لقد فرطنا في شيء ثمين لا يباع ولا يشترى … اغلى من كل المعادن …..لقد فرطنا في الألفة والأخوة والقرابة التي تجعل الإنسان يشعر بأن له مكانا في حياة الآخرين، وفي الأسرة

الكاتب : سعيد حجي

بدأت المجتمعات العربية تفقد إحدى أثمن ركائزها، وبدأت ملامح التفكك تظهر في تفاصيل الحياة اليومية التي اعتدناها طويلا. أن تضع والديك في دار للمسنين، وأن يسكن بجوارك جار منذ سنوات دون أن تعرف اسمه، وأن تسأل شخصا عن آخر مرة زار فيها عمه أو خاله أو إخوته، وربما والديه، فيجيبك بوجه هادئ: منذ أشهر، دون أن يشعر بشيء من الأسى، تلك تفاصيل صغيرة تكشف حجم المسافة التي نشأت بين الإنسان ومحيطه.
كان الجار يبحث عن جاره إذا غاب يوما، وكانت المرأة حين تطهو طعاما ترسل إلى جارتها نصيبها، فيما يعرف بحق الملح، وكان الصغير يقبل يد الكبير احتراما وتوقيرا. كانت العلاقات شبكة أمان تحمي الإنسان من الوحدة، وتمنحه شعورا بأنه ينتمي إلى جماعة تسأل عنه حين يغيب، وتسنده حين يتعثر…
وقد تحدث الفيلسوف أبو حامد الغزالي عن حقوق الصحبة والجوار وآداب المعاملة، مدركا أن صلاح الحياة المشتركة يبدأ من تهذيب العلاقة بين الناس. فالأخلاق التي تحفظ المجتمع تتشكل في البيوت، وتترسخ في المعاملة اليومية، ثم تنتقل من جيل إلى آخر عبر القدوة والممارسة…
لقد فرطنا في شيء ثمين لا يباع في الأسواق، ولا تصنعه المصانع، ولا تستطيع خزائن الدول شراءه بالمال. فرطنا في الألفة التي تجعل الإنسان يشعر بأن له مكانا في حياة الآخرين، وفي الأسرة التي كانت أول ملجأ للضعيف، وأول من يلتقطه حين يسقط. وحين تضعف الأسرة، وتفقد قدرتها على احتضان أبنائها وتوجيههم، تتسع الفجوة بين الأجيال، ويصبح الفرد أكثر عرضة للوحدة والضياع.
سيكون ترميم هذا النسيج الاجتماعي أشق من بناء ناطحات السحاب، وتشييد البوارج، والوصول إلى المريخ. فالبنايات يمكن أن ترتفع في سنوات، والتكنولوجيا يمكن أن تتطور في عقود، أما الثقة حين تتآكل، والروابط حين تنقطع، والأجيال حين تنشأ دون شعور بالمسؤولية تجاه بعضها، فإن استعادة ما ضاع تحتاج إلى زمن طويل وإرادة تتجاوز الشعارات..
إن الحضارات التي تبلغ ذروة قوتها المادية قد تجد نفسها عاجزة عن حماية تماسكها حين تتفكك أسرها، ويعيش أفرادها غرباء عن بعضهم. فالمجتمع الذي لا يجد فيه الإنسان كتفا يتكئ عليها حين ينهار، ويدا تمتد إليه حين يعجز، وصوتا يسأل عنه حين يغيب، مجتمع يترك أفراده لمواجهة الحياة منفردين، مهما امتلك من ثروة وقوة.
لا تستهن بعمل عادي قد يبدو صغيرا في يومك: ابن بار يرعى والديه، وجار يطرق باب جاره للاطمئنان عليه، وامرأة تواسي جارتها في محنتها، وأخ يتفقد أخاه، وطفل يتعلم احترام الكبير من سلوك والديه. من هذه التفاصيل تنشأ المجتمعات القوية، وبها يشعر الإنسان أن حياته جزء من حياة الآخرين.
إن أخطر ما قد نخسره هو أن نصل إلى يوم نمتلك فيه كل أسباب التقدم، ثم نكتشف أننا فقدنا الأشخاص الذين كان يمكن أن نفرح معهم بكل ما حققناه




Aucun commentaire