Home»Islam»حديث الجمعة : (( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيّا وبرّا بوالديه ولم يكن جبّارا عصيّا ))

حديث الجمعة : (( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيّا وبرّا بوالديه ولم يكن جبّارا عصيّا ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيّا وبرّا بوالديه ولم يكن جبّارا عصيّا ))

محمد شركي

مر بنا في حديث الجمعة الفارطة ذكر صفات نبي الله زكريا وزوجه وابنه النبي يحيى عليهم السلام، وهي من الصفات التي أمر الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يتصف بها اقتداء برسله وأنبيائه صلواته وسلامه عليهم أجمعين وذلك بموجب  قوله تعالى في الآية الكريمة التسعين من سورة الأنعام (( أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده )) . واستكمالا للحديث السابق فإن منطلق هذا الحديث هو الآيات الكريمة من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة من سورة مريم التي يقول فيها الله عز وجل : (( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيّا وحنان من لدنا وزكاة وكان تقيّا وبرّا بوالده ولم يكن جبّارا عصيّا ))، وهي آيات تضمنت أحوال وصفات وصف بها الله تعالى نبيه الكريم يحيى عليه السلام ،وقد وجبت كلها لرسول الله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام بموجب أمر الله تعالى له بالاقتداء  بمن سبقه من المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين  وهو أتقى وأعبد مخلوق لله تعالى على الإطلاق بشهادته جل وعلا  في الرسالة الخاتمة التي خصها بها، وأمره بتبليغها للعالمين إلى يوم الدين .

أما الحال والصفة الأولى فتتمثل في أمر الله تعالى نبيه يحيى بأخذ الكتاب بقوة وهولا محالة التوراة التي جاء بها نبي الله موسى عليه السلام  لكون النبي يحيى لم ينزل عليه كتاب ، وكانت التوراة هي الوحي المتداول في زمانه حسب ما جاء في كتب التفسير. وأخذ الكتاب بقوة يدل على شدة الاهتمام به ، ذلك أن الآخذ بالشيء يكون بالضرورة التمكن منه ، والأخذ المقصود هوالتدبر والفهم والاستيعاب من أجل الاستقامة على ما في الكتاب من هدي الله تعالى . ومعلوم أن هذه الحال وهذه الصفة في نبي الله يحيى عليه السلام قد وجبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرورة بموجب الاقتداء  بمن سبقه من المرسلين كما أمره بذلك الله تعالى  . والكتاب الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذه بقوة هو القرآن الكريم المصدق لما في التوراة والإنجيل والمهيمن عليهما . ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالفعل أول فاهم ومستوعب ومتدبر له ،وذلك من أحواله وصفاته المنضوية تحت ما أشاد ونوه به الله تعالى من عظيم خلقه .

وأما  حال وصفة إتيان الله تعالى نبيه الكريم يحيى عليه السلام الحُكم  أو الحِكمة وهي مشتقة من الحُكم  أي المنع  الذي يحول  دون قوع صاحبه في الغلط ، ويكون ذلك بلزوم العلم والمعرفة واتقان الفعل بموجبهما . والحكمة هبة من الله تعالى  يؤتيها من يشاء من عباده من خلال خلقهم على طبيعة سلامة العقل وقدرته على الانقياد للحق والصواب والتمكن منهما ويكون ذلك بتوفيق من الله  سبحانه وتعالى ومنة و نعمة منه لا تضاهيها نعمة كما جاء في الآية الكريمة التاسعة والستين بعد المئتين من سورة البقرة التي يقول فيها الله عز وجل : (( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذّكّر إلا أولو الألباب )) . ولقد امتن الله تعالى على عباده المؤمنين ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  في الآية الكريمة الرابعة والستين بعد المائة من سورة آل عمران التي يقول فيها جل شأنه : (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ))، ومعلوم أن الحكمة المقصودة في هذه الآية الكريمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية التي تدل كلها على الحق . وتجدر الإشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هيأه ربه سبحانه وتعالى للحكمة منذ نشأته إذ  أوتي الاستقامة وسداد الرأي في صباه  وقد سماه قومه الأمين قبل أن يبعث رسولا ، كما هيأ لذلك نبيه يحيى عليه السلام وهو صبي  .

ومن الصفات التي أودعها الله تعالى في نبيه يحيى عليه السلام  أيضا الحنان وهو رقة القلب مع شدة الشفقة والعطف والرحمة ، وقد بلغ في ذلك شأوا كبيرا كالذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما  شهد بذلك الله تعالى في الآية الكريمة التاسعة والخمسين بعد المائة التي يقول فيها جل شأنه : (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك  فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر … )) ، وقد جسدت هذه الآية الكريمة الحنان الذي أودعه الله تعالى في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن الصفات التي آتاها الله تعالى نبيه يحيى عليه السلام  صفة زكاة  النفس وطهرها ، وقد أنعم بها الله تعالى أيضا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد بلغت زكاة نفسه درجة غير مسبوقة في الخلق كله، وهو الذي نوه وأثنى عليه ربه عز وجل بعظمة الخلق .

ومن الصفات التي أوتيها نبي الله يحيى  أيضا صفة التقوى وهي قمة الاستقامة على هدي الله تعالى والانصياع الكامل والتام لأوامره وهي صفة وجبت أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أتقى الخلق لله تعالى كما نوه به سبحانه وتعالى في الآية الكريمة السادسة والعشرين من سورة الفتح الذي يقول فيها جل شأنه : (( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما )) .

ومن صفات نبي الله يحيى عليه السلام  التي نوه بها الله تعالى بره بوالديه وقد بلغ في ذلك شأوا بعيدا بدليل التنويه الإلهي به . وهي صفة واجبة أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه  فقد والده وهو جنين، كما فقد أمه وهو ابن ست سنين  و كان بارا بجده  وبعمه اللذين كفلاه ، كما  أنه كان برا بأعمامه وعماته وبكل رحمه الذين أسلموا لله رب العالمين وتبرأ ممن لم يسلموا بأمر من الله تعالى .

ومما نوه به الله تعالى تنزيه نبيه يحيى عليه السلام عن التجبر والعصيان وقد عصم منهما كل المرسلين الذين بعثهم الله رحمة لمن بعثوا فيهم ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين إلى قيام الساعة .

وهكذا سجل القرآن الكريم التقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نبي الله يحيى في أحواله و صفاته التي نوه بها الله تعالى في الآية الكريمة موضوع حديث هذه الجمعة، وهي الأخذ بالوحي بقوة ، والحكمة ، والحنان، وزكاة النفس، وتقوى الله عز وجل ، والبر بالرحم ، والتنزه عن التجبر والعصيان ، وكل ذلك من خلقه العظيم الذي نوه به الله تعالى في الآية الكريمة الرابعة من سورة القلم التي قال فيها : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) وأنعم بها شهادة من رب العالمين .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بأحوال وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أمره الله تعالى أن يقتدي فيها بما كان عليه المرسلون من قبله  من صفات كي تكتمل عنده عظمة الخلق ، وثانيا تذكيرهم بأمر الله تعالى لهم كي يقتدوا ويتأسوا به وقد جعله إسوة لهم . ولهذا يلزمهم بموجب الاقتداء  والتأسي به أن يأخذوا الكتاب المنزل عليه بقوة ، وأن يلتزموا حكمته صلى الله عليه وسلم  الكامنة في سنته أقولا وأفعالا وتقريرات، وأن يغمر الحنان قلوبهم ،وأن يزكوا أنفسهم من كل ما يشينها ، وأن يحرصوا على تقوى الله تعالى في أقوالهم وأفعالهم ومعاملاتهم ،وأن يبروا آباءهم وأمهاتهم في حياتهم وبعد مماتهم وذلك بمواصلة البر بمن لهم صلة رحم بهم ، وأن يتنكبوا التجبر والعصيان وهما سبب عقوق الوالدين ، وليس من قبيل الصدفة أن يرد ذكرهما بعد ذكر بر الوالدين في الآية الكريمة موضوع هذا الحديث وذلك للتحذير منهما تجنبا لعقوقهما .

ويجدر بالأمة المؤمنة في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به وهي مستهدفة شر استهداف  في دينها بشكل غير مسبوق من طرف أعدائه ومن طرف من يوالونهم من المحسوبين عليه وهو براء منهم ومن ولائهم لأعدائه أن تتمسك بكتاب ربها وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن تعض عليهما بالنواجذ طلبا للنجاة من غضب الله تعالى ومن نقمه وقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس .

اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر ، والعزيمة على اليقين ، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمك وحسن عبادتك ، ونسألك قلوبا مستقيمة وألسنة صادقة ، ونسألك من الخير ما تعلمه ، ونعوذ بك من الشر ما تعلمه ، ونستغفرك لما تعلمه إنك أنت علام الغيوب .

اللهم انصر من نصر دينك واخذل من خذله . اللهم إنك أعلم بما يعانيه عبادك المؤمنون المستضعفون  في بيت المقدس وأكنافه، فعجل اللهم لهم بفرج قريب من عندك ، واهلك اللهم من ظلمهم وسلبهم أرضهم وديارهم وأخرجهم منها فإنه لا يعجزك الظالمون وأنت فوقهم قاهر ، ولك الأمر كله من قبل ومن بعد ، ولا حولا ولا قوة إلا بيدك .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *