Home»International»دلالات افتتاح البرلمان بآية « ليس البر »

دلالات افتتاح البرلمان بآية « ليس البر »

0
Shares
PinterestGoogle+

لم يكن افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة بالمغرب، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026م، مجرد لحظة دستورية تتكرر وفق إيقاع المؤسسات؛ بل جاء في ظروف استثنائية تحدث عنها الخطاب الملكي بكونها» فرصة استثنائية قد لا تتكرر« ، واللافت أن سبقت الخطاب الملكي تلاوة قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأولئك هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

إلى الداخل، تبدو الرسالة الأولى واضحة: السياسة لا تُقاس بالمظاهر وإنما بالفعل؛ فبداية الآية بـ«ليس البر» تنقل مركز الثقل من الشكل إلى الجوهر؛ وفي فضاء البرلمان، يمكن قراءة ذلك باعتباره تذكيرا بأن الانتخابات والخطب والبرامج والوعود، على أهميتها، لا تكتسب معناها إلا بقدر ما تتحول إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، وهذا المعنى يلتقي بصورة لافتة مع الخطاب الملكي نفسه حين جعل من «العمل الميداني» الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، ودعا إلى وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتحسين الخدمات، وتقليص الاختلالات المجالية، وتسريع نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات.

ثم تأتي في الآية الإشارة إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين، وكأن معيار نجاح الدولة لا يوجد فقط في المؤشرات الكبرى أو البنيات التحتية؛ بل أيضا في موقع الإنسان الهش داخل المشروع التنموي؛ ففي مغرب يطمح إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستعداد لاستحقاقات دولية كبرى، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن الذي تحدث عنه الخطاب الملكي بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

غير أن العبارة الأكثر كثافة سياسيا قد تكون: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، داخليا، يمكن أن تُقرأ كتذكير للنخب المنتخبة بأن الانتداب ليس امتيازا؛ بل تعاقد مع المواطن، وهو ما عبّر عنه جلالة الملك، حفظه الله، صراحة حين وصف الانتداب البرلماني بأنه «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي»، مما يجعل الوفاء بالبرامج وبالوعود وبالثقة الانتخابية جزءا من شرعية الممارسة السياسية؛ لا مجرد تفصيل أخلاقي.

أما إلى الخارج، فتكتسب فكرة الوفاء بالعهد بعدا آخر؛ فالخطاب أكد أن المغرب رسخ موقعه «كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل»، وفي حديثه عن العلاقة مع إسبانيا وملف الهجرة، شدد على أن الشراكة اختيار سيادي وليست مجالا للضغط أو الابتزاز، مع الدعوة إلى نموذج جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار الإقليمي. هكذا يمكن قراءة الآية، دون الادعاء بأنها تفسير رسمي لاختيارها، باعتبارها تؤسس لمنطق بسيط في العلاقات الدولية: المغرب يلتزم، لكنه يطالب في المقابل باحترام الالتزام؛ يتعاون، لكن من موقع السيادة والإرادة الحرة؛ وينفتح على شركائه، دون أن يتحول الانفتاح إلى تبعية.

وبين افتتاح الجلسة بآية «ليس البر» واختتام الخطاب الملكي بقوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، تتشكل دائرة رمزية كاملة: البداية تحدد معيار الصدق في العمل، والنهاية تحفز على الفعل النافع، وبينهما تقع مسؤولية البرلمان والحكومة في تحويل المعنى إلى سياسة، والوعد إلى إنجاز، والثقة إلى نتائج يلمسها المواطن وتحترمها الدول.

نورالدين زاوش

رئيس جمعية المعرفة أولا

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *