اَلْمِينُورْسُو بِلَا « اسْتِفْتَاءٍ ».. وَاشِنْطُنُ تَضَعُ اللَّمَسَاتِ الْأَخِيرَةَ لِطَيِّ نِزَاعِ الصَّحْرَاءِ… كَيْفَ يَطْوِي تَغْيِيرُ مَهَامِّ الْبَعْثَةِ الْأُمَمِيَّةِ صَفْحَةَ الِانْفِصَالِ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ؟

عبدالقادر كتـــرة
يشهد مجلس الأمن الدولي خلال شهر أكتوبر 2026 منعطفاً مفصلياً في مسار التعاطي الأممي مع قضية الصحراء المغربية، يتجاوز في دلالاته حدود التمديد السنوي المعتاد لبعثة الأمم المتحدة (المينورسو).
فالمسودة التي طرحتها الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها « صاحبة القلم » في صياغة قرارات الملف، لم تعد تكتفي بتثبيت أولوية مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بل انتقلت إلى الخطوة العملية الأعمق: إخضاع مهام المينورسو وآليات عملها لمراجعة جوهرية تشمل إعادة النظر في الإشارة إلى مصطلح «الاستفتاء» الوارد في تفويضها منذ عام 1991.
هذا التحول لا يمثل مجرد تعديل إجرائي في لغة الدبلوماسية الدولية، بل يعلن رسمياً وفاة الأطروحة الانفصالية من داخل المؤسسة الأممية نفسها.
من مأزق «تحديد الهوية» إلى دفن خيار الاستفتاء
لفهم حجم الصدمة التي أحدثتها المسودة الأمريكية لدى قيادة جبهة البوليساريو وحاضنتها الجزائر، لا بد من العودة إلى الجذر التاريخي الذي قامت عليه بعثة المينورسو عام 1991.
فقد أُنشئت البعثة آنذاك بشقين: شق عسكري لمراقبة وقف إطلاق النار، وشق مدني كُلّف بالإعداد لاستفتاء حول تقرير المصير، وهو الخيار الذي كان المغرب أول من بادر بطرحه لإنهاء النزاع.
غير أن التجربة الميدانية سرعان ما كشفت استحالة تطبيق هذا الخيار؛ فبينما كان الإحصاء الإسباني لعام 1974 يحصر سكان الإقليم في نحو 72 ألف نسمة، تفاجأت لجان تحديد الهوية التابعة للمينورسو بتوافد أكثر من مليون ونصف المليون شخص يطالبون بالتسجيل في اللوائح الانتخابية.
كان السبب بديهياً لمن يعرف جغرافية الصحراء الكبرى وتداخل قبائلها؛ إذ إن الامتداد القبلي الصحراوي لا يعترف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، فتدفق المنتمون للقبائل الصحراوية من شمال مالي (أزواد)، ومن مدن ومناطق موريتانية كالزويرات وأطار وعين بن تيلي، ومن تندوف والعبادلة بالجزائر، فضلاً عن حواضر الجنوب المغربي في طانطان وآسا وواد نون.
أمام هذه الحقيقة الديموغرافية والتاريخية، رفعت الأمم المتحدة الراية البيضاء منذ عام 2007، وأقرت باستحالة حصر هيئة ناخبة توافقية، مغلقةً مكاتب تحديد الهوية بشكل نهائي.
ومنذ ذلك العام، الذي قدّم فيه المغرب مبادرة الحكم الذاتي، اختفت كلمة « الاستفتاء » تماماً من جميع قرارات مجلس الأمن، غير أن البوليساريو والجزائر ظلتا تتشبثان بحرف (R) في الاسم المختصر للبعثة (MINURSO) — الذي يرمز لكلمة (Referendum) — لتسويق وهمٍ قانوني مفاده أن خيار الانفصال لا يزال مطروحاً على طاولة الأمم المتحدة.
تغيير مهام المينورسو.. تصحيح المفارقة الأممية
جاء قرار مجلس الأمن التاريخي رقم 2797 في أكتوبر 2025 ليمهد الطريق أمام إنهاء هذا الازدواج بين « اسم البعثة: و »حقيقة وظيفتها »؛ إذ نص صراحةً على تكريس الحكم الذاتي المغربي أساساً للتفاوض، وطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مراجعة استراتيجية شاملة لمستقبل ولاية المينورسو.
وتأتي المسودة الأمريكية في أكتوبر 2026 لترجمة هذه المراجعة الاستراتيجية على أرض الواقع عبر ثلاثة مسارات متلازمة:
1- تجريد التفويض من مرجعية الاستفتاء: إنهاء المفارقة التي استمرت زهاء عقدين، بحيث تتطابق المهام القانونية للبعثة مع العقيدة السياسية لمجلس الأمن التي حسمت بأن تقرير المصير يُمارس عبر التفاوض السياسي لتنزيل الحكم الذاتي، لا عبر صناديق اقتراع مستحيلة التحقق.
2- حصر دور البعثة في الشق العسكري والمواكبة الانتقالية: تثبيت وظيفة المينورسو في مراقبة وقف إطلاق النار بالمنطقة العازلة ورصد الخروقات الميدانية، مع تكييف حضورها الميداني والمالي ليواكب مخرجات التسوية السياسية بدلاً من إبقائها بعثة مفتوحة الأمد تستنزف ميزانية الأمم المتحدة دون أفق.
3- ربط ولاية البعثة بالزخم التفاوضي الجديد: جعل تمديد المينورسو حتى أكتوبر 2027 أداةً لدعم المفاوضات المباشرة الجارية برعاية أمريكية وأممية، وليس غطاءً لإدامة الجمود.
من واشنطن ومدريد إلى « المجلس الانتقالي »
لم يعد النقاش الدولي اليوم يدور حول « لمن السيادة على الصحراء؟ »؛ فهذا السؤال حسمته الاعترافات المتتالية للقوى العظمى — وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وأغلبية دول الاتحاد الأوروبي وإفريقيا — فضلاً عن تأييد 152 دولة لقرار اللجنة الرابعة للأمم المتحدة في أكتوبر 2026.
لقد انتقل النقاش فعلياً، خلال جولات المحادثات الرباعية التي استضافتها واشنطن ومدريد مطلع وربيع عام 2026 بحضور المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، إلى البحث التقني في النسخة الموسعة من النظام الأساسي للحكم الذاتي التي قدمها المغرب. هذه الوثيقة المفصلة نقلت المبادرة من خطوطها العريضة إلى آليات التنزيل الدستوري والإداري: كيف ستُدار المحاكم المحلية؟ كيف ستعمل الشرطة المحلية؟ كيف ستُجبى الضرائب وتُستثمر الموارد لفائدة سكان الإقليم؟
وفي قلب هذا التصور يبرز مشروع « المجلس الانتقالي » الذي سيتولى تدبير مرحلة تنزيل الحكم الذاتي؛ وهو مجلس يعكس بطبيعته الثقل الديموغرافي والشرعية التمثيلية على الأرض، حيث يشكّل الصحراويون المغاربة المقيمون في الأقاليم الجنوبية وممثلوهم المنتخبون الأغلبية الساحقة فيه، إلى جانب تمثيل محدود للعائدين من مخيمات تندوف ممن ينحدرون فعلياً من الإقليم.
نهاية حلم الانفصال ومأزق الرهان على «الفيتو»
تضع هذه التطورات كلاً من جبهة البوليساريو والجزائر في أضيق زاوية دبلوماسية منذ خمسين عاماً.
فبالنسبة للبوليساريو، فإن إسقاط مرجعية الاستفتاء من ولاية المينورسو يعني سحب البساط القانوني الأخير الذي كانت تبرر به وجودها المسلح والسياسي أمام أتباعها في مخيمات تندوف؛ فلم يعد أمام قيادتها سوى الانخراط في الترتيبات الانتقالية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أو التحول إلى حركة معزولة خارج الشرعية الدولية.
أما الدبلوماسية الجزائرية، التي سقطت سرديتها القائلة بأنها «مجرد مراقب غير معني» بمجرد جلوسها إلى طاولة مفاوضات واشنطن ومدريد، فقد وجدت نفسها تراهن في ربع الساعة الأخير على احتمال تلويح روسيا أو الصين بحق النقض (الفيتو) لعرقلة الصياغة الأمريكية الحاسمة في مجلس الأمن. غير أن هذا الرهان يبدو بدوره هشاً؛ فموسكو وبكين دأبتا على التعامل مع الملف ببراغماتية تحفظ علاقاتهما الاستراتيجية والاقتصادية الوثيقة مع الرباط، مفضلتين الامتناع عن التصويت بدلاً من خوض صدام مجاني مع واشنطن وباريس ولندن من أجل إحياء خيار الاستفتاء الذي تدركان جيداً استحالة تطبيقه.
إن ما يُكتب اليوم في أروقة مجلس الأمن بنيويورك ليس مجرد قرار أممي جديد يُضاف إلى أرشيف المنظمة الدولية، بل هو إعلان عن طيّ صفحة نزاع مفتعل استنزف المنطقة المغاربية لنصف قرن، وتدشين لمرحلة جديدة تتحول فيها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، في ظل نظام الحكم الذاتي، إلى قطب للاستقرار والربط الاقتصادي بين ضفتي المتوسط والعمق الإفريقي والواجهة الأطلسية.




Aucun commentaire