Home»Enseignement»الاستاذ والكاتب لحسن قناني يطل علينا باصدارين جديدية

الاستاذ والكاتب لحسن قناني يطل علينا باصدارين جديدية

0
Shares
PinterestGoogle+

قد يكون الدافع إلى التفكير في العلاقة الممكنة بين المسرح والمسألة الحقوقية على النحو الذي وردت عليه بين دفات هذا الكتاب هو نذرة إن لم نقل آنعدام الكتابات في هذا الموضوع – حسب ما تناهى إليه علمنا المتواضع- وليس ذلك بالنسبة لثقافتنا الوطنية فحسب بل يتعدى الأمر ذلك إلى الصعيد العربي بشكل عام، خصوصا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار بعض الآراء العابرة، والانطباعات الصحفية المبتسرة التي قد نصادفها أحيانا هنا أو هناك على صفحات بعض الجرائد والتي عادة ما يكون ميسمها المرور «مر الكرام» على موضوع بمثل هذه الخصوبة والخطورة والثراء، دون أن تستوفيه حقه المستحق من التحليل والتعمق وإمعان النظر، لا سيما وأن بعض هذه الخواطر كان يرد في الغالب الأعم معبراً عنه في سياق الحديث عن مواضيع أخرى من قبيل العلاقة بين الثقافي والسياسي والفني والإيديولوجي وغير ذلك.
ولعل هذا الأمر هو الذي جعل هذا الكتاب يقف عند كل ما من شأنه أن يفيد     – سواء من قريب أو بعيد – في إضاءة كل ما يطفو على سطح هذه الدراسة من مناطق الظلال التي يكون قد دار في الخلد أن من جرائها لو تركت على حالها، أن تعمل على تعتيم العلاقة المفترضة بين المسرح والمسألة الحقوقية، وهو الأمر الذي حتم على تقنية الكتابة بالنسبة لمقاربة موضوع ثري من هذا النوع – ولا يخلو بسبب من هذا الثراء ذاته من التباس – أن تنحو منحى الاستطراد، إذ كلما كان تدليل عقبة من عقبات التحليل يستدعي ضرورة آستجلاء مفهوم من المفاهيم أو خاصية من الخصائص أو سمة من السمات إلا وكان مسار البحث يتفرغ تفرغا شبه كلي للتفكير في هذا الاستجلاء، وفي ما يمكن أن يكون له من إسهام في تحقيق الغايات المراد بلوغها بالنسبة لموضوع من هذا القبيل فائق التشعب والثراء، ويستدعي تشغيل كل مفهوم مركزي فيه تحريك شبكة كاملة من المفاهيم الأخرى، سواء تلك المتاخمة له في حقل الدلالة أو تلك التي ترتبط معه بمقتضى علاقة التقابل، ولعل هذا الأمر هو الذي جعل ولوج ملابسات العلاقة المفترضة بين المسرح والمسألة الحقوقية يقتضي العبور من خلال ثلاثة أبواب:

الباب الأول: هو عبارة عن فرش نظري وفيه عملنا على تحديد المقصود من عبارة «المسألة الحقوقية»، بآعتبارها دالة على كل ما يتعلق بإشكالية حقوق الإنسان وهو الأمر الذي كان لزاما بناء عليه التطرق لمفهوم حقوق الإنسان وبالتالي لمفهوم الحق، وقد تم التركيز بهذا الصدد على الكرامة كأساس للحق على آعتبار آستحالة الحديث عن مفهوم الحق إذا لم يكن تحققه من الشفافية والنصاعة بحيث تنعكس فيه بجلاء خاصية الكرامة الإنسانية، وهو الأمر الذي آستتبع ضرورة التمييز بين حقوق الإنسان وإيديولوجيا حقوق الإنسان، ثم عود على بدء بالنسبة للعلاقة الأم بين المسرح  والمسألة الحقوقية والتساؤل إن كان الأمر يتعلق بالحديث عن الحق كشكل من أشكال الوعي المطابق أم كإديولوجيا أي كشكل من أشكال الوعي الزائف؟ وعن أي مسرح يراد الحديث، لأن المسرح بدوره ليس كيانا متجانسا بل هو مرتبط بتموقع فكري محدد ضمن بنية آجتماعية معينة؟ وللإجابة على هذه التساؤلات كان لابد من حديث تفصيلي عن مفهوم الإيديولوجيا وعن مختلف الوظائف التي يتحتم عليها إنجازها عبر تضاريس الجسد الاجتماعي، وهو أمر كان يستدعي بدوره آستحضار مفهوم المواطنة لآستجلاء الميكانيزمات التي يتم من خلالها تحويل الحق إلى إيديولوجيا ولعل أبرز هذه الميكانيزمات هي المأسسة؛ ولما كانت مأسسة خطاب معين تعني آحتضانه من طرف المؤسسة فقد كان لا بد من الكشف عن الآلية التي تعمل بموجبها المؤسسة على تحويل الخطاب الحقوقي من الحالة التي يكون فيها وعيا مطابقا إلى الحالة التي يصبح فيها خطابا إيديولوجيا أي مجرد وعي زائف، وهو ما أطلقنا عليه بالتمسرح السياسي كعملية تمويهية تروم من خلالها المؤسسة التوهيم بأنّها حاضنة نظامية للمسألة الحقوقية، في حين يكون الهدف غير المعلن هو توجيه الخطاب الحقوقي في آتجاه المواطن المندمج المنصاع، حتى لا تظل التربية الحقوقية تربية غير نظامية، تحدث خارج أجهزة المؤسسة

..
أما الباب الثاني: فقد تم تخصيصه لمقاربة الكيفية التي تعامل بها المسرح الاستلابي مع المسألة الحقوقية، إلا أن صفة الاستلابية منسوبة إلى هذا النوع من المسرح كانت تقتضي منا بعض

التوضيح، وهذا ما جرنا أولا إلى الحديث عن مفهوم الاستلاب مستحضرين خلفياته الفلسفية وعلاقته بالإيديولوجيا كوعي زائف، الشيء الذي يترتب عنه أن يكون الإستلاب الإبن الشرعي للإيديولوجيا، ويكون المسرح الإستلابي بناء عليه منوطا بتحقيق كافة الوظائف التي تضطلع بها الإيديولوجيا سواء تعلق الأمر بالتشويه أو التبررير أو الإدماج ..
وحتى لا تبقى مقاربتنا لهذا النوع من المسرح نظرية محضة وقفنا وقفة مطولة جدا عند مجموعة من النماذج التي آنعكست في أعمالها بشكل من الأشكال صفة الاستلابية، وفي هذا السياق تم التركيز على تجارب كل من الطيب الصديقي والطيب لعلج، ومحمد حسن الجندي والحسين بنياز وغيرهم حارصين ونحن نتحدث عن أي تجربة من هذه التجارب على أن نمحص كل مرة سمة من السمات الكثيرة التي ما فتئت تتمظهر عبرها النزعة الاستلابية، وذلك من قبيل ذلك النوع من النوسطالجية التراثية المتنكرة للراهن عبر الاستغراق في الشكلانيات الفارغة، علاوة على التبسيطية والتسطيح وغياب الصدق الفني وآنعدام الرؤية التاريخية، والنخبوية والتهريج والظلامية والتخذير وغيرها؛ كما استثمرنا الفرصة التي أتاحها الحديث عن تجليات النزعة الاستلابية في تجارب هذا النوع الهجين من المسرح، للقيام بإطلالة ولو قصيرة على المسرح المغربي في مرحلة ما بعد الدعم مبينين كيف كانت هذه المرحلة إعلانا عن إبادة جماعية لنصف قرن من مسرح الهواة والذي كان إلى حدود تلك اللحظة يعتبر هو المسرح المغربي بآمتياز، مع ما تتضمنُه هذه الإبادة من مضمرات أخرى في علاقة المسرح الاستلابي بالمسألة الحقوقية، وقد كان ذلك مقاما سانحا للإجابة على جملة من التساؤلات التي تهم هذه المرحلة من قبيل: من هم المحترفون الحقيقيون؟ وهل عندنا فعلا جمهور مسرحي؟ ومتى يكون التكسب في المسرح دليلا على الاستلاب؟ ولماذا لا يمكن للمسرح الاستلابي أن يكون صادقا بالأخص في ملامسته للمسألة الحقوقية؟، إلى غير ذلك من الأسئلة الشائكة التي ما آنفكت تثيرها ضبابية المسار الذي قُدر للمسرح المغربي أن يسير فيه خلال مرحلة ما بعد الدعم

.
– أما الباب الثالث فقد خصصناه للحديث عن الكيفية التي حَضرت بها المسألة الحقوقية في ثنايا الإبداعات الدرامية للمسرح البديل الذي هو المسرح التنويري، وهنا أيضا كان لابد من أجل تبيُّن هذه الكيفية أن نقف بآستفاضة عند مفهوم التنوير، متخذين من التحديد الكانطي لهذا المفهوم ومن السمات الجوهرية التي يتأسس عليها كالعقل والتقدم و الحرية ورفض الوصاية وغيرها ركيزة لتعيين هذا النوع من المسرح بآعتباره في المسرح الذي يحرص كل الحرص على تلبية كافة المطالب التي تحيل عليها السمات الآنفة الذكر

.
وفي هذا السياق أيضا وحتى لا يبقى حديثنا عن المسرح التنويري هو الآخر أسيراً للتجريدات النظرية، عملنا على آستدعاء مجموعة من التجارب المسرحية التنويرية بهدف تمحيص جملة الفرضيات المعلنة حول علاقة هذا النوع من المسرح بالمسألة الحقوقية، خصوصا تلك التي يستفاد منها بأن هذا المسرح وبفضل كل ما يتميز به من « خصال » حميدة، كالجدية والهدفية والالتزام والعضوية والتجريب والهامشية الإيجابية والصدق الفني وعمق الرؤية التاريخية وغيرها ظل – منذ نشأته وعبر كل المحطات التي قطعتها قاطرة ترحاله – وبكل آمتياز أبرز حاضنة فنية للمسألة الحقوقية؛ وبهذا الصدد آرتأينا التركيز على سبيل الذكر لا الحصر، على بعض التجارب التي قد لا تشكل إلا غيضا من فيض بالنسبة لما تميز به المسرح التنويري خلال مسيرته الإبداعية الثرية، من خصوبة فنية وغزارة على مستوى الانتاج، فكانت تجربة الراحل حوري حسين بغناها وهوسها وهواجسها نموذجا فذا للكيفية التي تمت بها الملامسة الدرامية لقضية الحرية بشكل عام وحرية التفكير والتعبير بشكل خاص، كقضية حقوقية بآمتياز، وكانت الكوميديا الصادمة عينة لنوع من الرؤية المغايرة للتعامل المسرحي مع قضية المرأة، ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للقضية العمالية في تجربة عبد السلام بوحجر، و قضية الطفولة المغتصبة في تجربة المرحوم الطاهر دحان وجملة من النصوص التنويرية لمسرح الطفل والتي لم تكتف بآتخاذ المسرح قناة مُثلى لتمرير خطاباتها الحقوقية في شقها المتعلق بدنيا الصغار، بل نظرت إلى المسرح نفسه كحق من الحقوق المشروعة للطفل

.
وفي الأخير قد يكون من المفيد وبناء على هذه الكلمة الشديدة الاختزال حول محتوى هذا الكتاب، أن نشير إلى أن أفق الانتظار الذي يوحي به عنوانه «المسرح والمسألة الحقوقية»، لا يُسَمي إلا
الشجرة التي تخفي الغابة، وبالتالي فهو لا يشي بكل الإشكالات النظرية المثارة داخل الكتاب، وعلى رأسها التصنيف غير المسبوق للمسرح المغربي – وخلافا لكافة التصنيفات التقليدية – إلى مسرح آستلابي وآخر تنويري والتحديد الدقيق المسهب في التفاصيل لجملة الخصائص والسمات الجوهرية لكل من النزعتين الاستلابية والتنويرية، دون أن ننسى الإشكالات الشائكة التي أفرزتها مرحلة ما بعد الدعم، كل ذلك وغيره تم آستدعاؤه في سياق الحديث عن القضية المركزية، قضية العلاقة بين المسرح والمسألة الحقوقية والتي شكلت البوتقة التي آنصهرت فيها كافة الإشكالات المذكورة، لخدمة هدف أعلى واحد هو ذلك المتمثل في أشكال التمفصل الممكنة بين الحقوقي والجمالي.
لحسن قناني

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *