Home»International»البُعدُ الهويّاتي في رواية « عيشوا لأجل آلهتكم »

البُعدُ الهويّاتي في رواية « عيشوا لأجل آلهتكم »

0
Shares
PinterestGoogle+

إدريس الواغيش

وأنا أتصفّح رواية « عيشوا لأجل آلهتكم »، لست أدري لم استحضرت ديوان محمد السرغيني: « من فعل هذا بجَماجمكم؟ ». ربما تريد الكاتبة مُنية بالعافية أن تقول لنا على لسان الشاعر محمد السرغيني أن « الذين شرحوا تبدّدوا كالحبر والماء ». ولذلك، جاءت روايتها مليئة بالغرائبي والعجائبي، وتوليد الحكايات والمتاهات، بالموازاة مع بعض التناصّات والتجريد المُدهش في بعض الأحيان. أشارت الروائية منية بالعافية بداية في مستهل روايتها إلى أن الرواية « تستظل بوقائع قديمة، تسبح في عالم الخيال. تستلهم من الذاكرة الجماعية حكايات وأساطير، تبني عالما ربما كان، وربما يكون، وربما سيكون ». كل ذلك، في إشارة مُضمرة منها إلى أن فصولها مستوحاة من أحداث الماضي، وما يقع في الحاضر، وأن فصولها تبقى مفتوحة على آفاق المستقبل.

استمدت الروائية مُنية أحداث وفصول روايتها من أسماء الأساطير الأمازيغية، وبعض الخرافات المغربية في زمن مضى وانقضى. قد يكون الهدف من ذلك، هو البحث عن الهويّة الأمازيغية، وتخليد التراث الأمازيغي في مواجهة الطمس والتهميش. وربما كان استحضار الهوية الأمازيغية في الرواية من أجل مُساءلة مفاهيم عصرية أخرى جديدة، ونحن نعيش بعضها بشكل آخر مختلف في زمننا الحاضر، مثل: السلطة، العدالة، الجشع، هويّة الإنسان وكينونته، وفي المُنتهى مصيرَه المحتوم.

مكان الرواية الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات من نسيج خيال الكاتبة، ومضمونها يعود إلى الماضي، وإلى زمن القوافل القرطاجية، بيوت الإيغوديين في منطقة إغود، منطق السيوف والخناجر، أنزار إله المطر، وأسماء شخصيات مثل: سِيفاو، أسيل وغيرها. الرواية مُفعمة كذلك بأسماء لم تستأنس بها أذن القارئ المغربي، فيما سبق من روايات مغربية تاريخية. إذا استثنينا زعماء منطقة إيغود، وكهنتها وآلهتها وأبطالها إلخ. ماعدا ذلك، سنجد أنفسنا أمام أسماء من التراث الأمازيغي: تانيت، ماسّين، سِيفاو وغيرها من الأسماء. وهي من أهم الأبطال في الرواية، وهي التي ستستمر معنا حتى النهاية، لأنها تشكل عمودها ومفاصلها ومحورها الأساسي.

الرواية تتميّز كذلك بالشيء، وتشي بنقيضه، مثل: الفرح والحزن، المال والسلطة، الكرم والبخل، الكره والحب، الزواج والطلاق، الشجاعة والخوف إلخ. رواية منية بالعافية لم تخرج في عموميتها عما هو طبيعي ومألوف، رغم ظاهرها المَيّال إلى الخيالي والأسطوري والخرافي. وإن كان هناك إسقاط واضح فيها للماضي على الحاضر، هناك شخصيات تعيش الحاضر وعينها على المستقبل، وهو ما يخرجها جزئيًّا من خرافتها وخيالها. ورغم ذلك، تبقى أحداث الرواية في مُجملها من الخيال والأسطورة، ولكن القارئ كثيرا ما سيجد نفسه أمام حالات نعيشها في الحاضر، وحضور كلمات معاصرة في وقتنا الحالي، وهو ما يبعد الرواية أحيانًا، ولو بشكل جزئي في بعض الفصول، عن طابعها الأسطوري والخرافي الذي تتسم به، ويعطيها أبعادًا مختلفة عمّا أرادت الكاتبة الاشتغال عليها. وهذا ما يجعل من فصول رواية « عيشوا لآلهتكم » تختال في العموم بين العمق الذي يخلخل العقل، ويدخله في متاهات فكرية، وسطحية بعض الأحداث، التي قد نجدها أحيانا في كثير من الروايات التي تملأ رفوف المكتبات المغربية.

 تنتقل بنا منية بالعافية ساردة من إيغود إلى قرطاجة، ومن الشيوخ والقبائل إلى زمن التماثيل والآلهة، ومن أجواء المعابد إلى دق طبول الحرب وترديد أناشيدها. وفي الأخير، يجد قارئ الرواية نفسه مُتعبًا أمام تعدّد الانتقال والتّنقل من وضع إلى آخر، وهو يتتبع أثر أحداث الرواية ويجري وراء شخصياتها. ولذلك، يتطلب قراءتها تمليًا وصبرًا وتمهّلا، وقدرة على التفصيل والتأويل، وتتبع تفاصيل تحركات ماسّين بطل الرواية، وزوجته سِيفاو الأمازيغية الموغلة في الأنوثة والجمال. وسيفاو شخصية نسائية محورية تقود مجريات أحداث القصة، وتتحمل أعباء الصراع الأساسي فيها إلى جانب ماسين بطل الرواية الأساسي.

تجدر الإشارة أخيرًا، إلى أن رواية « عيشوا لأجل آلهتكم » تتميّز بسردها السهل والبسيط، ولكنها بساطة عميقة الإدراك في نفس الوقت، تتطلب مهارة فكرية وتحليلية، حتى يتمكن قارئها من استخراج ما فيها من معاني عميقة، وسلوك ودلالات روائية خفيّة المقاصد في النصوص، وتجاوز المعنى الظاهري المباشر في الحكي. الرواية صدرت مؤخرًا عن « المركز الثقافي العربي » بالدار البيضاء في طبعة أولى أنيقة، وتقع في 247 صفحة من الحجم المتوسط.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *