الجزائر بين هزيمة الملعب وهزيمة السياسة

عبده حقي

لم تكن هزيمة المنتخب الجزائري أمام سويسرا في كأس العالم 2026 سوى خبر رياضي عابر، مهما كان قاسيًا على الوجدان الشعبي. فالبلدان لا تسقط لأنها تخسر مباراة في كرة القدم، ولا تنهار الأمم لأن شباكها تلقت هدفين أو أكثر. غير أن الهزيمة الأشد مرارة، في نظر كثير من المراقبين والمنتقدين، لم تكن فوق العشب الأخضر، بل في صناديق الاقتراع التي كشفت، بحسب الأرقام الرسمية المعلنة، عن اتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، وعن برودة سياسية عميقة تجاه مؤسسات يفترض أن تكون عنوانًا للتمثيل الشعبي لا واجهة شكلية لتجديد الواجهة نفسها.
يرى منتقدون من داخل البلاد أن الانتخابات التشريعية الجزائرية ليوم 2 يوليو 2026 لم تكن مجرد محطة عادية لاختيار نواب البرلمان، بل كانت اختبارًا صريحًا لعلاقة الجزائريين بمنظومة الحكم. وحين تعلن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وفق ما ورد في النص المرفق، أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 20,79 في المائة، فإن الأمر لا يعود مجرد رقم انتخابي بارد، بل يتحول إلى صرخة سياسية صامتة، تقول إن أربعة من كل خمسة ناخبين تقريبًا فضلوا الغياب على المشاركة.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن هذه النسبة لا يمكن فصلها عن سياق سياسي عام يتسم، حسب تعبيرهم، بتضييق المجال العام، وإضعاف الأحزاب، ومحاصرة الاحتجاج السلمي، وتحويل البرلمان إلى مؤسسة محدودة التأثير. فالانتخابات، في معناها الديمقراطي، ليست عملية تقنية لملء المقاعد، بل عقد ثقة بين المواطن والدولة. وعندما يمتنع ملايين المواطنين عن التصويت، فإنهم لا يرسلون رسالة كسل سياسي، بل يعلنون فقدان الثقة في جدوى اللعبة كلها.
بحسب الأرقام التي يستند إليها النص، تراجعت المشاركة في الانتخابات التشريعية من 46 في المائة سنة 2002 إلى 35,37 في المائة سنة 2017، ثم إلى 23,02 في المائة سنة 2021، قبل أن تصل إلى 20,79 في المائة سنة 2026. ويستخلص الكاتب من هذه المعطيات أن النظام السياسي الجزائري يواجه أزمة تمثيلية عميقة، لا يمكن تغطيتها بالخطب الرسمية ولا بالشعارات الوطنية ولا باستدعاء قاموس “الواجب الانتخابي”. فالواجب لا يُفرض على شعب فقد ثقته، والديمقراطية لا تولد من صناديق لا يقصدها المواطنون.
الأشد دلالة أن نسبة الامتناع، وفق الأرقام نفسها، قاربت 79,21 في المائة. وهذا يعني أن العزوف لم يعد موقفًا هامشيًا أو احتجاجًا محدودًا، بل صار حالة جماعية واسعة. ويرى منتقدو السلطة أن هذا الامتناع هو شكل من أشكال المقاومة السلمية ضد نظام لم يعد يقنع قطاعات واسعة من الجزائريين بأنه يمثلهم أو يصغي إليهم أو يفتح أمامهم أفقًا سياسيًا حقيقيًا.
ليست المشكلة، إذن، في أن الجزائريين لا يحبون السياسة، بل في أن السياسة الرسمية، كما يراها هؤلاء المنتقدون، أُفرغت من معناها. فالناخب لا يذهب إلى الصندوق إذا كان يعتقد أن النتائج لا تغير شيئًا، وأن البرلمان لا يراقب، وأن الحكومة لا تنبثق من إرادة شعبية حرة، وأن القرار الحقيقي يوجد في مكان آخر. هنا يصبح الصمت موقفًا، والغياب خطابًا، والمقاطعة استفتاءً غير معلن على شرعية النظام.
كما يشير النص إلى أن الجسم الانتخابي توسع خلال العقود الأخيرة، بينما تراجع عدد المصوتين فعليًا. وهذه مفارقة سياسية شديدة القسوة: شعب أكثر عددًا، وشباب أكثر حضورًا ديمغرافيًا، لكن مشاركة أضعف وثقة أقل. ويستنتج الكاتب أن النظام لم يخسر فقط الناخب التقليدي، بل خسر قبل ذلك الجيل الجديد الذي لا يرى في المؤسسات القائمة مرآة لطموحاته ولا أداة للدفاع عن مستقبله.
إن الخطر الأكبر في هذه الصورة ليس فقط ضعف المشاركة، بل تطبيع السلطة مع هذا الضعف. فحين تقبل الأنظمة بأن تُدار الانتخابات بأقلية ضئيلة، ثم تقدمها للرأي العام كما لو كانت انتصارًا ديمقراطيًا، فإنها لا تعالج الأزمة بل تزين واجهتها. وهنا، يرى منتقدون أن الخطاب الرسمي الجزائري يحاول تحويل العزوف إلى تفصيل إداري، بينما هو في جوهره إنذار سياسي واجتماعي عميق.
فالبلد الذي يبتعد فيه المواطن عن الصندوق، وتبتعد فيه السلطة عن المجتمع، يدخل منطقة خطرة من الصمت المتبادل. لا الشعب يثق في السياسة، ولا السياسة تعترف بعمق القطيعة. وبين الطرفين تتسع فجوة قد تتحول، إن لم تُعالج بالإصلاح الحقيقي، إلى أزمة أعمق من كل الأزمات الانتخابية العابرة.
إن الجزائر، بثرواتها وشعبها الحي، أكبر من أن تختزل في نظام مغلق أو في مؤسسات فاقدة للجاذبية الشعبية. غير أن قوة البلدان لا تقاس فقط بجيوشها أو مواردها أو شعاراتها، بل بقدرتها على إنتاج الثقة. والثقة لا تصنعها بيانات رسمية، بل انتخابات نزيهة، وتعددية فعلية، وصحافة حرة، وقضاء مستقل، ومجال عام لا يخاف فيه المواطن من رأيه.
من هنا، تبدو انتخابات 2026، في قراءة نقدية، أقرب إلى مرآة كاشفة منها إلى استحقاق ناجح. لقد أظهرت أن المشكلة ليست في الشعب، بل في نظام سياسي لم يعد قادرًا على إقناع هذا الشعب بأن صوته يساوي شيئًا. وحين تفقد السلطة القدرة على الإقناع، لا يبقى لها سوى الإكراه أو الإنكار. وكلاهما، في النهاية، لا يصنع شرعية ولا يبني دولة، بل يؤجل الانفجار ويعمق العزلة.
إن الرسالة التي خرجت من صناديق شبه فارغة واضحة: الجزائر لا تحتاج إلى انتخابات بلا روح، بل إلى سياسة تستعيد معناها. تحتاج إلى دولة تصالح المواطن مع صوته، لا إلى سلطة تطلب منه المشاركة في مسرحية يعرف نهايتها قبل أن تبدأ. وتحتاج، قبل كل شيء، إلى شجاعة الاعتراف بأن الديمقراطية ليست واجهة انتخابية، بل عقد كرامة بين الشعب والحكم.



Aucun commentaire