حديث الجمعة : (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ))

حديث الجمعة : (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ))
محمد شركي
يتواصل حديثنا في هذه الجمعة إن شاء الله تعالى عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ذكرها في محكم التنزل ، ويتعلق الأمر بما جاء في الآية الكريمة الثامنة عشرة من سورة الجاثية التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون )) ، وسياقها هو ما سبقها من حديث عما أوتي بنو إسرائيل من كتاب وحُكْم ونبوة وبيّنات من الأمر ،وعن اختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. ولا بد من التذكير بأن الله تعالى قد جعل الكتاب الذي ختمت به الرسالات والمنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه كما أخبر الله تعالى بذلك في الآية الكريمة الثامنة والأربعين من سورة المائدة التي يقول فيها : (( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه )) ،وبمقتضى خاصيتي تصديق القرآن الكريم ما قبله من كتب منزلة من عند الله عز وجل وهيمنته عليها، لزم البشرية قاطبة إلى قيام الساعة اتباع ما جاء فيها خصوصا وأن بعض من أزلت عليهم الكتب السابقة زاغت بهم أهواؤهم عما جاء فيها ، فحرفوا كلمها عن مواضعه ، وبدلوا وافتروا على الله تعالى الكذب .
ولما جعل الله تعالى القرآن الكريم مصدقا ومهيمنا على ما جاء في التوراة والإنجيل كما نزلا وقبل تحريفهما، فأولى وأجدر وألزم أن يكون الأمر كذلك بعد ما لحقهما التحريف والتبديل بدافع اتبا الأهواء في التعامل معها. ولا بد من التذكير أيضا بأن هيمنة القرآن الكريم على التوراة والإنجيل إنما كانت بما فضلهما من تيسير وتخفيف فيما شرع الله تعالى فيهما مصدقا لقوله تعالى في الآية الكريمة السابعة والخمسين بعد المائة من سورة الأعراف :
(( الذين يتبعون الرسول النبيّ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )) ، ويترتب عن هذه الآية الكريمة أن من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولم يعزره ،ولم ينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه لا فلاح له في الدنيا والآخرة بل الخسران المبين ، لأنه حتما منحرف عن المعروف ، ومتنكب للطيبات ، متعاط للخبائث ،ورهين الإصر والأغلال التي وضعها الله تعالى عمن كانت عليهم وعمن لا زالوا مقيدين بها .
وإذا ما عدنا إلى الآية الكريمة موضوع هذا الحديث، نلاحظ أن الله تعالى يخاطب رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام بأنه قد جعله على شريعة أمره الذي هو دين الإسلام آمرا إياه باتبعها ، وهنا لا بد من التذكير أن كل أمر أو نهي وجهه الله تعالى إلى رسوله الكريم يتضمن بالضرورة إشارة إلى صفة وحال له لأنه أعبد خلق الله تعالى له في الأوامر، وهو معصوم و منزه عن إتيان ما أمر بتركه من النواهي ، وبمقتضى ذلك تجب له بالضرورة باعتبار هذه الآية الكريمة صفات المتبع حق الاتباع لشريعة الله تعالى ، كما وجب له بالضرورة التنزيه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وكذا التنزيه عن موالاتهم وهم ظالمون ، كما وجب له بالضرورة ولاء الله له ، وصفة تقوى الله حق تقاته.
وهكذا جمع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة هذه الصفات والأحوال التي تصب كلها في ما نوه به سبحانه وتعالى ، وأثنى به عليه من عظيم الخلق الذي تتفرع عنه كل شمائله وتنتهي كلها إليه .
مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بما تضمنته الآية الكريمة من صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حثهم على التأسي والاقتداء به فيها كل على قدر طاقته ووسعه، علما بأن ذلك ممن أمروا به في أكثر من موضع في كتاب الله تعالى. ومما تقتضيه حال المؤمنين اليوم في هذا الزمن الذي كثر فيه تكالب كثير من المتكالبين على دين الله تعالى من ملة الكفر والشرك والنفاق وهم يريدون النيل منه بالكيد الصراح لصرف المؤمنين عنه وزعزعة إيمانه بطرق وأساليب خبيثة وماكرة خفية وجلية .
