أليس ماسح الأحذية أنظف من لاعقها؟ !

في غياب الشفافية والتدبير الجيد والحوكمة الرشيدة، وما إلى ذلك مما تعانيه بلادنا من نقائص، ونظرا لافتقارها إلى سياسات هادفة، تعتمد التشخيص العميق والدراسات الدقيقة في رسم استراتيجيات واضحة، وقادرة على رفع التحديات الكبرى والاستجابة لانتظارات الشعب، خاصة في القطاعات الاجتماعية الحيوية مثل: التعليم والصحة والسكن. وتحقيق التنمية القروية ومحاربة الفساد والهشاشة والفقر والأمية. وبحكم تفاقم البطالة والهدر المدرسي وتسريح العمال والهجرة القروية، فقد تزايدت جحافل الباحثين عن موارد رزق، لضمان استمرارهم في الحياة.
وبما أن أغلبهم بدون مستوى تعليمي أو شهادة مهنية، تمكنهم من إيجاد فرص شغل تتناسب ومؤهلاتهم، خاصة منهم أبناء الأحياء الهامشية والنازحون من الأرياف، الذين حرموا من التمدرس أو هم ضحايا الهدر المدرسي، ضاقت بهم السبل أمام ضيق ذات اليد وتعدد أفراد أسرهم، وما يعرفه العالم القروي من تهميش، فإنهم لم يجدوا من حل لمشاكلهم غير امتهان حرف بسيطة، تؤمن لهم دخلا يوميا يكفيهم وذويهم شر الجوع والمرض. حيث انضم بعضهم إلى « فيالق » الباعة المتجولين، واتجه آخرون للاشتغال بالبيوت والحمامات التقليدية وقطاع البناء ونقل السلع، فيما اكتفت فئة ب »مسح الأحذية ».
وبصرف النظر عن تاريخ ظهورها ببلادنا، تعد مهنة « مسح الأحذية » من بين أبسط الحرف التي تغري المعوزين من مختلف الأعمار بمزاولتها، وتكمن بساطتها في كونها لا تشترط مجهودات ذهنية ولا عضلية، وتتطلب فقط دريهمات معدودة كرأسمال لاقتناء ما يلزم من معدات، وهي عبارة عن صندوق خشبي وعلب دهان وفرشاة ومناديل، وكرسي صغير يستعمل عند الشروع في المسح.
وكما سلف الذكر، فإن غالبية ماسحي الأحذية يكونون مشردين أو بائعي سجائر بالتقسيط، كما يكونون من أسر بدون معيل وتعاني الفقر والهشاشة، أميون أو ذوو مستوى تعليمي جد متواضع، اضطرتهم ظروفهم الصعبة إلى اللجوء لهذه الحرفة، التي يعتبرها الكثيرون مستهجنة وتمثل أحد أشكال الاستعباد البشري، بينما يرى فيها آخرون عملا شريفا وأفضل بكثير من التسول، أو الارتماء في أحضان الرذيلة والسرقة والإجرام…
وماسح الأحذية غالبا ما يتخذ له مكانا قارا، يجعل منه عنوانا ل »إقامته » وعرض خدمته على المارة، سواء بجوار المراكز التجارية أو قرب الإدارات والأبناك أو متنقلا بين الشوارع والمقاهي والحانات، وقد ينسج علاقات طيبة مع زبنائه، يكسب قوت يومه بعرق جبينه نظير تنظيف أحذية وتلميعها، ويهتم بلون الحذاء أكثر من ملامح وجه صاحبه. وهو إما طفل يتيم في سن المرحلة الابتدائية أو شاب يرفض أن يكون عالة على أحد أو شيخ بلا مورد عيش…
ومن اللافت للانتباه في هذه الحرفة البسيطة، وجود أشخاص من متعاطيها ينصهرون في عملهم، فتراهم منكبين على تلميع الأحذية بشغف وبراعة، وكأننا بهم غارقون في رسم لوحات فنية بديعة، بلمسات سحرية رفيعة. إذ بمجرد أن توضع القدم في الموضع المخصص لها فوق الصندوق الخشبي، والبدء في عملية المسح والتنظيف، ينفصلون عما يجري حولهم ويصبح أكبر همهم تحويل الحذاء إلى شبه مرآة صقيلة. فهل أمام هذا الإصرار على الإتقان، يمكن اعتبار هذه المهنة مصدر عار لصاحبها، وتعرضه للتجريح والانتقاص من كرامته وإنسانيته؟ أليس ماسح الأحذية أحد رموز الكد وعزة النفس؟
فعلى من يبخسون مهنة هذه الفئة من الكادحين، وينظرون إليهم نظرة احتقار واستصغار، أن يدركوا جيدا أن هؤلاء المقهورين والمعذبين في الأرض ليسوا أدنى مواطنة منهم، وأن الدولة وحدها من تتحمل المسؤولية في عدم إنصافهم والحرص على تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء الشعب. وليعلموا أن من بينهم رجالا تحدوا الصعاب والمضايقات والإهانات، من أجل إعالة أبنائهم والسهر على تعليمهم، واستطاعوا فعلا إيصالهم إلى أعلى المراتب في التعليم والأمن والصحة والقضاء والإعلام…
وماسح الأحذية مثل عامل النظافة وآخرين، يلبون حاجيات الناس بشرف وأجر زهيد، ولا ينبغي بأي حال التقليل من شأنهم، ماداموا مجرد ضحايا سياسات عمومية معطوبة. وقديما قال الفرنسيون: « ليس من مهنة حقيرة، بل هناك أناس حقيرون ». فالحقير ليس من يمارس مهنة « مهمشة »، بل هو من يسيء إليه ويحط من كرامته. والأحقر هو الذي يتخلى عن القيم والأخلاق ويستسلم للإغراءات، فيتخذ من التملق ولعق أحذية ذوي السلطة والنفوذ منهجا له. وبيننا اليوم نماذج عديدة في مختلف المجالات والقطاعات ممن « اشتروا الضلالة بالهدى » لمرض في قلوبهم، وجعلوا من المداهنة أسلوب حياة قصد تحقيق مصالحهم الذاتية. ويتجسد أفظعها في ذاك « الإعلامي » الذي ضرب بأخلاقيات مهنة الصحافة ومصداقيتها عرض الحائط، منذ قدوم حكومة ما بعد « حركة 20 فبراير »، مفضلا الانحياز للإسلامويين مقابل غنم المكاسب والامتيازات، بتكريس معظم افتتاحيات يوميته الباهتة لشيطنة خصومهم السياسيين ومناصرة كبيرهم بنكيران، لاسيما بعد أن عجز عن تشكيل الائتلاف الحكومي المرتقب، رغم مضي أزيد من أربعة شهور على تعيينه ثانية رئيسا للحكومة. فأيهما أحقر: ماسح الأحذية أم لاعقها؟
أما كان حريا بهذا الانتهازي المهووس بحب المال، الذي أصبح بفعل نذالته ذا عقارات وأرصدة خيالية بالخارج، العمل رفقة أشباهه من الحربائيين على مسح دموع الأيتام والأرامل والمحرومين والمهمشين… وتسخير قدراتهم في اتجاه فضح المفسدين والدفاع عن القضايا العادلة لكافة المضطهدين، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتخليص المجتمع من مظاهر الاستضعاف والقهر، عوض التمادي في التطبيل وتبجيل أسيادهم ولعق أحذيتهم، من أجل كسب رضاهم وكرمهم؟


Aucun commentaire