التاريخ لا يرحم


بونيف محمد جرادة
التاريخ لا يرحم .
1 تقديم
منذ سنوات وأنا أتردد في تناول موضوع يهم المناضل الكبير بنسعيد آيت يدر،
لما وصلني من معطيات كنت أتمنى أن تكون خاطئة. بالإضافة إلى رصيد هام من المناقشات مع بعض الأصدقاء. ولكن تتبعي لما تتناولته مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام بخصوصه ، وما تعج به من تعظيم مبالغ فيه لبعض زعماء وزعيمات الأحزاب من اليمين واليسار على السواء، جعلني أقاسمكم هذا النص وهو دعوة للرزانة والتعقل في التعامل مع الزعامات الحزبية، والانتباه إلى التاريخ وأحكامه وحكمه البليغة، والترشيد في استعمال العاطفة والتعصب للحزبية الضيقة
.
2 مواقع التواصل الاجتماعي وتمجيد الزعامات الحزبية.
لا حظت في الآونة الأخيرة تهافت أعداد كبيرة من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي على تمجيد زعماء الأحزاب مثل بنسعيد أيت يدر و الأستاذ أحمد بنجلون وغيرهم (……)، والإطراء عليهم والمبالغة في الثناء والتعظيم: ربما بسبب ما اعترى هذه الانتخابات من عيوب وما افتقرت إليه من شخصيات وازنة كالتي عرفها تاريخ الأحزاب أيام عزها وعنفوانها، بل أرفقوا قصاصاتهم الإشهارية للحملة الانتخابية ببعض صورهم . بالطبع هذا ليس جديدا على مجتمعنا وشبابنا وحتى شيبنا، لكن تختلف درجة هذه السلوكات وحدتها حسب التنظيمات الحزبية، منها المعتدل في ذلك والمقتصد فيه إلى درجة أن زعمائهم لا يقبلون المبالغة في ذلك، ويرفضونه كسلوك وممارسة خاصة في حضورهم .
لا زلت أذكر كيف أحاط بعض المناضلين بجرادة الأستاذ محمد جسوس وكان عضوا للمكتب السياسي……، وهم مصطفين على شكل حزام دائري مغلق: ، وكأنهم حراسه الخاصون، أو كأنه من طينة غير طينة البشر الذين حضروا المهرجان الخطابي الذي أطره بمناسبة إحدى الانتخابات التشريعية.
من بين الأعداد الكبيرة المعلقين والمعقبين على سيرة ومسار المجاهد أيت يدر بمواقع التواصل الاجتماعي، لم أجذ سوى اثنين ممن علقوا سلبا على تاريخه وبكلمات قليلة سطحية: قالت متدخلة ( لا تبيضوا سيرة هؤلاء فلن يقبلها العالم بصيغة الجمع ) فقلت لها باحترام ـ هل تستطيعين أن تفسري لي أكثر وشكرا ـ وردت علي قائلة ـ زلاتهم أكبر من حسناتهم ـ ولم تضف أكثر . بينما اقتصر التعليق الثاني على المنظمة وهي حزب بنسعيد وقال: عندما سحب وزير الداخلية ادريس البصري الموالين له من منظمة العمل الديمقراطي ، والذين أسسوا بعد ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي PSD بزعامة عيسى الورديغي، لم يبق مع آيت يدر سوى جمع قليل، وذلك بعد إعلان المنظمة عن مقاطعتها للتصويت على دستور 1996 . انتهى التعليق.
ومعنى هذا أن المخزن كان ضليعا في تأسيس المنظمة وكانت له فيها الأغلبية المطلقة وكان راضيا عليها، لكنه في النهاية قام بانقلاب داخلها وعليها.
بالطبع كانت منظمة العمل الديمقراطي من أكبر الأحزاب في بلادنا، وصحافته كانت مرموقة ومقروءة وتساهم بحظ وافر في إنتاج الوعي، وتعكس التناقضات الداخلية للحزب بكل ديموقراطية وشفافية، ويبدو للقارئ من خلالها أن الحزب كان يتمتع بالديمقراطية الداخلية، وخطه التحريري السياسي كان تقدميا، وعمر لمدة لا يستهان بها : لكن انطفأ فجأة بعد مقاطعته للاستفتاء على دستور 1996 وكأنه لم يكن، أو كأنه كان صفقة وفضت.
أما غالبية المداخلات الأخرى فكانت كثيرة الإطراء والتمجيد والتعظيم
.
3 الحقيقة والتاريخ الذي لا يرحم.
هنا لابد من القول أن التاريخ لا يرحم، ويجب أن يكون كذلك ، ويقول مثل آخر مغربي بدوي (الطبيب ما يكون حنين ) يعني أن المشرط يتطلب من الطبيب الجراح صلابة القلب، وقوة الشخصية رغم أن مهمته إنسانية، وكذلك المؤرخ عليه أن لا يخشى لومة لائم، ولا يكون من المتعصبين لرأي معين، حتى ينقل الحقيقة والحقيقة وحدها للأجيال.
في السابق أثارني أحد العناوين الغريبة على مجلة مغربية لم أكن من قرائها ولم أسمع بها، كانت معروضة للبيع في أحد الأكشاك بمدينة وجدة ضمن مجموعة من الكتب والمجلات والجرائد، لم تكن مثيرة في شكلها وحجم أوراقها، لكن اشتريتها فقط بسبب أحد العناوين الملفت، وهو بالحرف والتفاصيل ـــ محمود عرشان يكشف حقيقة يعتة وبنسعيد و ولعلو وآخرين ممن كانوا يتسللون إلى بيت البصري ليلا ـــ والنص الداخلي يتهمهم بالخروج حاملين حقيبة خاصة بها مبالغ مالية. المجلة تدعى ــ المغربية ــ صوت المهاجرـ العدد 223 والمؤرخة بـ يناير 2023 . حفظتها ضمن وثائقي مندهشا وأنا أقول معللا النفس، وملتمسا الأعذار لهذه الهامة الكبيرة: شتان بين عرشان وبنسعيد. وترددت كثيرا بين أن أنشر ولو سطرا عنها، وبين السكوت ومزيد من البحث ، ودام السكوت ثلاث سنوات تقريبا وأنا أستحضر من حين لآخر شخصية بن سعيد وسمعته الطيبة، وكاريزمته الطاغية علينا، والسحر الخاص الذي يتمتع به، وتاريخه الطويل العريض. إلى أن قرأت مقالا آخر لأحد أصدقائه وهو عبد الله رشد : صحافي، ومؤرخ ومثقف وكاتب، لا يشق له غبار، وعضو في تنظيمات دولية وعربية ، وهو بعنوان ــــ حزب يساري في قالب إداري ــــ يروي فيه كبوات بنسعيد ومنظمة العمل
الديمقراطي. ويروي عن مصدر ثاني غير عرشان، وهو محمد عبد الرزاق مسؤول نقابي تعرف عليه الكاتب منذ سنة 1959 عندما كان يعمل في جريدة الطليعة الناطقة باسم الاتحاد المغربي للشغل، وكان قريبا من دوائر القرار ومن وزير الداخلية ادريس البصري، والتقى به صدفة، ففاجأه بقوله ــ يا عبد الله صديقك بنسعيد أخذ الحقيبة ــ (أي أخذ مبلغا من المال من البصري) ، وفي نفس اليوم يروي الكاتب أنه التقى ببنسعيد لينشر مقالا في جريدة أنوال، وسأله عن ذلك فأجاب وهو متأثرا، وبدا ذلك على ملامح وجهه قائلا: إنها أموال الشعب، مما يعني أنه تلقاها فعلا…….هذه السقطات والكبوات، هي التي يرجح أن بنسعيد للتكفير عنها، أصبح يتخذ مواقفا جريئة مثل تصريحاته في البرلمان، وبعض تصرفاته داخل القصر والتي أغضبت الملك الحسن الثاني..
وذهب عبد الله بعيدا حيث يقول :أن نجاح بنسعيد لولايتين في البرلمان كان بمباركة من المخزن، لأنه كان يترشح في منطقة كانت فيها للشيوخ والمقدمين الكلمة الأولى والأخيرة.
أما عن علاقة المخزن بمنظمة العمل الديمقراطي، التي أفسح المجال لها إعلاميا ( جريدتي أنوال ثم المنظمة ) ونضاليا، فإنه كان ينتظر منها أن تمتص وتستقطب الشباب الذي كان يتوجه نحو تنظيم إلى الأمام المتطرف في نظره، أو نحو تنظيمات تتبنى الكفاح المسلح للفقيه البصري، ويظهر جليا أنها كانت صفقة غامضة ولا زالت كذلك لحد الآن كما قال الكاتب.
ويروي صديقه عبد الله أن بنسعيد كانت له رغم ذلك عزة نفس قوية وحرصا شديدا على كرامته.
السكينة لروحه رغم كل شيء

.




Aucun commentaire