ومما يقتضيه واجب تأسي واقتداء المؤمنين اليوم برسول الله صلى الله عليه وفق الآية الكريمة موضوع هذا الحديث هو اتباع الشريعة التي جعل الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عليها مع تنكب واجتناب أهواء الذين لا يعلمون من كفار ومشركين ومنافقين وقد اجتمعوا كلهم لصرف أهل الإيمان عن هذه الشريعة إلى شرائعهم الوضعية التي منطلقها الأهواء مستهدفين النواة الصلبة للمجتمع الإسلامي ألا وهي الأسرة الحاضنة للنشء المؤمن والساهرة على تنشئته وتربيته على قيم وأخلاق هذه الشريعة الغراء . ومن أساليب الاستهداف الترويج لما في المجتمعات الضالة من تفسخ وانحلال خلقي وتنكر قيم وأخلاق الإسلام عن طريق تزين الفواحش لأبناء الأسر المؤمنة وحملهم على التطبيع معها من قبيل ما بات يعرف بالعلاقات الجنسية المثلية والرضائية مع الوقوع في ما يترتب عنها من جرائم على رأسها جريمة الإجهاض التي صارمستفحلا ، وجريمة التخلي عن مواليد السفاح في حال نجاتهم من جريمة الإجهاض ليواجهوا في حياتهم البائسة الحرمان من أكناف الأسرة الحاضنة لهم ومن كرامة ككرامة مواليد النكاح الذي شرعه الله تعالى وجعلها أساس صون تلك النواة الصلبة للمجتمع المسلم، وفضلا عن هذا هناك تشجيع على حمل النساء على التبرج والسفوروالتسويق لهما بشتى الطرق والوسائل بما فيها أساليب الإشهار التجاري بحيث يسوقان مع كل ما يسوق من مأكولات ومشروبات ما حَلَ منها من طيبات وما حُرٍّم منها من خبائث … إلى غير ذلك ، و يحصل هذا تحت شعار الحداثة والمدنية والتحضر ومسايرة من نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتباعهم من المغضوب عليهم ومن الضالين الناكبين عن صراطه المستقيم كما نصت عليه الآية الكريمة موضوع هذا الحديث ، وغيرها من الآيات في مواضع شتى من الذكر الحكيم .
وإن دعاة الحداثة في بلاد الإسلام من بعض المحسوبين عليه أو لنقل المندسين بين أهله وما دعوتهم في حقيقة أمرها سوى نقض لدين الله عز وجل وشريعته وهم في ذلك يمررون عبر الدعوة إلى الأخذ بالتطور المادي والتكنولوجي ما في المجتمعات العلمانية من قيم ساقطة يريدونها بديلة عن قيمنا الإسلامية وهو تضليل مكشوف يستهدف تدين الناشئة المسلمة لحملها على الزيغ عن صراط ربها المستقيم . وإنه ليتعين على الأوصياء على الشأن الديني في سائر بلاد المسلمين في هذا الظرف الدقيق بالذات أن ينهضوا بواجب صيانة تدين الناشئة وتنبيهها إلى ما يحاك ضدها من مؤامرات خبيثة ومكشوفة وإلى ما يتهددها من خطر التضليل الممنهج والخطير الذي خرج من طور السر إلى طور العلن .
اللهم إنا نسألك لنا ولناشئتنا المسلمة الثبات على أمرك، والعزيمة على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك ، ونسألك شكر نعمك وحسن عبادتك ، ونسألك قلوبا سليمة ، وألسنة صادقة ، ونسألك من خيرما تعلم ، ونعوذ بك من شرما تعلم ، ونستغفرك لما تعلم ،إنك أنت علاّم الغيوب .
اللهم إنا عبادك المرابطين المجاهدين ببيت المقدس وأكنافه قد عز وقل ناصرهم ، واستضعفهم عدوك وعدوهم فأنصرهم اللهم عليه نصرا تعز به دينك ، وتصون به مقدسك ، وعجل لهم بذلك كما وعدت بذلك في محكم تنزيلك .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




Aucun commentaire