ضدها، ويسعى إلى استئصالها، وهنا يكون موقف مدرسي الفلسفة مبررا. ولا حاجة إلى حوار بين مدرسي المادتين (التربية الإسلامية والفلسفة) لأنه لا مشكلة بين الطرفين بخلاف ما تسوق بعض الكتابات، فالمسؤولية تتحملها اللجنة المشرفة على إعداد البرامج والمقررات الدراسية، وبالتالي هي مسؤولية الوزارة الوصية.

إن قضية المقررات الدراسية هذه ليست مشكلة  بقدر ماهي مؤشر على أزمة تعيشها حقول العلوم الإنسانية والآداب، على الأقل، داخل أسوار المدارس والجامعات، حيث تسود في أوساط المتعلمين والطلبة، فكرة عدم جدوى هذه العلوم  ودونيتها مقارنة بفروع العلوم الحقة والهندسة، و العلوم التقنية.. في علاقة أقرب إلى الصدام والنفور..

لا نختلف حول حاجتنا الملحة إلى العلوم الشرعية، لصيانة العقيدة وضمان الأمن الروحي للمغاربة…، وإلى التخصصات العلمية والتقنية، لمواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي، وتطور آليات وأساليب الإنتاج، في ظل عولمة جارفة، لكننا في حاجة ماسة أيضا إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والآداب، لدورها المحوري في البناء الحضاري للمجتمع.

إننا في حاجة إلى بناء مجتمع واع بذاته، في زمن الانفتاح والاستيلاب الحضاري، مجتمع ملتحم ومتعاضد، ينبذ التطرف والتفرقة والصدام، وينشد الحوار في ضل الاختلاف والتنوع،  لكسب رهانات الحاضر والمستقبل، ولا يتأتى هذا إلا بتحرير الفكر والسمو به، ودراسة التاريخ، والآداب وعلوم الاجتماع، وتطوير آليات التفكير والنقد، لإصلاح الأسقام وتقويم الاعوجاجات، وإنارة مناطق الظل، ومصالحة الحاضر مع الماضي لاستشراف أفضل للمستقبل.

لا نريد أن نعود في كل مرة إلى سؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ لأنه لن يفيد في شيء ما دام لم يقترن بسؤال ما العمل؟

إن العمل يبدأ من تحرير الفكر، وتخليصه من الرقابة، ونبذ ثقافة العنف الرمزي والفكري، وتشجيع ثقافة الحوار في الاختلاف، مع ما يقتضيه ذلك من أسس الاحترام المتبادل.

ولنا في تاريخنا وتاريخ الأمم الأخرى من الدروس والعبر، ما يقينا من المهالك، ويوفر علينا هدر الزمن، لتدارك تخلفنا عن ركب العالم المتقدم.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

2 Comments

  1. amazigh
    26/12/2016 at 16:47

    اشكرك صديقي على هذه المساهمة المتزنة ،واحيي فيك ابتعادك عن ألفاظ التبخيس والتنقيص والبذاءة ، كذلك وجب أن تكون اخلاق الاساتذة واطر التربية « ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء » كما ورد حديث رسول الله ، الله يرد بالضالين والزائغين

  2. كتابي محمد تازة
    27/12/2016 at 00:04

    فال الحكيم سقراط =الفلسفة مدرسة الحرية الفلسفة تعلمنا كيف نموت اونحيا= وقال احد المناطقة = الفلسفة الابن العاق الذي يتنكر لكافة السلطات = لكن مع كل هذا فالفسفة ام العلوم بدون منازع والفيلسوف هو ذاك الرحالة المتجول عبر العصور والحقب والاجيال والذي يبحث عن الحقيقة الضائعة والتي كلما اقترب منها الا وطرح تساؤل جديد مما يفضي الى ذلك الجدل الصاعد الهابط وتتولد الافكار وتصطدم فيما بينها وهنا تكمن الصعوبة والتي عبر عنها احد العامة بقوله = وبالطبع اختلف معه= الفلسفة قطة سوداء في غرفة مظلمة يبحث عنها اعمى= لكن هذا الوصف لام العلوم يتنافى مع العلم والمنطق والفلسفة ذاتها مقال الاستاذ محمد فارس جامع مانع اعطى للفسفة حقها ولعلوم الفقه نصيبها اي لكل علم ميزة ومرتبة كما انه ليس هناك تعارض بين مختلف العلوم كبار فلاسفة العالم الاسلامي فقهاء وعلماء اذن اين هو الاختلاف؟ اعتقد في عدم فهم حدود كل علم من العلوم وفي النهج الابستيمولوجي الذي تتبناه الفلسفة عكس علوم الفقه والاصول؟

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *