Home»Correspondants»الخيارات المتبقية أمام الحكومة لمواجهة الظرفية الاقتصادية الصعبة…

الخيارات المتبقية أمام الحكومة لمواجهة الظرفية الاقتصادية الصعبة…

0
Shares
PinterestGoogle+

الخيارات المتبقية أمام الحكومة لمواجهة الظرفية الاقتصادية الصعبة

 

عبد الغفور العلام

 

بين ضعف مؤشرات النمو و اختلال التوازنات  الماكرو-اقتصادية، يعيش التدبير الحكومي للملف الاقتصادي أياما عصيبة، فهو يواجه من ناحية الضغوط الاجتماعية المتزايدة ( فقر، بطالة ، طلب متزايد على الخدمات الاجتماعية الأساسية: سكن، صحة ،تعليم) و من ناحية أخرى يتعرض لتأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية التي أرخت بضلالها على اقتصاديات دول العالم و خصوصا الدول النامية، مما أثر سلبا على أهم المؤشرات الاقتصادية.

أمام هذه الوضعية الاقتصادية الصعبة: ما هي يا ترى الخيارات الممكنة و الفرص المتاحة أمام الحكومة لمواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة؟  

تداعيات الأزمة على الاقتصاد الوطني:

مند ظهور الشرارة الأولى للأزمة الاقتصادية العالمية الحالية سنة 2007، و التي امتدت طوال خمسة سنوات ومازالت مستمرة لحد الآن، و الركود و الانكماش يطبع أغلب اقتصاديات الدول المتقدمة.

فالأزمة في منطقة اليورو تزداد سوءا حيث أنه على الرغم من التقدم الذي أحرز في قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة، فإن معدلات الاقتراض مثلا لإسبانيا وايطاليا لا تزال مرتفعة (6.39 في المائة و 5.73 في المائة على التوالي).

إضافة إلى ذلك، يتجه الاقتصاد الأميركي نحو الركود، حيث بلغ إجمالي الناتج المحلي الأميركي 1.9 في المائة في  2012، مقابل 3 في المائة السنة الماضية ، مع تسجيل نسب مرتفعة  للبطالة  وكذا زيادة الطلب على الدين الداخلي و الخارجي. و من جهة أخرى، يعرف النموذج الصيني بدوره صعوبات تتمثل أساسا في انخفاض الاستثمارات التي تشكل حيزا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وضعف مؤشرات الاستهلاك.

و تأسيسا على ذلك ، فالأزمة في البلدان الغنية أرخت بضلالها على اقتصاديات البلدان النامية نتيجة العلاقات و الارتباطات الاقتصادية ، وبالتالي كان لا بد لها أن تلقي بتداعياتها على الاقتصاد المغربي، حيثتأثرت مجموعة من القطاعات الاقتصادية الوطنية بالأزمة. فمقارنة مع مؤشرات السنة الماضية، انخفضتالصادرات انخفاضا ملحوظا ، كما تراجعت عائدات  القطاع السياحي بنسبة 7 في المائة و انخفضت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بـ2.5 في المائة.

زيادة على ذلك ، فإن ارتفاع أسعار المواد الأولية والفاتورة الطاقية انعكس على الميزان التجاري حيث بلغ عجزه أكثر من 113 مليار درهم، و أثر كذلك مباشرة  على ميزان الأداءات ، كل هذا أثقل كاهل الميزانية العامة، على اعتبار أن الدولة تدعم مجموعة من المواد الأساسية والاستهلاكية.

عجز في التحكم في المؤشرات الإقتصادية

عرفت السنة المالية الحالية عجزا في التحكم في المؤشرات الاقتصاديةاتسم عموما بضعف مؤشرات النمو و اختلال في التوازنات الماكرو اقتصادية.

تباطؤ وتيرة النمو:

لابد من الإشارة في البداية إلى أن المؤشرات الاقتصادية و المالية المتعلقة بهذه السنة، تميزت بالتضارب في الإحصائيات و الأرقام . فالحكومة حصرت في بداية السنة المالية نسبة النمو لسنة 2012  في 5 في المائة،  ثم قلصتها إلى  4.2  في المائة ، ليستقر توقعها مؤخرا في 3.4 في المائة.  بينما  توقع والي بنك المغرب بأن تتدنى نسبة النمو إلى 2 أو 3 في المائة. فيما راجعت المندوبية السامية للتخطيط توقعاتها لمعدل النمو لهذه السنة إلى 4.1 في المائة.

واستنادا إلى مضامين  الرسالة التوجيهية لرئاسة الحكومة التي تحدد التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية الجديد (2013)، سيعرف الاقتصاد الوطني تباطؤا في وتيرة النمو، ليصل حسب التوقعات الرسمية  إلى مستوى 3,4% سنة 2012.

في نفس الإطار، وحسب المعطيات الذي أدلى بها وزير الاقتصاد و المالية في الاستجواب الأخير لجريدة المساء ( بتاريخ 07/09/2012) ، سيبلغ معدل النمو 4.5 في المائة ،إذا استثنينا طبعا احتساب القطاع الفلاحي الذي عرف سنة صعبة.

العجز في ميزانية الدولة:

 توقع بعض المتتبعين للشأن الاقتصادي الوطني، أن يصل عجز الميزانية إلى مستويات قياسية تناهز 8 أو 9 في المائة، في المقابل تعترف الحكومة أن هذا العجز لا يتجاوز 6.1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ليبقى التحدي الأساسي الذي تواجهه الحكومة يتمثل في كيفية تقليص و ضبط عجز الميزانية، في ظرفية اقتصادية صعبة تتجه فيها معظم المؤشرات نحو المنحى التنازلي.

 زيادة طلب الاقتصاد الوطني علىالتمويلات الداخلية والخارجية:

استنادا لصحيفة « الحياة » اللندنية، زادت حاجة الاقتصاد المغربي إلى تمويلات داخلية وخارجية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 39 في المائة، مقارنة مع السنة الماضية. و ذلك راجع بالأساس إلى تراجع الموارد المالية من العملة الصعبة بسبب الأزمة الاقتصادية الأوروبية وارتفاع عجز الميزانة العامة على إثر تزايد النفقات وتباطؤ النشاط الاقتصادي المحلي.

وقدرت «المندوبية السامية في التخطيط» حاجات التمويل للاقتصاد المغربي بـ 10,6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي نحو 11 بليون دولار، عوضاً عن 7,8 في المائة مسجلة عام 2011، وهي أكبر نسبة عجز خلال السنوات الثلاثين الأخيرة.

و في هذا الصدد، و استنادا إلى البيان الأخير للبنك الإفريقي للتنمية، فقد منحت هذه المؤسسة المالية المغرب قرضا بقيمة 105 ملايين يورو من أجل تمويل برنامج “المغرب الأخضر” وعرضت المؤسسة  على المغرب أيضا 704.600 يورو من أجل تمويل مشروع مخصص لتطبيق دراسة على النمو الاقتصادي وتوفير المزيد من فرص العمل بالمغرب.

و في هذا الإطار، فالمغرب يتوفر حاليا على الدرجة « بي بي بي » ضمن التصنيف الائتماني لوكالة « ستندار أند بورز » ، و هي  درجة تمنحها وكالات التصنيف للمقترضين من الطبقة المتوسطة من درجة السندات العشوائية غير الاستثمارية. و تجدر الإشارة ، أنه إذا استمرت مؤشرات الظرفية الاقتصادية الحالية في الانخفاض يبقى احتمال تراجع التصنيف السيادي واردا. مما سيجعل الاقتصاد الوطني في وضعية صعبة و يقلص  بالتالي هامش  التدخل لدى الحكومة.

الظرفية الاقتصادية الصعبة: الخيارات المتبقية

لابد من الإشارة في البداية أن التدابير الأكثر فعالية و نجاعة  هي الأكثر صعوبة في التنفيذ. و لهذا، فإنه يبقى للحكومة هامش مهم من الجرأة والمبادرة من أجل تنزيلها على أرض الواقع. فلمواجهة الظرفية الاقتصادية الصعبة، توجد أمام الحكومة مجموعة من الخيارات الممكنة و الفرص المتاحة ، و هي عبارة عن حزمة من الإجراءات و التي  يمكن أن تندرج ضمن المحاور التالية:

–         مجهود جبائي إضافي:

            من خلالفرض ضرائب جديدة على الأغنياء والشركات الكبرى ( الضريبة على الثروة، الضريبة على الشركات…)، لتجاوز العجز الحاصل في مداخيل خزينة الدولة نتيجة انخفاض النمو الاقتصادي،  فعلى الأغنياء المساهمة بدورهم في المجهود المالي للدولة  (الحكومة الفرنسية على سبيل المثال فرضت مؤخرا ملايير من الأورو كضرائب جديدة هذه العام على الأغنياء والشركات الكبرى).

–         خفض عجز الميزانية العامة:

رغم الركود الاقتصادي وارتفاع مستويات الديون، يبقى على الحكومة وضع خطة محكمة لخفض العجز العام من 6,1 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2012، إلى حوالي 5 بالمائة السنة المقبلة، على أن تحاول خفضه إلى 3 بالمائة في أفق السنة المالية 2015  . و ذلك من خلال  تحسين و إنعاش موارد الميزانية العامة ، خاصة منها الجبائية، و العمل على استرداد ما يمكن  بخصوص ما يسمى بـ  » الباقي استخلاصه  »، بالإضافة إلى ترشيد الإنفاق العمومي من خلال خفض نفقات التسيير.

–         الحرص على التوازنات الماكرو اقتصادية:

العمل على التحكم في التوازنات الماكرو اقتصادية من أجل إعادة الثقة إلى الاقتصاد الوطني ، و ذلك من جهة ، عن طريق الرجوع إلى التوازنات المالية الكبرى، كحصر عجز الميزانية  فــي حدود دنيا  لا تتجاوز 2,5 %  من الناتج الداخلي الإجمالي  و الحفاظ على مستوى منخفض من عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات، وتحقيق بالتالي  مستوى منخفض من التضخم. و من جهة أخرى، تشجيع الاستثمارات وإعادة الثقة إلى المستثمرين في بلادنا من خلال تأهيل النسيج الاقتصادي وتقوية قدراته التنافسية.

–         إنعاش وتحسين الاستثمار:

حاليا، تفوق نسبة الاستثمار في المغرب 36 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، و على الرغم من هذا الإنجاز المهم، فإن مردودية هذه الاستثمارات لا تزال متواضعة مقارنة مع إنجازات بعض الاقتصاديات المماثلة لاقتصاد بلادنا، والسبب  يرجع بالأساس لكون نسبة مهمة من هذه الاستثمارات هي بالأساس استثمارات عمومية، و لهذا على الحكومة الاتجاه نحو تحسين مردودية  و جاذبية الاستثمارات العمومية خصوصا، وباقي أنواع الاستثمار بصفة عامة.

–         ترشيد وعقلنة الإنفاق العمومي:

         على الحكومة العمل على التحكم في النفقات وترشيد وعقلنة استعمالها من خلال خفض نفقات التسيير و خصوصا النفقات المرتبطة بأشغال الصيانة وبإعانات التسيير و التدبير، وكذا تخفيض الإعتمادات التي توفر لجميع المصالح وسائل التسيير المتعلقة بالموظفين والتجهيزات.

–         التشغيل كحل لمواجهة الأزمة:

باعتبار التشغيل نقطة الارتكاز المحورية و الرافعة الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي، فالمطلوب من الحكومة هو العمل على  تعزيز التنافسية و خلق و تحسين الاستثمار بهدف الرفع من معدل النمو، و من تم خلق فرص الشغل، في وقت ارتفعت فيه نسبة البطالة خصوصا لدى فئة الشباب.

–         ممارسة الحكامة الجيدةومحاربة الهشاشة الاجتماعية:

من خلال انتهاج الحكومة أسلوب تدبيري يعتمد ترسيخ أسس الحكامة الجيدة التي على رأسها محاربة الفساد و القطع مع اقتصاد الريع. و كذا العمل على  محاربة الهشاشة الاجتماعية٬ عن طريق محاربة الأمية والفقر والبطالة وتيسير الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية ( سكن، صحة ،تعليم) عبر بلورة خطة تنموية مندمجة واعتماد نظام استهداف فعال٬ لضمان استفادة  المواطنين الأكثر فقرا وحاجة.

الخلاصة:

و ختاما ، فمهما كانت الحلول  المقترحة لتجاوز هذه الظرفية الاقتصادية  الصعبة ، فلا يمكن أن تكون حلول آنية و ظرفية و استعجالية  بل يجب أن تندرج في إطار خطة إستراتيجية مندمجة ترومالقيامبإصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة .وإلا ستكون الحكومة قد اشتغلت فقط على كسب الوقت و هدر الزمن الحكومي، عوض بناء نموذج اقتصادي وطني قادر على المنافسة ورفع التحديات التنموية المستقبلية.

عبد الغفور العلام

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *