Home»International»إفلاس اللائكية في المجتمعات الإسلامية

إفلاس اللائكية في المجتمعات الإسلامية

0
Shares
PinterestGoogle+

بقلم : عبد المجيد التجدادي

http://tajdadi.blogspot.com  /

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تميز تاريخ الفكر و ما تولد عنه في العالم الإسلامي خلال القرون القليلة الماضية بميزة أساسية ألا و هي التدافع ما بين قديم أصيل و جديد وافد غريب . و كانت الانطلاقة لذلك التدافع هي تلك اللحظة التاريخية الرئيسة من تاريخ المنطقة الإسلامية في القرن التاسع عشر حيث وقف المسلمون على واقع رُقيّ و قوة الغرب مقابل تخلفهم و هوانهم . لقد كانت حملة الأطماع الاستعمارية الغربية بمثابة الرجة القوية التي هزت المنطقة لكي يكتشف أهلها أنهم كانوا و لقرون عديدة غارقين في سبات عميق جعلهم يندحرون إلى خلفية ركب الحضارة الإنسانية ، و هو ركب أصبحت قيادته قلبا و قالبا قيادة أوربية غربية بامتياز .

القديم الأصيل يتمركز بالأساس حول المرجعية الإسلامية ، و قد اتخذ له في ظهوره أشكالا و تسميات مختلفة ؛ و الجديد الوافد الغريب يتمركز حول المرجعية الغربية ، و قد اتخذ له هو الآخر أشكال و تسميات مختلفة . و من المفيد الانتباه هنا إلى أن الطرفين معا كانا في حالة تماهي في فترة معينة ، بحيث أن الحركات الوطنية التي تبنت المقاومة كانت في رؤوسها و في خطاباتها تجمع ما بين الطرفين معا إلى حد يثير الالتباس ، و هذا ما قد نمثل له من خلال مفردات خطاب الحركات الوطنية التي تجمع ما بين الجهاد و النضال ، و الوطنية ، و ترويج مقولة « حب الأوطان من الإيمان » و نسبها إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، و النفخ في مسألة الوطن إلى حد يظن السامع أن الوطنية قرينة الإسلام … و عموما كانت الحركات الوطنية تجمع بين ثناياها بين الشيء و نقيضه : فهي في حربها الشرسة للتقاليد البالية و الرجعية و التخلف ، يلتبس عليها الهدف فيصبح المستهدف من تلك الحرب هو المرجعية الإسلامية نفسها مع العلم أن انطلاقة الحركات الوطنية في مجملها كانت انطلاقة سلفية بامتياز .

الالتباس الذي أشرنا إليه ستنقشع سحابته مباشرة بعد حصول دول المنطقة على الاستقلال ( أو حتى قبيْله ) ، بحيث إنه بدأت تتبلور و تتجلى الفروق الجوهرية بين دعاة المرجعية الإسلامية و دعاة المرجعية الغربية ، و يمكننا التمثيل لهذا بانشقاق المهدي بنبركة عن حركة علال الفاسي في المغرب ، و انشقاق بورقيبة عن حركة الثعالبي في تونس … غير أن الأكيد من خلال تطور الأحداث أن السلطة استقرت بيد دعاة المرجعية الغربية فيما يسمى بالتيار العلماني أو اللائكي ( أو اللاديني ) ؛ و سُيّرت شؤون البلاد و العباد وفق تلك المرجعية بشكل فج من خلال تجربة تركيا الأتاتوركية و تونس البورقيبية ، أو بشكل موارب مراوغ من خلال تجارب باقي الدول الأخرى .

لقد وظف التيار اللائكي زمام السلطة الذي كان بين يديه لكي ينفُذ بأفكاره إلى واقع المجتمعات الإسلامية في مختلف مجالات الحياة ، و سخر لأجل ذلك النفاذ مختلف الأدوات التي أمكنه التحكم فيها . و كان الإعلام و التعليم و الآداب و الفنون في مقدمة تلك الأدوات : من خلال المذياع و التلفاز ، و المدارس ، و الأدب و المسرح و السينما … و كان التيار اللائكي في عملية التمكين له تلك يعمل على واجهتين : الأولى تتمثل في ضرب المرجعية الإسلامية من خلال الضرب في رموزها بما يشوه سمعتها و يجعلها محل تحقير و رفض ، أو على الأقل محل حصار و تهميش ؛ و الثانية تتمثل في تطبيع الناس مع السلوكات التي تتنافى و تلك المرجعية و تؤسس للحياة اللائكية : و قد ساهم في هذا العمل على مدى العقود الماضية جمهور الإعلاميين ، و المعلمين ، و الأدباء و الفنانين . عقود عمل فيها هؤلاء ( من حيث يعلمون أو لا يعلمون ) على محاولة بناء المرجعية اللائكية على حساب ما يبدو هدمه من المرجعية الإسلامية .

لقد أنتجت الصناعة اللائكية أفرادا يعانون من الفصام في تكوين شخصياتهم ، بحيث أن حالة الالتباس التي أشرنا إليها آنفا تتكرر مرة أخرى في حياة الأفراد ، فتتضارب مواقفهم ما بين الشيء و نقيضه تماما . و يمكن أن نمثل لهذا بأفراد عاديين تراهم يحرصون على ممارسة شعائر دينية معينة ثم هم في نفس الوقت يقترفون نهارا جهارا سلوكات ممنوعة بصريح الدين ..؛ أو حتى بالشخصيات العامة : فالرئيس العراقي صدام حسين بمرجعيته القومية اللائكية المعروفة يدّعي « الجهاد » بعد غزوه للكويت ، و يرفع لواء التكبير في العَلم العراقي ، و يحمل معه القرآن الكريم أثناء محاكماته ..، و يتكرر مشهد حمل القرآن الكريم مع نجل حسني مبارك ( بتوجهه اللائكي و بعدائه للتيار الإسلامي ) أثناء محاكمته …

لقد كانت المرجعية الإسلامية أكبر الأهداف العدائية للتيار اللائكي طوال عقود حكمه منذ خروج الاستعمار ، غير أنه و رغم كل معاول الهدم التي اشتغل بها ، و رغم الإصابات التي أوقعها بقشرة تلك المرجعية ، فإن اللب بقي سليما معافى إلا في القليل النادر المهمل من الناس : و هذا ما تبين بعد تجربة تركيا الأتاتوركية اللائكية الفجة كيف انقلبت لصالح المرجعية الإسلامية من خلال حزب العدالة و التنمية ، و بعد تجربة تونس البورقيبية و البنعلية اللائكية الفجة كيف انقلبت لصالح المرجعية الإسلامية من خلال حركة النهضة ..، و مصر و المغرب و الكويت … و كل هذه التجارب و غيرها من التجارب المرتقبة تبين بجلاء إفلاس التجربة اللائكية بالمجتمعات الإسلامية ، و أنها مجتمعات لا يمكنها بالمرة أن تجافي الدين و تعاكس مساره ..، و أن ما قد يطرأ عليها من مثل ما وقع بها في العهد اللائكي ليس سوى فترة طارئة سرعان ما تنجلي و يعود الناس إلى مأواهم الآمن الذي لا يثقون و لا يعتقدون بغيره .

إن المجتمعات الإسلامية من خلال ما كشف عنه ما يعرف الآن بالربيع العربي تؤمن و تعتقد اعتقادا جازما بأن « الإسلام هو الحل » . و بالتالي فإن أي توجه يريد إقصاء الدين من حياة الناس مآله الفشل كما فشل هؤلاء السابقون ؛ و في ذلك عبرة لكل حملة لواء اللائكية الآن القابضون عليها و العاضون عليها بالنواجد ، و هم مدعوون بهذه المناسبة إلى التصالح مع معتقدات المجتمعات الإسلامية و الاستسلام لإرادتها و قناعاتها التي لم تستطع عقود الاستبداد تحريفها : فالناس في المجمل يريدون من يسير بهم وفق منهج الإسلام ، و يزيح عنهم نيران أحاسيس الذنب التي تلاحقهم إن هم ساروا وفق منهج يعارضه ، أو أنهم يريدون بتعبير آخر من يداويهم من ذلك الفصام الذي كانوا يعيشونه ما بين متطلبات دينهم الذي يعتقدونه اعتقادا راسخا و متطلبات واقعهم المفروض عليهم و المجافي لعقيدتهم .

غير أنه و بالمقابل ،  نختم بالقول أن ذلك التدافع الذي تم ما بين دعاة المرجعية الإسلامية و دعاة المرجعية الغربية كان في المجمل ( على الرغم من الشوائب التي شابته ) إيجابيا لصالح المرجعية الإسلامية ، حيث إنه كان فرصة للخلخلة و التمحيص و المراجعة ، و لتنقية المرجعية الإسلامية من الكثير الكثير مما علق بها من الشوائب الطارئة التي كان يُعتقد إلى عهد قريب أنها من صميم الدين و ما هي من الدين في شيء … و بهذا فإن التيار اللائكي و التيار الإسلامي إنما هما مولودان شقيقان من رحم معاناة المجتمعات الإسلامية : الاستبداد و الجهل و الفقر و التخلف و الهوان بين الأمم .. كلها أعداء مشتركة … و ننتظر اليوم الذي يتآلف فيه الجميع بعد أن يعترف كل طرف بفضل الآخر قلّ الفضل أو كثر .. لكي ننهض و نلتحق بمقدمة الحضارة الإنسانية .. و قيادتها

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. KAMAL
    05/03/2013 at 23:02

    إن فهمك للعلمانية أو ما تسميه أنت « بلا إكية » قد جانب الصواب فالعلمانية هي الدولة التي تسهر على رعاية مصالح المواطنين وجميع المواطنين على اختلافهم وإختلاف عقائدهم عبر مؤسسات تنبثق من الشعب،وليست ضد الدين كما تزعم أنت يا أخي العزيز،بل العكس هي من تصونه وتحفظه،أما عن الأمثلة التي اعطيت وقلت أنها دول حكمها العلمانيون ومنها وطننا الحبيب فأعلم أن المغرب و منذ قرون وهو يعيش تحت ظل الدولة الدينية (الإسلامية) أو ما يسمى بإمارة المؤمنين،أما باقي الدول فكانت تحت حكم الدولة العثمانية والتي كانت تسمي نفسها خلافة إسلامية،طبعا إذا رجعنا إلى التاريخ سنجد أن هذه الدول كانت تعيش في إستبداد وفساد وظلم وطغيان وكل هذا كان يحدث بإسم ألدين،وهذا ما جعلهم يصبحون لقمة سائغة للمستعمر،أما « أتاتورك » الذي يعتبر رمزاً للأتراك بما فيهم « اردوغان » الذي لا يفوت فرصة إلا وستشهد بمواقف وإنجازات هذا البطل ضد الإستعمار البريطاني وبنائه للدولة التركية الحديثة وطرده للعثمانيين،ولا تنسى أن اردوغان نفسه قد نصح المصريين بما فيهم (الإسلامين) بالدولة العلمانية لأنها الضامن الوحيد للإستقرار والرفاهية لكل المصريين،ولا تنسى أن الدولة بشكلها الحديث وبسلطاتها الثلاث،وبمؤسساتها هو نتاج فكر ليبرالي علماني إنبثق عن مفكري عصر الأنوار، »جون جاك روسو « ،مونتسكيو »… وغيرهم،فكيف يسمح الإخوان وغيرهم من المتأسلمين أن يحكموا من خلال مؤسسات هي من صنع فكر كافر ويحارب الدين؟؟؟

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *