زغاريد في الوادي..

رمضان مصباح

قديمةٌ معرفتُها بي،اذ تعود الى سنة :1972 ، كنت وقتها معلما شابا في عشرينيات عمري،وفي عنفوان أحلامي وطموحي ؛حديث التخرج من مدرسة ابن خلدون للمعلمين بوجدة..
حللت ببركان وفي جيبي تعيين في مجموعة مدارسه؛وكان المدير وقتها الأشيب المرحوم « السي الطاهر ».تفرس في وأنا أقدم له « أوراق اعتمادي » ؛وتبقى له صلاحية اختيار فرعية فارغة من فرعيات المجموعة.
« تقربوست » نطقها مبتسما وأكمل:هل تعرفها ؟ أجبت بلا،وهل سبق لك أن عرفت زكزل؟
نعم ،ودخلت حتى مغارة الجمل بها.
طيب « آسي مصباح » ،فرعيتك في طريق زكزل ؛تتجاوز « تزغين » صاعدا ،تعبر الوادي وتواصل سيرك ؛هي على اليمين ،في منتصف العقبة.
زودني بسجل التلاميذ ،فألفيتهم خليطا يجمع مستويين،أو ثلاثة.
صرفت بقية اليوم في تدبير السكن المشترك بالمدينة؛وقد تيسر لوجود معلمين أصدقاء الدراسة ،رحبوا بي ضمن « عشرتهم ».
في الصباح الباكر ركبت دراجة نارية مستعارة ،وانطلقت كسهم في اتجاه « تزغين » ثم الفج الجبلي الشاهق والساحر، الذي يحتضن وادي زكزل النازل من عل كثعبان كبير .
كنت في قمة السعادة ،يهدهدني خرير النهر،في كل منعطف ،وتنعشني برودة المجرى .
أخيرا وصلت الى فرعية تاقربوست :قسم واحد بمعمار كولونيالي مقوَّس ،بُني على منحدر لضيق المكان.
يفضي المنحدر الى دوار من عدة منازل ؛سرعان ما تمخضت ،فاندفع الأطفال يعدون صُعَّدا نحوي؛وأنا مشدوه بروعة الموقع.
المعلم يوْساد ..المعلم يوساد.. (جاء).
هكذا ابتدأ كل شيء بهذه الجغرافية الخلابة ،التي تجمع بين الجبال الغابوية الشاهقة والوادي الغزير ،تحفه بساتين يتراص بها شجر الزعرور: « لمزاح » ؛وقل هي وتزغين عاصمتاه في الجهة الشرقية ،ان لم يكن في كل المغرب.
كنت ولا أزال أعتبرها لوحةً رسمها فنان قدير ،وكتب في أعلاها :سنة سعيدة.
وقرر أن يهديها لكل معلم يعرف جلال الله في الطبيعة..
كذلك كانت سنتي التربوية بها ؛حيث نقلت تلامذتي من وضع الضعف والخجل والخوف ،داخل القسم، الى وضع الطمأنينة والثقة والفرح .
ومن هنا يبدأ نجاح الرسالة النبيلة،وتنساب تفاصيل التعلمات بيسر كوادي زكزل.
كانت سنة بنبض السعادة.
قفا نذكر:
اليوم ،وبعد نصف قرن وزيادة،وقفت بها ضُحًى أسائلها ؛وان تغير المعمار وأصبحت مدرسة مكتملة.
لم تخطئ عيناي القسم القديم الظاهر في الصورة،وقد غدا جزءا من بناية كبيرة في طور البناء.
هل تذكرين الشاب الصاعد اليك ،عبر الوادي ،كل صباح ؛لا ليشقى ،كالمألوف لدى سوداويي المزاج من المعلمين،بل ليسعد مع أطفال في عمر الزهور ؟
وهل يذكر الوادي المعلم الذي ينحدر اليه ،بين الحصتين ،الصباحية والمسائية،وقد تأبط « المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران »؟
ان نسيتِ ،معذورةً بتوالي المعلمين الكُثر؛فلن أنسى أنا ؛لأنك وحيدة وواحدة..لوحة سعادة في حياتي الشخصية والمهنية.
وأقسمتُ ألا أعبر نازلا الى بركان ،عبر زكزل،الا وأتوقف عندك ؛أبحث فيك عن شبابي الذي ولى ..وعن أطفالي ،ماذا فعلت بهم الأيام؟
هم اليوم كهول ،نعم،لكن فيم اكتهلوا؟
وهل أنسى زغاريد حطابات « تزغين » المراهقات ؛وأنا أخترق بدراجتي صفيهم ،ذات صباح ربيعي،أزهر فيه كل شيء..حتى العشق.
معذورات، فقد كنت وقتها في عز الشباب والعنفوان.
هكذا في أدغال الزمن السحيق ،تزغرد الأنثى ليعلم الذكور أن الحياة لا تستقيم إلا مثنى مثنى..
والى لقاء



Aucun commentaire