صدق من قال: هل أتاك حديث الجامعة

التصريحات الأخيرة٬ للسيد وزير التعليم العالي، والمتعلقة بإلغاء مجانية التعليم الجامعي، كانت بمثابة زلزال هز رحاب النظام الجامعي في بلدنا. إثر ذلك، كانت ردود الفعل متعددة من طرف المهتمين بالموضوع..
ففي هذا الصدد إخترت لكم هذا المقال تحت عنوان (هل أتاك حديث الجامعة) للذكتور عبد الكبير بلاوشو، أستاذ بكلية العلوم بجامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط٠
ضمن هذا المقال الشيق، سوف تجدون تحليلا هاما وملما بالموضوع٠
أتمنى لكم قراءة ممتعة.
هل اتاك حديث الجامعة
للذكتور عبد الكبير بلاوشو، أستاذ بكلية العلوم بجامعة محمد الخامس أكدال، بالرباط
اتذكر ان في التسعينيات التوافق كانت هناك لعبة لها ساحة ومساحة، ولها قواعد في التراضي، تمارس تحت اشراف جامعة وطنية وامام مدرجات مكشوفة، تسطقطب عشاق الفرجة من الناس لمشاهدة فن اللعبة في قلب الرقعة تحقيقا للمتعة.
في سماء ذاك الزمان سطع نجم اسمه الداودي، لا عب دولي بمعيار الكفاءة الكروية، يجيد فن المراوغة ومداعبة الكرة، يعشق الإنطلا ق من الوسط خشية منه ان يقع في حالة شرود ، قليل الكلام والحديث الى وسا ئل الإعلام، كثير العطاء والإقدام،في الميدان لا يقف الا على الأقدام تراه منتصب القامة لا يبتغي سوى تحقيق الأهداف من خلال هز الشباك، ولكن بتوقيعات لا يرضى ان تكون الا بالرجل اليسرى، وهذه صفة تنسب الى اللاعب المحترف المقدام الذي يرغب في ان تظل الراية عالية وبشعار جامع ومانع في المدرجات يتناسب وانتصاب القامة وصدى صوة الجماهير ومايقتضيه التعاقد ومسؤولية الحفاظ على الامانة الكروية. هكذا إستحق الرجل أن يكون عميدا يحمل الشارة ويأتينا بالبشارة، إنه حديث الكرة ولغة الملعب وقواعد اللعبة حيث حضر حديث الأمس بما فيه من نخوة وأتى حدث اليوم بما لا يقتضيه.
اليوم يسألونك عن الجامعة وعن النجم إذا هوى في سماء التعليم العالي وعن الساحة والمساحة وعن الإقدام وعن القامة والإقامة وعن الشارة والبشارة وعن التحلي والتخلي حيث قيل لنا في شهر رمضان ما لا ينبغي أن يقال على لسان نيزكي فلكي أن الفضاء الجامعي أصبح مفتوحا على كواكب دولية شتى بسعة صدر الجامعة المغربية وعلى حسابها كي يصبح تعليمنا عنوانا في مجرة كونية وبشهادة عالمية لا مجال فيها للمجانية أو للأقدمية في الترقية ظنا منه أنه يصنع أفقا إستثماريا ويرسم خارطة طريق لصناعة الأقطاب و البدء سوف يكون بالعلوم الهندسية والطبية بإ عتبارها مؤشرات حقيقية لقياس الفجوة في الوضعية الإجتماعية هذا خلط مقصود وهذا بلاغ للناس فماذا عسانا أن نقول أمام هذا القول الثقيل بأن عملية التدريس و التدليس في الجامعات الدولية سوف تتم باللغات الأجنبية كالروسية وغيرها علما منا أن اللغة لدى أهل الإختصاص هي مدخل لتكريس الهوية والإنتماء وبناء الشخصية ذات الأبعاد الوطنية.
هكذا حل البدر وطلع الفجر وتم الإعلان رسميا عن سقوط اللسان العربي وإلغاء المجانية من لائحة المبادئ الأساسية التي سطرتها الحركة الوطنية في نضالاتها لتكريس إستراتيجية تعليم حقيقي شعبي ديمقراطي غير طبقي لإبراز وإفراز الكفاءات لوطنية.
لكن قبل بيان السقوط كانت هناك إشارات أولية في التعامل مع الجامعة المغربية من قبيلة كثرة التناقضات في الخطاب لإعلامي و الإجهاز على مبدأ إستقلالية الجامعة وتعقيد مسطرة صرف الميزانية و تقويض صلاحية المجالس وإيقاف التوظيف بالمؤسسات و الحديث عن تعدد الأنظمة الأساسية ورفع شعار محاربة الفساد والإستبداد دون إتخاذ إجراءات عملية وفعلية.
في حين كنا ننتظر توجهات سياسية كبرى مرتبطة بإستراتيجيات واضحة للتعليم العالي والبحث العلمي في علاقتهما مع مخرجات منظومة التنمية الإقتصادية والإجتماعية.
كنا ننتظر تقويم وضع وإقامة نظم وإستقامة في الأداء ، كنا ننتظر التعامل بسرامة مع مكامن الفساد المهيكل والمنظم وليس الجرأة الزائدة على الحلقات الضعيفة والطبقات المستضعفة ، كنا ننتظرمشروعا حاضنا للفعل يتناسب وطبيعة المرحلة في إيطار منظور تمكيني وليس تحكمي،كنا ننتظر تفعيل إستراتيجية تمكين الجامعة العمومية من أجل إطلاق ممكناتها وليس إحتكار الإمكانيات ومركزتها في قطاعات بعينها وداخل صناديق لا حسيب ولا رقيب عليها، كنا ننتظر برامج من قبيل
ـ إعادة العمليات في منظمة التعليم و البحثـ
ـ الهيكلة و التنظيم الوظيفي
ـ ضمان الجودة في الأداء وتجسير الفجوات
ـ دعم سياسة التخطيط والتمويل
ـ إجراءات لمحاربة الفساد في التذبير
ـ إلغاء الضريبة عن البحث العلمي
ـ تحسين بيئة العمل وظروف الأشغال٠٠٠الخ
كنا نتمنى٠٠٠٠، لكن لم نكن ننتظر بتاتا مخططا لخوصصة الفساد وضرب القدرات وإلغاء المجانية وتهميش العربية وسحب الأقدمية والعصف بالإستقلالية٠٠٠٠إلخ كل هذا في قطاع حيوي رأس ماله بشري يفترض أن يدار بنظام إجرائي محكوم بنظرة إستراتيجية وبمنظور قيمي يكرس الهوية و الإنتماء والشعور بالكرامة وبوجود تنمية إقتصادية ووجوب تحقيق العدالة الإجتماعية٠المجتعات المتقدمة إنطلقت من ذاتها وليس من ذواة غيرها كما يراد لنا٠
إن أي مسلسل للإصلاح والتصحيح ينبغي أن يكون من الداخل وفي فضاء الفكر
وأن يكون هناك تطور في أدوات الإنتاج مع إمكانية تحول هذا الفكر إلى منظومة ثقافية يتم تكريسها وإشاعتها في أفق عملية بناء الشخصية الوطنية الملتزمة والمتوازنة واللتي تمتلك قدرات وإمكانيات لممارسة القراءة و الفهم على الواقع وبعثه من جديد٠
إن مصائبنا تكمن في فقه التذبير وفي مناهج البحث عن البدائل التي نعتبرها نحثا بشرية من داخل الجامعة وماكينة إنتاج للواقع الذي نريده إستباقيا وليس إلحاقيا للجامعات الأجنبية، فهل أتاك حديث الجامعة من أجل صناعة حدث كهذا؟


Aucun commentaire