Home»Enseignement»الماضوية في التعليم الابتدائي

الماضوية في التعليم الابتدائي

1
Shares
PinterestGoogle+

الماضوية في التعليم الابتدائي
( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين )

ـ للمقاربة فاتحة:
الماضي بكل أبعاده التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية والحضارية، وبكل حمولته الحدثية والخبراتية يشكل قاعدة الانطلاق نحو الحاضر والمستقبل من خلال قراءته قراءة نقدية وتحليلية متعمقة بما يترتب عنها من استثمار المنجزات والإيجابيات في نسج الحاضر والمستقبل، وتفادي السلبيات بل تحويلها إلى إيجابيات بالاستفادة منها مدخلا لتعلم الجديد في مختلف الميادين والمجالات.
والماضي جزء عضوي من حياة الفرد والمجتمعات، لا يمكن تجاوزه بالمطلق وحذفه من الحياة الفردية أو المجتمعية أو ذاكرتيهما. فهو الذي يشكل قاعدة الانطلاق بما يتراكم في ساحته الزمنية والمكانية من أحداث وإنجازات ومعرفة وغير ذلك. لذلك عبثا من يحاول تجاوزه بالمطلق إلى حاضر مبتور أو إلى مستقبل مجهول! لذا كان الماضي بكل أبعاده هو تاريخ الفرد وتاريخ المجتمعات، يشكل جزء من الهوية بل هو الصوى الكبرى التي تستنبت فيها معالم الهوية لأجل تدقيقها من خلال الحاضر واستشراف المستقبل.
والإنسان بلا ماض هو كتاب بلا مقدمة أو علم بلا مدخل! من هنا يعتز الأفراد وتعتز الدول والمجتمعات بماضيها وتنهل منه ما يوطنها في الحاضر، وما يؤهلها للمستقبل، ولكن دون الانحصار والانكماش والتقوقع فيه. لأن التقوقع فيه يوقف الزمن وربما المكان. وإن توقف الزمن مات الإنسان فردا أو مجتمعا كان.

لهذا يدعو علماء التاريخ و علماء علم الاجتماع إلى الاستفادة من الماضي لولوج الحاضر من أجل المرور إلى المستقبل. وهم هنا يركزون على تلك القوانين التاريخية والاجتماعية التي تمكن الفرد والمجتمع من بناء الذات والآخر والإنسانية والحضارة، وتعطيه انسيابية الوجود في الوجود الإنساني متعدد الأوجه.
والماضي كمكون عضوي من التاريخ البشري، لم ينفلت من التوثيق وفق المراحل التاريخية والتطورات الحضارية التي مر منها الإنسان، بما تجد فيه فترات مفقودة من التوثيق لانعدام وسائل التوثيق مقابل وجود فترات موثقة بشكل جيد لوجود وسائل توثيق متطورة، غير أن الأحداث التفصيلية في بعض الأماكن وبعض الجغرافيات لم توثق لعدم وجود الموثق. إلا أن العصر الحديث أغلب أحداثه، خاصة تلك العامة والفاصلة في تاريخ البشرية موثقة بشكل محكم. يمكن استدعاؤها مرجعية معرفية كأنها وليدة اللحظة لوجود الصورة والصوت في وسائل التوثيق. كما أن العالم في ظل العولمة وعصر المعلوميات والاتصال أصبح قرية كونية صغيرة أغلب أحداثها معروفة وموثقة. تستفيد منها الأجيال، خلف عن سلف. ولكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا هو: هل كل الأفراد والشعوب والمجتمعات والدول تستفيد من الماضي لأجل الحاضر والمستقبل؟ أم هناك من يستفيد ومن لا يستفيد؟ كما أن هناك سؤالا جوهريا يمكن طرحه هنا، وهو: هل للماضي أثره على الحاضر والمستقبل؟ … أسئلة قد تبدو للوهلة سهلة الإجابة، وربما يراها البعض ساذجة وسطحية! لكن في ظل التعاطي مع الوقائع الحضارية في حياة الأفراد والمجتمعات والدول تتبين أهميتها وموقعها في تشييد موضوع الماضوية وأثرها على الأفراد والمجتمعات والدول.
وهذه الورقة ليست معنية بالإجابة عن تلك الأسئلة لأنها ستحصر نفسها في سياق التعاطي مع الماضوية في التربية والتكوين من خلال بعض الأدلة الواقعية في الدرس التعليمي. وكيف تؤثر في التفكير وفي الحاضر والمستقبل. فالماضوية بقدر ما هي ضرورية للمتعلم كتأريخ في أبعاده الثلاث الزمني والمكاني والحدثي، بما يحمل الحدثي من معاني اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وعلمية وحضارية يستفيد منها المتعلم ومن قوانينها وبنياتها الفكرية والعلمية، بقدر ما هي خطيرة عليه إن تقوقع فيها وانحصر في كيانها، ينظر إلى الحاضر بعيونها ويقرأه بفكرها ويحلله بطرقها ومناهجها بل ويتعاطى معه من خلال موضوعاتها! فذلك لن يبني حاضرا ولن يستشرف مستقبلا، ولن يحي ماضيا. ولكن، إذا كانت الماضوية حاضرة من أجل استثمارها في الحاضر لاستشراف المستقبل في إطار من التفاعل والفعل البناء، كانت مكونا مؤسسا لفعل البناء لا معوقا له. ولأجله أتساءل هل الدرس التعليمي ينهل من الماضي لأجل الحاضر والمستقبل أم ينغلق فيه لتغييب الحاضر وإن حضر وقنص المستقبل إن أطل؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، فإن الشغف المهني يستجلب أسئلة كثيرة متعقلة بهذا السؤال، لعلها تستفز الباحث والمهتم لخوض غمار البحث فيها. ومنها:
ـ هل وزارة التربية كمؤسسة رسمية واعية بموقع الماضوية في سياستها التعليمية كمدخل للبناء لا كمدخل للتعويق؟
ـ أين تترجم الوزارة هذا الوعي؟
ـ هل يتجلى ذلك الوعي لدى مكونات المنظومة التربوية والتكوينية؟ وفي أي مستوى؟
ـ وكيف ندبره عمليا وإجرائيا في الميدان؟
ـ وكيف نتحقق منه ونقيس نتائجه؟
أسئلة، ربما الجواب عنها يقود إلى الإمساك بالماضي كمحرك فاعل في بناء الفرد والمجتمع من خلال التعليم. وتحريكه في تجديد الهوية والشخصية الفردية والجماعية. ومنه أجد أن البحث عن الماضوية المعوقة في التعليم المغربي جدير بالاهتمام، يتطلب استقطاب البحث الميداني لمقاربته. وعليه، ومن خلال تجربتي المهنية المتواضعة في ميدان التأطير والبحث التربوي يمكن تلمس هذا الموضوع في مناطق متعددة ومتنوعة من جسد التعليم. واليوم، سأذهب إلى الكشف عن الموضوع من خلال مثال واحد واقع في أحد الكتب المدرسية. وسأقترب منه من خلال الطرح المنهجي المتبنى في تقديم النص القرائي، ومن خلال المدخلين المتني والسيميولوجي لهذا الدرس.
ـ للمقاربة تحديد للمصطلح:
في هذه الورقة نعتمد تحديدا إجرائيا للماضوية ، نستحضر فيه المعطى الحضاري كنتاج ذي أبعاد متنوعة سياسية وثقافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وعمرانية وغيرها، مع استحضار البعد الزمني كماض منقطع عن الحاضر والمستقبل ويستغرقهما. حيث تفيد الماضوية بهذا الاستحضار: الماضي حدثا ونتاجا وزمنا يستغرق الحاضر بآلياته الفكرية والعملية في مقاربة قضاياه واستشراف مستقبله. وهنا لابد من الإشارة أن الماضوية لا تعني في تعريفنا مطلقا ديننا الحنيف ببعديه القرآني والسني. لكن ما دونهما من اجتهادات إنسانية وغيرها لا تجد تقديسا في التعريف.
كما أن التعريف يخرج من حده الماضي الذي يلهم الحاضر من أجل المستقبل من خلال مصدريته للتغيير والتطوير والاستفادة من عبره ودروسه وإيجابياته. ويُبْقِي في تعريفه كل ماض يعمل ( أداة لإعاقة الحركة، وتكبيل الأقدام، ومنعها من الانطلاق ) . وبذلك نخرج من السجال الدائر بين المدرسة التقليدية في التفكير وبين المدرسة الحديثة، خاصة سجالهم حول التأخر والتقدم والبناء والهدم وطرقهما وأدواتهما في إطار تقدمية تلمز الدين وتشينه ضدا على أطروحاته المتقدمة!.
ـ للمقاربة تذكير:
للماضوية سلبيات حين التقوقع فيها، وتقديسها بكل شوائبها دون أخذها بالتحليل الرزين والنقد المتين، وتبيان سلبياتها وإيجابياتها من حيث الاستفادة منها.

فالداخل إليها بدون سلاح العلم والمعرفة وأدوات الرؤية والتحليل والتشريح وأدوية التصحيح والتطوير والتجديد يغلق عليه باب الزمان وربما المكان والحدث! فهي تسجنه وتعتقله في تفكيره وطرقه وأدواته، وتنقله من زمن الحاضر إلى الماضي وتبقيه فيه جامدا دون حركة يعيش على هامش الحاضر بدون مستقبل. كل ما هنالك فعل كان، وإن كان هذا الفعل في كثير من الأحيان فعلا ناقصا غير تام! لذا تجد ساسة النظم التعليمية والتربوية يجددون تلك النظم حيث يخففون من وطأة الماضي عليها من خلال فتح الماضي على الحاضر وربطه بالمستقبل عبر أسئلة منفتحة عليه، كالتساؤل عن كيفية الانتقال من معطى ماضوي تربوي منهجي إلى آخر مناسب للحاضر بالاستفادة من مبادئه الأساسية؟ وكيف يمكن لموضوع ماضوي أن يفتح لنا آفاق البحث فيه برؤية جديدة؟ وهكذا؛ حيث يجد كثير من المربين ( الماضوية هي سجن النظم التعليمية في زنازين الماضي، وحرمانها من العيش في الحاضر واستشراف المستقبل، وفي ضوئها ينظر إلى قضايا المستقبل بروح مشبعة بالحنين إلى الماضي، مما يجعلها أسيرة لقوالب الماضي ) . والماضوية في التعليم المتشددة تلغي الزمن في بعده الحاضر وصنوه المستقبل من حسابها، وهو أمر يعطل طاقة المتعلم نحو الانطلاق إليهما بروح التجديد والتطوير بتعبئة الماضي، المرجعية المؤسسة للتركيم المعرفي والأدائي والحدثي، الذي يشكل مصدرا من مصادر المضامين في البرامج الدراسية، ذلك أن ( مصادر المضامين هي المواد الفكرية ذات المنشأ الاجتماعي والثقافي والعلمي، وكذلك تجارب الماضي والحاضر، والتصورات المفاهيمية التي صاغتها البشرية وجمعتها على مدى التاريخ ولا تنفك تتناولها بالتجديد والتحوير والتوسيع المستمر. ومضامين المقررات الدراسية هي مجموعة مختارة من كل تلك المواد، تتسم بالتوافق مع الأهداف التربوية المحددة في فترة معينة ) . وهي الماضوية تنمط نظرة المتعلم منهجا وموضوعا وزمنيا بالماضي وأدواته وأطروحاته إلى الحاضر والمستقبل، من حيث تلغي بقدسية الماضي كل تفاعل معه لأجل الحاضر والمستقبل، وهي لا تترك للخلف مجالا للبحث إلا ما قد سلف، وبذلك يكون المتعلم أسير الماضي. فالتعليم الذي يضفي قدسية على الماضي؛ متعلموه لا يعيشون الحاضر ولا يؤهلون للمستقبل.

ولنا في بطالة خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس ما يؤكد هذا الطرح. فيكون ( من أخطر ما قد يقع فيه نظام تعليمي ما من مزالق هو تركيزه على بعد واحد وإهماله البعدين الآخرين. ] الحاضر والمستقبل [ فالهجرة إلى الماضي، وإلغاء الحاضر، وضعف النظرة إلى المستقبل هي تصرفات انسحابية. والوقوع في أسر الحاضر مع تجاهل رصيد خبرة التاريخ، والقعود عن التأهب للمستقبل هي أفعال انتهازية. أما القفز إلى المستقبل من دون وعي دقيق بالواقع المعيش، وفهم عميق لدروس الماضي فهي سلوكيات انتحارية ) .
وللماضوية تجليات عدة في النظام التعليمي ليس المقام مقام إفاضة وتفصيل فيها انسجاما مع غاية هذه الورقة التي تستهدف التحسيس بالمشكل وإشكالياته المتعددة. ذلك أنها تتجلى في:
ـ الفلسفة التربوية؛
ـ السياسة التربوية؛
ـ غايات وأهداف النظام التعليمي؛
ـ المناهج والبرامج والمقررات الدراسية؛
ـ المتن التعليمي والكتب المدرسية المقررة؛
ـ طرق ومنهجيات ومسلكيات التدريس؛
ـ طرق التقويم؛
ـ النظام التنظيمي للتعليم كقوانين وتشريعات وإدارة وتدبير بل وعقلية تتحكم في تفصيلات النظام الإجرائية والعملية الميدانية؛
ـ سحنة مكونات النظام التعليمي؛
ـ …
وغيرها كثير، يشكل مؤشرات للماضوية وموقعها في التعليم ومظاهرها وتجلياتها. ولها من الأسباب والمسوغات ما يرتبط بالسياسة والتاريخ والاجتماع والثقافة والاقتصاد والسيكولوجيا وفلسفة الحياة والاحتكار والانتهازية والمصلحة الذاتية والفئوية. كلها تتكامل لأجل تحقيق غاية تحددها طبقة معينة من المجتمع كثيرا ما تكون هي المسيطرة على السلطة في المجتمع بطرق مباشرة أو ضمنية أو بالوكالة.

فالسلطة المخزنية أو السلطة الاقتصادية أو السلطة الثقافية هي التي تقرر في شان التعليم كيف يكون ولما يكون؟ والباقي تفاصيل عملية وإجرائية لخدمة الغاية والكيفية الحقيقيتين، في ظل إخفائهما في أغلب الأوقات تحت عنوان التغليط والتلبيس بمنطوق اللغة المضمرة للحقائق الخفية، والمعلنة للموهمات السطحية ( باعتماد ألفاظ مشتركة وغامضة تجعل المخاطب يتردد في إسناد المعنى المقصود. ففيها يعجز المخاطب عن تفصيل المعاني المتعددة التي يتوفر عليها اللفظ الواحد، وبالتالي اختيار ما يلائمه. وقد يعود الاشتراك إلى أسباب عدة مثل الاصطلاح والدلالة والتداول. وهو من أكثر الأساليب التي يعتمدها المغالط للتمويه والتدليس ) . فالبحث فيها يجلي حقائق تكون غامضة ويظهر في بعض المواطن النوايا الخفية بل والمبيتة، التي تؤدي إلى هذا القرار أو ذاك، باتخاذ الماضوية مسلكا في تسكين الأوضاع وإخراجها عن الحاضر والمستقبل. لأن في إدخالها في الحاضر والمستقبل تهديد مصالح ومنافع وامتيازات ساسة القوم وخدام أعتابهم وبطانتهم.
والماضوية في هذه الورقة تنكشف من خلال:

1 ـ البعد الموضوعي في البرامج التعليمية:
المتصفح لما جاء به الإصلاح والتجديد في عشريته المعلنة في خلق الله، بما يفيد أن هناك تغييرا في مواضيع البرامج والمناهج والمقررات، يلمس عن قرب وبما لا يدع شكا لديه، أن أغلب البرامج والمناهج والمقررات لم تشهد تغييرا جذريا وحقيقيا في المواضيع، خاصة في المدرسة الابتدائية إلا اللمم والنزر القليل! ومازلت مكونات البرامج هي نفسها في الغالب. تحدّث عن نفسها في مقارنة بسيطة بين المقرر سابقا في ظل الكتاب الوحيد والمقرر حاليا في ظل تعدد الكتاب المدرسي. وقد أثبتت بعض البحوث الميدانية أن هناك فرقا بسيطا بين الوحدات المقررة في المدرسة الابتدائية.
ونحن نلمس عن قرب أن المقرر في التراكيب والصرف والتحويل والإملاء بقي نفسه في موضوعه وإن تغيرت حوامله المتنية من كتاب إلى آخر، دون أدنى تغيير في البعد المفاهيمي لهذا المقرر استثمارا للمدارس اللغوية الحديثة التي ذهبت في تحليل بنية اللغة ومكوناتها ونظامها إلى عمق اخترق عدة مفاهيم كنا نسلم بها كحقائق علمية مطلقة. ومازال هذا المقرر يدرس في الابتدائي وفق المدرسة اللغوية التقليدية! مما يبقي المتعلم محصورا في القضايا والإشكالات التي تعاطاها قدماء اللغة وأجداده وآباؤه. وهنا أتذكر أحد أساتذتنا الكرام للغة العربية في مركز تكوين المفتشين بالرباط كان متقوقعا في المدرسة التقليدية إلى النخاع الشوكي، وإن كنت أعتبره من فطاحلها العظام. فهو بحر فيها مرجع لا يضاهيه مرجع آخر، إلا أني كنت آخذ عنه أنه ينفر كثيرا من المدارس الحديثة في اللغة بحكم تكوينه ولا يقاربها إلا على مضض، ويتحاشى الخوض فيها!؟

وهذا يضر بسيرورة التعليم، التي تعبر الزمن في تقسيماته الثلاث: الماضي والحاضر والمستقبل. فكذلك الكتب المدرسية المقررة أجدها في مجاله نسخا طبق الأصل في مقاربتها للتراكيب والصرف والتحويل والإملاء ضمن حدود المدرسة التقليدية. وهو ما ينتج معرفة أحادية المدرسة والاتجاه في بناء اللغة! وربما يرد بعضهم بالقول: أن متعلم المدرسة الابتدائية ما زال صغيرا وما زالت ملكته الفكرية وقواه العقلية وشخصيته لم تنضج بعد، لنقدم له اللغة ضمن المدارس الحديثة. ولكن يمكن الرجوع إلى علم النفس النمو وعلم النفس المعرفي لنقدم له معرفة متطورة ضمن هذه المدارس ويستطيع أن يتمكن منها. خاصة أن الديداكتيكا العامة والخاصة تطورت بما يسمح تقديم تعقيدات معرفية ومهارية وفكرية وأدائية بأسلوب بسيط وسهل. وما على مكونات المنظومة التربوية والتكوينية إلا الأخذ من النظريات التربوية والاجتماعية والعلمية ومن خبرتهم ما يسهل أداءهم في الميدان. وهنا لابد للمبرمج التربوي أن يعي بخطورة بعض قراراته، من حيث عائدها السلبي على المنظومة. وهو عائد لا يمكن تجاوزه وإصلاحه بين عشية وضحاها. لذا يجب أن يتريث قبل اتخاذ القرارات، ليتيح لنفسه مساحة زمنية تمكنه من دراسة قراره من كل جوانبه بعدما يكون حصل من الوقائع والمعرفة بالموضوع وبمعطياته الجلية والخفية وبقضاياه ومشاكله وإشكالاته الشيء الكثير. الذي يمكنه من اتخاذ قرارات صائبة وناجعة وفعالة.
فالبعد الموضوعي يشكل قطب الرحى في البرامج والمناهج والمقررات التعليمية، لأنه الحاضن للخط الزمني لتطور الموضوعات المقررة وتعميقها.

فمثلا مقررات السنة الرابعة والخامسة والسادسة في التراكيب على سبيل المثال تغرق المتعلم في الملل التعلمي، لأنه يتعاطى معها في مستوى واحد من المعرفة ضمن ثلاث درجات زمنية محددة، من المفروض أن تنقله من الموضوع في بدايته البسيطة إلى نفس الموضوع وهو في توسعاته بل وتطوراته البنيوية والوظيفية من خلال النقل الديداكتيكي. وبذلك يلمس المتعلم تطور الموضوع عن كثب. وسأقدم مثالا، من حيث يقدم الكتاب المدرسي أقسام الكلمة على أساس دلالتها على حاملها، أهو حدث أم شيء أم لا هما معا. وليس من ناحية بنيتها الداخلية ومكوناتها الذاتية كالزمن في الفعل وعدمه في الاسم وهكذا. فالمتعلم، وفي جميع مستويات التعليم الابتدائي لا ينطلق في تصنيف الكلمة إلا من خلال هذا المعطى، بما يحصر تفكيره في بعد واحد من معايير التقسيم. لذا كثيرا ما يرتبك المتعلم في تصنيف بعض الكلمات التي يلامس تصويتها الفعل وهي أسماء. كما أنه ينصرف إلى توظيف منهج واحد في مقاربة تعلماته، بل وتقويماته. كما يسلك مسالك فكرية ومناهج محددة في التفكير، بها يقارب عالمه الداخلي والخارجي. فإذا ما اعترضته مشاكل لم تنطبق إحدى المسلكيات الفكرية عليها يبقى عاجزا عن مقاربتها. وهنا الخطورة في تنميط تفكير المتعلم. ويصبح المتعلم لا يقارب الإشكاليات إلا إذا كان شهدها وقاربها سابقا. ويظل حائرا أمام التي لا يعرفها أي الجديدة.
ومنه نجد أن على المناهج والبرامج والمقررات الجديدة على تفصيلاتها الموضوعية في الكتب المدرسية وتوابعها من كتيبات مرجعية رسمية صادرة عن الوزارة أن تلامس القضايا الراهنة بأكثر من منهج ومسلك فكري، لتنويع أنماط التفكير عند المتعلم. فكلما تنوعت وكثرت أنماط التفكير كلما اتسعت الباحات الدماغية التي يوظفها المتعلم، وهي التي تسمح بغنى الإنتاج المعرفي والمهاري والأدائي. وكلما ضاقت دائرة المنهج كلما ضاقت باحات التفكير وتنمطت في أنماط معينة يصعب عليها الخروج منها بل وتحجرت فيها حد تكلس المستحثات الحفرية.

لذا أجد في سياقه أن موضوع القطار ـ وهو الموضوع المستهدف في هذه الورقة يقع في الصفحة 100 من كتاب المتعلم للمستوى الرابع ابتدائي موسوم بالجدة ـ موضوعا مستهلكا أولا، ثم بالصيغة التي ورد بها ملتبسا بناء على التطور الحاصل فيه.
فالكتاب المدرسي الجديد الذي ورد فيه هذا النص الشعري نبش عليه بين ثنايا زمن غابر، يرجع إلى الستينيات من القرن الماضي، حيث كان مقررا في أحد كتب القراءة! ليلبس على المتعلم معلوماته عن القطار في ألفية المعرفة؛ الألفية الثالثة. فهذا النص الشعري من الناحية اللغوية خاصة الشعرية لا أستطيع أن أعلق عليه، لأني أصغر حجما أمام شاعرنا الكبير معروف الرصافي رحمه الله أن أبدي فيه رأيا، فهو من الطبقة الأولى من شعراء زمانه. ولو كان حيا لنظم قصيدة أخرى في القطار تصف التطورات الحاصلة فيه. لكن سأبدي ملاحظة تتعلق بالمضمون الذي يصف القطار في فترة حياة الشاعر، وهو ـ طبعا ـ وصف بالغ الإبداع والدلالة من الناحية اللغوية والموضوعية وفق وقته، الشيء الذي يضفي عليه جمالية شعرية وموسيقية تشد القارئ إليه. فيما لو عرضناه الآن على الألفية الثالثة لوجدنا اختلافا كبيرا بين قطار معروف الرصافي وقطار القرن الواحد والعشرين. اللهم إذا وجدناه في أدغال بعض البلدان الإفريقية أو الدول المتخلفة أو في المتاحف أو في بعض الرحلات السياحية الرومانسية في بلاد الغرب.

فالنص من ناحية تفصيل الموضوع، فيه من المعلومات المتقادمة ما يدفع بالأستاذ إلى استدراكها والتعليق عليها في يقظة نقدية تفحص كل جرعة تعليمية تحقن في الجسد التعليمي. حتى يبين للمتعلم أن تغييرا وتطورا تقنيا وفنيا وجماليا دخل على قطار معروف الرصافي. فلم يعد ذلك القطار الذي يملأ الفضاء بدخانه وضجيجه وعويله، ومازال ذلك القطار الذي يقطع المسافات البعيدة ولكن بسرعة أكبر وزمن أقل. ولم يعد ذلك القطار الذي يجلب الريح من كل مكان، فتجلس فيه وكأنك في زوبعة هوائية أو عاصفة من الرياح الشديدة، بل أصبح ذلك القطار المريح الذي يمتعك بالموسيقى، ويحفظك من الريح، ويكيف لك الهواء داخله ـ وطبعا أنا لا أتحدث هنا عن القطار المغربي، وإلا فإن الفارق بينهما هو فارق تقني وتكنولوجي فقط، أما ملابسات السفر فقد لا تجد فيها فرقا يذكر! ـ أغلبه يتحرك بالطاقة الكهربائية، وقليله يتحرك في العالم الثالث بالوقود. لم تعد تشاهد الدخان الداكن، ولا تسمع هديرا عجلاته الحديدية يصم الآذان. فيه الدرجات المختلفة وغرف النوم الوتيرة … فإذا ما قارنت قطار معروف الرصافي وهو من أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20 بقطار أواخر القرن 20 وبدايات القرن 21، تجد فرقا كبيرا يعبر عن تطور العلم والتقانة والتكنولوجيا وتوابعها من معرفة ومنجزات … وهو ما أثنى عليه شاعرنا الكبير في نفس القصيدة بقوله:

هو العلم بالحياة سعيدة ××××××× ويجعلها كالعلم محمودة ا

لعقبى
لذا قلت بأن النص في إطار الوحدة الوارد فيها ومجاله لا يعبر حقيقة عن معيش المتعلم وعن الحاضر. فالمتعلم في العالم الحضري والذي يقترب من القطار، سيطرح على نفسه عدة أسئلة منها في الحد الأدنى: أي قطار يتحدث عنه النص؟ أين يوجد هذا القطار؟ أما متعلم العالم القروي، فسيعتقد بأن تلك الحقائق التي أوردها النص مازالت قائمة في عالمنا المعاصر! وهنا يكمن الخطر الموضوعي. فحين تطلب مثلا منه أن يصف القطار، فلن يخرج عن وصف شاعرنا الكبير معروف الرصافي! وبالتالي يتقوقع في الزمن الماضي، ويغلق عليه الباب ويسكن، ثم يطبق شطر بيت شاعرنا رحمه الله:
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النّوّم
من هنا تكون الماضوية خطرا على التعليم إن لم نع بموقعها فيه، ونحاول أن نحركها نحو الحاضر والمستقبل، وعندما نحجزها في الكتاب المدرسي ونغلق باب إيراد مصادر خارجية وموازية في الموضوع، ونفرضه فرض  » الوزيعة  » على المؤسسات التعليمية وكأنه قرآن أنزل!؟ فالانسياق وراء الشعر أنسى الكتاب المدرسي فخ الماضوية وما تحمل من حدثية خارج سياق حاضر المتعلم والأستاذ معا. وأدخلنا في التاريخ والمتحفية.

وبذلك يحصر تفكير المتعلم قهرا في ماض لن يخرج منه إلا بتكسير جدرانه. وهو أمر لا يتساوق مع متطلبات التعليم الحديث. ذلك ( أن الاعتماد الكبير على الكتاب المدرسي ، وفرض محتواه على الطلاب بطرق تلقينية لا تعتمد على الحوار والمناقشة، وعدم تنويع مصادر المعرفة، كلها عوامل ساعدت على تقليل فرص تعلم طرق البحث العلمي، ومنهج التفكير العلمي. إن البحث العلمي ينمو ويقوى في ظل الحرية، ويضعف ويضمر في مناخ الكبت، ومفهومه يفترض أن المعرفة تأتي من مصادر عدة وأنها مفتوحة النهاية بل ومجهولة النهاية أيضا، ولكن الاعتماد المتطرف على الكتاب المدرسي يوحي بأن كل ما يحتاج إليه المتعلم من المعرفة قد سجل في كتاب واحد، وأنه لا يتغير، وأنه صحيح، ونهائي. وفي الوقت نفسه فإن الطلاب والمعلمين لا يمارسون عملية البحث ] في مصادر أخرى مراجع خارجية في نفس الموضوع للتوسع أو للإغناء أو للنقد أو للتصحيح أو للاستدراك [ ، ولا تنمو لديهم صفات الفضول العلمي، ومهارات الإجابة عن أسئلة جديدة لم تتعرض لها الكتب المدرسية، لأن معظم ما في المدرسة من كتاب، ومعلم، وامتحانات، ومناهج، وطرائق، لايزال ينتسب إلى مرحلة اجترار المعرفة، وخزنها، وتغليب الألفاظ على الأشياء، وتفضيل النظر على العمل، وتقديم الجدل العقلي على البحث المنهجي، وإيثار التقليد على التجديد ) .

وهو ما يقع في مدرستنا الابتدائية بالفعل وبالحرف والصفة.
فالنص إذن يحكي عن مرحلة تاريخية للقطار، تشد المتعلم إلى الماضي دون أن يقارع الحاضر أو يستشرف المستقبل، ويبقى ساكنا فيه إذا لم يتدخل الأستاذ في تعديل مقاربة النص، وتفعيل أسلوبه الخاص في سد ثغرات هذا النص. ومنها على سبيل المثال، ما وقع في رموزية المدخل إلى النص  » الصورة « ، حيث الكتاب المدرسي الذي يوجد فيه هذا النص، يقدم النص مصحوبا بصورتين للقطار، قطار معروف الرصافي والقطار الحالي، دون أن يربط بينهما برابط فني يرمز إلى التطور الحاصل في قطار معروف الرصافي. مما جعل رمزية الصورتين ناقصة الدلالة، وبينهما قطيعة إبستيمية. وهنا يجب على الأستاذ أن يستدرك الأمر ببعض الأسئلة من قبيل:
ـ عما تعبر الصورة أسفل الصفحة؟
ـ هل هناك رابط بين الصورتين؟ وما مضمونه؟
ـ هل حصل تطور في القطار؟ ما الصورة التي تعبر عنه؟
ـ الصورة أسفل الصفحة تعبر عن القطار الحالي والصورة أعلاها تعبر عن القطار القديم، ابحث عن بعض التغيرات الحاصلة في القطار من خلال الصورتين.

ـ …
فالماضوية مازالت تستوطن تعليمنا دون أن نبحث فيها بجدية، حيث عدنا إلى ما كان مقررا سابقا من موضوعات في الكتب المدرسية، وكأن الجديد المتين والراقي والجميل مفقود في عالم الإبداع! فنحن نبحث عن القديم بالقنديل والشمعة كما يقال في سياق عاميتنا المغربية. ذلك أن العودة في  » دليل المدرس في الأناشيد  » الصادر عن الوزارة في غشت 2009 الخاص بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي في ظل البرنامج الاستعجالي ومدرسة النجاح وكل الأدبيات المستجدة في قطاع التعليم، إلى نشيد الحلزون القائل:

دب الحلزون ××× فوق حجارة

من أين أتى ××× يحمل داره

في قبتها ××× لذ قراره

يبين أننا مازلنا نعيش ماضي المدرسة المغربية. ونشيدنا هذا من مخلفات مقررات البرنامج السابق في ثمانينيات القرن الماضي الذي اعتقدنا أن الوزارة تخلت عنه. لكن مع الأسف تمت العودة إليه! وهولا ينسجم مع متعلم السنة الأولى ابتدائي بكل المعايير السيكولوجية والتربوية والعلمية والاجتماعية والثقافية والجمالية والفنية. فهذا النشيد ينسجم مع الرضيع في سنوات حبوه. أما متعلم القرن الواحد والعشرين ومتعلم ألفية المعرفة الذي سبر الحاسوب والألعاب الإلكترونية والعالم الافتراضي وقصص الخيال فلن يهتم بنشيد الحلزون ولن يعيره تفكيره. وهنا أطرح سؤالا بسيطا جدا، وهو: ما الإضافة النوعية الفكرية والمعرفية والقيمية والجمالية والعملية والمنهجية التي أضافها أو يضيفها هذا النشيد لمتعلم السنة الأولى ابتدائي؟ ربما نشيدنا هنا هو هدف لحد ذاته ترفيها للمتعلم من عناء حصص تعليمية ثقيلة عليه! فنحن في تجديدنا لمدرستنا نخرج من الماضي لنعود إليه ثانية، فربما خرجنا من الباب لنعود من النافذة. فمن منا لا يتذكر نشيد العجينة الذي جاء به هذا الدليل؟ فأي جديد جاءت به مدرسة النجاح عمليا؟

وأعتقد أننا مازلنا في حاجة ماسة لدراسة الماضوية في تعليمنا وكشف عائدها على ناتج التعليم عبر بحوث ميدانية. فمدرسة النجاح تحتاج إلى شروط النجاح وأساسياته الرئيسة من برامج ناجحة، وبنية تحية ناجحة، وكتب مدرسية ناجحة، ودلائل بيداغوجية ناجحة، وتأهيل وتكوين أساس ومستمر وذاتي ناجح، ونظام تعليمي ناجح، وموارد بشرية ناجحة، ومسؤولية ناجحة، وظروف ناجحة … أما الشعار ونقيضه في نفس الوقت! فلن ينجح الشعار ولا نقيضه، وبالتالي منذ الانطلاقة يمكن استشراف النتائج والمستقبل.
ومن هنا، ألتمس وبكل إلحاح وضمن كل احترامي وتقديري للمجهودات المبذولة في الميدان، مراجعة تخطيطنا للفعل التعليمي النظري، ومراجعة تطبيقاته الميدانية، حتى يستقيم تعليمنا بكل مكوناته مع مدرسة النجاح ويتناغم مع الغايات المستهدفة لتحرير مدرستنا من التناقضات الكبيرة والعميقة التي تعيشها، وتأهيله فعليا لأن يكون تعليم ينطبق مضمونا وعمليا وواقعيا مع مصطلحي مدرسة النجاح وجيل مدرسة النجاح.
ومن خلال هذه الأمثلة ورديفاتها كثر، استغنت الورقة عن ذكرها. يتبين أن وقع الماضي ثقيل على مدرستنا، ومازال يحاصرها في تقليدية، لن ترفعها عنها الشعارات ولا مستحضرات التجميل، بل سيرفعها مخرج ناجح في حياته الخاصة والعامة، ومجتمع متطور متقدم.

2 ـ البعد المنهجي في البرامج التعليمية:
لقد سبق لي ونبهت في عدة كتابات إلى البعد المنهجي في البرامج التعليمية وموقعه من ناحية مقاربة المجالات المعرفية التي تتطرق إليها هذه البرامج. وكيف تتجمد المنهجيات أو الطرق البيداغوجية في نمط معين من الخطوات والمقاربات! وضربت أمثلة منها على سبيل المثال: تدريس التراكيب والصرف والتحويل والإملاء باعتمادها الاستقراء بتتبع جزئيات الموضوعات للخلوص إلى حكم عام. أي ننطلق من الأمثلة إلى القاعدة. والمنهجية المتبعة في الكتاب القديم والكتب الجديدة تذهب إلى استخلاص جمل الظواهر التركيبية والصرفية والإملائية من النص لدراستها وبناء القاعدة في ضوئها. ولا نجد كتابا مدرسيا شذ عن الاستقراء إلى الاستنباط بالانتقال من القاعدة كمقدمة معلومة تشتمل على حكم معين هو النظرية أو المبرهنة لتطبيقها بقواعد الاستدلال المنطقي على جزئيات تفصيلية مجهولة. وبالتالي؛ يتحجر منهج المتعلم في الاستقراء، ولا يعرف الطرق البيداغوجية كمنهج للمقاربة أو مسالك للتفكير والمعالجة. ويكفي فيما ذهبت إليه من قول المقارنة بين الكتب المدرسية على مستويين:

ـ المستوى التزامني، من خلال المقارنة بين الكتب المدرسية المقررة في اللغة العربية في المدرسة الابتدائية، حيث تجد نفس النهج والطريقة في جميع الدروس المقررة، وعلى طول الكتاب المدرسي الواحد، وعلى طولها الكتاب المدرسي المتعدد الجديد.
ـ المستوى التعاقبي، من خلال المقارنة بين الكتاب المدرسي الوحيد القديم والكتب المدرسية الجديدة. حيث كلها تنطلق من النص إلى الجمل ومناقشتها، ثم استخلاص القاعدة فالتطبيقات والتمارين. وهي طريقة مستنسخة من كتاب مدرسي إلى آخر عبر تعاقبية زمنية مدرسية تنقل من القديم إلى الجديد!
ومنه، لا يمكن أن تدعي بل وتجزم أن الكتب المدرسية بالتعليم الابتدائي ضمن تعدد الكتاب المدرسي في مستوى المنهج أتت بالجديد المطلق. ولا يمكن المجازفة بالمصداقية العلمية لكل باحث يحترم أصول البحث ونتائجه أن يزعم ذلك. وبالتالي نلمس وعن قرب تعشش الماضوية في مناهجنا التربوية والتدريسية في مفاصل وتفصيلات معينة، في اعتقاد منا أننا في الجديد! وهو وهم حقيقي، نكتشفه عندما نفعل آليات البحث العلمي في الميدان ونستقي الأمثلة للتذكير. وبالتالي؛ فالماضوية في الطرق البيداغوجية تغلق باب الاجتهاد التربوي كما أغلق من قبل باب الاجتهاد عامة في أمة الاجتهاد في جميع شؤونها، فجاءت النتائج عكسية، حيث ( إن إغلاق باب الاجتهاد، وتوقيف العقل المسلم، والحكم على الأمة بالعقم والسكتة العقلية، ومحاصرة خلود الشريعة وامتدادها باجتهاد بشري محدود القدرة والرؤية، ومحكوم بعوامل الزمان والمكان، وكانت وراء الإصابات العقلية والفكرية والثقافية جميعها التي يعانيها المسلم اليوم. فعملية تسكير الأبصار، وتوقيف الاعتبار  » المقايسة، المناظرة، والشورى، والحوار، وتعددية الرؤية، والإفادة من الماضي لتصويب الحاضر، واستشراف المستقبل « ، وإلغاء الامتداد بالتفكير والعطاء، جعلت الأمة عالة على غيرها. كما أشاع مناخا فكريا مضطربا تمثل في التقليد، والتعطيل، والإرهاب، واتهام كل من يحاول التدبر والتفكر والنظر والمقايسة ) .

وعليه وجب فتح باب الاجتهاد أمام هيئة التدريس خاصة لتفعيل مستخلصات تجربتها التربوية وإفادة قطاع التعليم المدرسي بها. وهي مستخلصات جد مهمة لها ما يدعمها من الأدبيات التربوية.
والماضوية في طرق التدريس سنقترب منها من خلال طريقة مقاربة نص القطار، الذي يطغى عليه هاجس المضمون الشعري  » الإيقاع، الوزن، الموسيقى …  » على المضمون الموضوعي وحقائقه. حيث جاء في كتاب المتعلم تعريف بالشاعر معروف الرصافي تحت عنوان  » الشاعر » ثم المعجم ثم معاني النص ، وانتهى التفصيل المنهجي بسلام هنا. وأما كتاب الأستاذ أو دليله، فقد أفادت مقاربة النص القرائي الشعري ما يلي:
( أما النص القرائي الشعري. فإنه نص في الغالب ينوب عن الحصة الموسيقية. ] وفي هذه الإنابة وجهة نظر[ ولذلك على المعلم أن يقدم النصوص القرائية الشعرية وفق إيقاعاتها المرتبطة بالوزان الشعرية. وطبيعي أنه إذا سلك هذا السلوك فإنه سيربي لدى التلاميذ حاسة موسيقية مرهفة تستطيع أن تتذوق الشعر والموسيقى وأن تميز في القصائد بين الصحيح والمكسور، حينما تسقط الأوزان، دون أن يكون للتلميذ معرفة بالأوزان والبحور والقواعد العروضية عموما. وزيادة على النصوص الشعرية المندرجة ضمن الوحدات الثماني للبرنامج السنوي، فقد أضيفت نصوص شعرية خارج الوحدات المذكورة، وتقدم على أساس نص واحد خلال كل من الأسابيع 8 ـ 16 ـ 24 ـ 32، ويرتبط كل من تلك النصوص ] في أصل الكتاب توجد كلمة: النص. وعلى ما يظهر من السياق يراد بها النصوص وليس النص، واستشفافا ثانية من كلمة: وهذه النصوص هي. [ بمجال إحدى الوحدتين السابقتين للأسبوع الذي يقدم فيه. وهذه النصوص هي: أحسن الناس ـ الذئب والحمل ـ الوحدة والكتاب ـ أحلى البيان.
ومن أهم القواعد المنهجية التي على المعلم اتباعها في تقديم النصوص الشعرية ما يلي:

•التأني في القراءة.

•وذلك عملا منه على تحسيس المتعلم بالوزن والتفعيلات التي يتكون منها البيت الشعري، وقد يتوقف المعلم توقفا خفيفا عند كل تفعيلة مما يجعله قابلا للتوقف في وسط الكلمة أو وسط إدغام فيعمل على فكه، أو أن يشبع ما لا يجوز إشباعه.

•اعتماد التنغيم.

•ويكون هذا التنغيم موحدا، للبحر الشعري الواحد حتى يرسخ لدى المتعلمين هذا البحر ويمكنهم منه. ربط التنغيم الحالي بتنغيم نصوص أخرى سابقة.
ويهدف ذلك إلى جعل المتعلمين يدركون بالسليقة الفرق بين البحور والأوزان الشعرية.

•ويتم ذلك من خلال تقطيع موسيقي منغم عبر وقفات تترجم التقطيع وهو عدد التفعيلات. وطبيعي أن ذلك

•يؤدي إلى جعل التلاميذ يتمرنون على القراءة الشعرية ) .
ويلاحظ أن الخطوات المنهجية لدرس القراءة الشعرية تغيب في هذا التوجيه المقارباتي. وبالتالي يعتمد الأستاذ ما جاء من خطوات في كتاب المتعلم مع الإضافة من عنده في بعض الأحيان، وهي الأخرى إضافات تعارف عليها رواة منظومة التربية والتكوين. كما يمكن ملاحظة طغيان البعد الشعري في هذه المقاربة على البعد الموضوعي والديداكتيكي بالتركيز على تلك القواعد المنهجية السابقة وكلها تهتم بالشعر لا بمضمون الشعر. مما أتت معه بعض الدروس تروج للشعر كشعر دون الالتفات لحوامل هذا الشعر وعوائدها على أداء المتعلم العملي. وهو ما يبرر النبش في ذاكرة تاريخ التعليم المغربي وجلب نصوص لا تسير مع العصر الحالي من نواح عدة. لكن ليس لدينا أي ملاحظة تجاهها كنصوص شعرية خلا بعضها. كما يمكن لنا هنا، أن ألفت النظر بأن الدرس القرائي في الكتاب المدرسي الوحيد السابق لم يحظ بجذاذة خاصة به، وهو ما صارت عليه الكتب الجديدة، بمعنى، حتى النظرة البيداغوجية إلى الدرس القرائي بقيت كما كانت عليه، وبالتالي لا يوجد تغير جوهري يذكر بخصوص هذه النظرة. وهي متوارثة في كل تجديد للبرامج ومترجماتها العملية من الكتب المدرسية ومنهجيات ومعينات وأدوات.
ومن خلال هذه المقاربة؛ لا نجد فيها ما نربط به بين الصورتين، ولا ما يفتح النص على آفاق البحث في التطورات الحاصلة في القطار! اللهم إذا تدخل الأستاذ في ذلك. وهو ما لا يقع إلا مع القراءة النقدية في إطار عدم قدسية الكتاب المدرسي وعدم امتلاكه للحقيقة أو وسمه بصفة ممثل الحقيقة، وضمن الحق في محاورة منتوجات الوزارة المبني أصلا على الحق في الاختلاف . وإلا فستبقى رموزية الدرس مبهمة ومشوشة عند المتعلم، والموضوع منغلق على الماضي، وآفاق البحث غير متوفرة. كما أن معاني النص مغلقة على ذاتها، وكان من الممكن الانطلاق من البيت الأخير في القصيدة للتساؤل حول إضافة العلم لهذا القطار من تطورات وتجديدات.

فالسؤال الأخير من معاني النص يمكن أن يفتح سؤال التطور على المتعلم، حيث يقول السؤال: من الذي مكن الإنسان من صنع القطار؟ وهو سؤال يحتاج إلى تصويب لغوي بما يخرج العلم من الذوات الحقيقية البشرية إلى ذوات الأشياء غير الناطقة التي تفيد ما؟! حيث يمكن الانطلاق منه للتساؤل: هل أضاف العلم شيئا متطورا للقطار؟ أو ما الإضافات النوعية التي أضافها العلم على صناعة القطار؟ وهكذا يمكن الربط بين الصورتين وفتح الموضوع على مستجداته. وتحسيس المتعلم بمدى التطورات التي دخلت على القطار الموصوف.
وفي سياقه، لابد من الإشارة إلى ملاحظة منهجية وهي تتعلق بالمعجم. ذلك أننا ننطلق في المعجم في السياق التعليمي من المعجم المدرسي إلى المعجم العام، أي ننطلق من السياق إلى خارج السياق بما يفيد إغناء وإثراء المعجم اللسني للمتعلم. ودليلنا على هذا الانطلاق هو قول معجم هذه القصيدة في كلمة  » متون  » ( مفرده متن، وهو الظهر، ويقصد به في هذه القصيدة ما ارتفع من الأرض ) . فهو انطلق من المعجم العام ليعود إلى المعجم المدرسي! في حين يمكن أن يقول:  » تدك متون الحزن : ما ارتفع من الأرض وغلظ؛ لأن السياق سيجمع كلمتي متون، والحَزْنِ وهو ما غلظ من الأرض ويكون مرتفعا. وبذلك يتحدد المعنى السياقي والذي يفيد أن القطار تسير في الجبال الوعرة والأرض العصبة الغليظة المرتفعة. أما حين يعزل كلمة  » متون  » من سياقها ويضعها في المعجم، فكل دلالاتها التي تحملها واردة، فلا يعرف المتعلم أيهما المقصود! لذا كان الانطلاق من السياق أوضح للدلالة مع إمكانية فتح المفردة على دلالاتها الأخرى في المعجم العام، وهو ما نلمسه مباشرة في كلمة « متون  » التي تفيد في أحد دلالاتها ما ارتفع من الأرض واستوى حين نقول:  » متن الأرض ». لهذا أتى الشاعر بالحزن ليستثني سهل الأرض، ويخصه بالشطر الثاني القائل:  » لتنهب سهل الأرض في سيرها نهبا  » وبذلك ترك معجم هذه القصيدة كلمة الحزن بدون تحديد لغوي مما سيلبس على المتعلم شطر البيت، وقد يظن المتعلم أن  » الحزن  » هو الحزن، وهو أحد معاني هذه الكلمة في مدخلها المعجمي.

لذا يمكن الانطلاق من السياق إلى خارجه، حيث يكمن القول مثلا: متون من متن ، وتعني:
ـ الضرب الشديد ومعاني أخرى
ـ استخرج البيض من الجسد بعروقه.
ويضرب للأول وكل ما جاء في تفصيلاته أمثلة وكذلك الثاني. وبذلك سيغتني معجم المتعلم اللسني، وسيفرق بين المعنى السياقي والمعنى العام للجذر المعجمي  » م ت ن « . وهذه الطريقة التي سلكها الكتاب المدرسي طريقة قديمة ومنسوخة؛ بمعنى أننا مازلنا نأخذ بالماضي في مقاربة شرح الكلمات. وهي طريقة تخرج من السياق حيثيات خاصة به، لا يجوز إسقاطها في الشرح كما قدمت في متون الحزن. حيث إيراد مفردة  » الحزن  » مقصود عند الشاعر لتسهيل بناء الشطر الثاني من البيت. كما أن معجم القصيدة لم يقارب جميع الألفاظ الصعبة في سياقها ضمن متن القصيدة مثل: صدر الأرض، ورخاء كالنسيم، ولتنهب سهل الأرض، وطوت بالمسير. أو على الأقل يفتحها على البحث من خلال واجب خارجي في المنزل.

ومن خلال البعد الموضوعي والمنهجي يتبين لنا بالملموس أن تعليمنا يعيش ماضوية متطرفة من حيث يدري أو لا يدري. وأنه لا يستفيد من الماضي لأجل حاضره ومستقبله. ويغيب عنها البعد النقدي كما يغيبه في التخطيط والبرمجة بل وفي بناء الفكر عند المتعلم، حيث ينعكس ذلك سلبا على أداء المتعلم الداخلي والخارجي. ويقوده إلى الاغتراب عن الذات والمجتمع!؟ ذلك أن التعليم ( له دور كبير في تردي أوضاع كثير من الطلاب ] والمتعلمين [ ، وتفشي حالة الاغتراب لديهم، وتزييف وعيهم، مما يؤثر بشكل سلبي في قيمهم، واتجاهاتهم، وتحديد اختياراتهم وقراراتهم بشأن قضاياهم، واحتياجاتهم، وطموحاتهم، أو قضايا مجتمعهم وحركته، واتجاهات التغيير فيه ) .

كما أنه يوطن تلك ( النظرة الثقافية ـ الحضارية السائدة في كثير من الأوساط الاجتماعية العربية للمستقبل ] التي تتراوح [ بين  » الاستغراق في الماضي « ، مرورا ب  » الاستسلام  » للواقع الحاضر، وانتهاء ب  » التسليم  » بما يمكن أن يأتي به الغد المجهول ) .

ـ للمقاربة استشراف مستقبل:
بما أن المستقبل هو نتاج الحاضر، والحاضر نتاج الماضي؛ فإن الوعي الجماعي بإشكاليات ومشاكل التعليم والإفصاح عنها بل وتحمل المسئولية تجاهها، كفيل ببناء منظومة تربوية وتكوينية متينة وفاعلة ومنفعلة ومنتجة، تتساوق مع متطلبات الألفية الثالثة بل استباقية في طرح قضايا الأفراد والمجتمعات على التداول العلني والصريح والشفاف. مما يؤسس لثقافة التغيير والتطور والتجدد وقيمها وشروطها وظروفها. وهو الأمر الذي يولد في الجميع الإيمان بالقضية التعليمية والانخراط فيها بكل مسئولية وجدية لأجل الرفع من جودة خدماتها ونتاجها.
والشعور بالمسئولية تجاه التعليم يولد الغيرة عليه، المفضية إلى تحسينه وتحبيره بالمستجد الفاعل في الحاضر والمستشرف للمستقبل، المنطلق من الماضي والهوية الإسلامية والوطنية المغربية، المتجلية في مرجعية راكمت الكثير من القيم والحقائق والأحداث. تشكل إن أحسنا استغلالها منطلقا لتغيير تعليمنا نحو مدرسة النجاح، وما تصبو إليه هذه المدرسة من غايات وأهداف. لكن بدون الوعي والصراحة والحرية والقيم الإيجابية لا يمكننا أن نبني لا مدرسة ولا متعلما.
ومن هنا تأمل هذه الورقة أن تعي الوزارة. خاصة؛ منها تلك المصالح التي تنظر للتعليم من بعيد وفي المكاتب المكيفة بمدى خطورة إغلاق برامجنا وكتبنا المدرسية وممارساتنا على الماضي. وبمدى خطورة مقولة:  » هكذا وجدنا الأمر يسير ». وتأمل أن تفتح هذه المصالح دفاترها على نتائج البحوث المغربية الأصيلة خاصة منها الميدانية. وأن لا تستورد لعلاج أمراض تعليمنا من هو خارج نسيج مجتمعنا، لأن الغائب عنه فيما يخص معرفة حيثيات المجتمع أكثر مما يعرف، حتى أصبحت بيداغوجية الإدماج في ظل هذا الاستيراد مسخا ممسوخا عن أصلها بدعوى الملائمة والتكييف! وأصبح التشويش على الواقع التعليمي مشكلة بنيوية فيه. والأمل معقود على الله أولا وعلى وعينا بخطورة الوضعية التعليمية ثانيا.
والأمل يفتح آفاقا لتعليمنا أن يتجدد من داخل نسيجه، ومن خلال كفاءاته وقوادره وأطره. ويظل قوله تعالى : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) قائما فينا، مادامت مشاكل وإشكالات التعليم قائمة. وبالله التوفيق.

عبد العزيز قريش

المراجع:
ـ د. يزيد عيسى السورطي، السلطوية في التربية العربية، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2009، عدد 362.

ـ روجيه سيغان، وضع المقررات الدراسية وتنفيذها، دليل منهجي، اليونسكو، قسم التعليم والبحوث، د.ت، د. ب.

ـ حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2004.
ـ وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي،مديرية المناهج والحياة المدرسية، دليل المدرس في الأناشيد؛ السنة الأولى من التعليم الابتدائي، غشت 2009.

ـ المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، لبنان، ط. 29.

المرفقات:

انظر الصور على حدة في رسالة ثانية.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *