وقفة تأمل في كنز ثمين يجب على كل مؤمن ومؤمنة كنزه

وقفة تأمل في كنز ثمين يجب على كل مؤمن ومؤمنة كنزه
محمد شركي
غالبا ما تذهب الأذهان عند سماع كلمة » كنز » إلى التفكير في شيء مادي نفيس نفاسة الذهب والورق… وغيرهما من نفيس المعادن ، ولا يخطر عليها أنه توجد نفائس لا مادية أو معنوية وعلى رأسها كلام الله عز وجل الذي هو الأنفس على الإطلاق ثم كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وليس وصفهما بالنفاسة من قبيل ما تعود الناس عليه من المبالغة في الإطراء على أمور معنوية أو لامادية لا وجود لما يبرره بل هما كذلك حقيقة وذلك باعتبار مصدرهما. وعند التأمل نجد أن نفاستهما معنوية أو لامادية لكنها تُكسِب النفاسة المادية أو تفضي إليها. أليس النهل منهما والعمل بهما هو ما يدخل الجنة حيث الكنوز المادية ؟
ولنا وقفة تأمل مع أحد تلك الكنوز اللامادية وهو حديث شريف رواه الصحابي الجليل شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه ، وهو ابن أخ الصحابي الجليل الشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه ، وقد وصف بالورع والتقوى والزهد والحِلم والعلم والحكمة ، وكان ناصحا للناس باتقاء فتن الشهوات الخفية والمهلكة .
ومما رواه لنا رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له : « » يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة ، فاكنز هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد ، وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما، و لسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ،إنك أنت علاّم الغيوب » « .
ووقفتنا التأملية في هذا الحديث الشريف الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست وقفة شرح كما يفعل شُرّاح الأحاديث النبوية، فذلك ما لا ندعيه ، ولا ندعي العلم به، بل هي مجرد وقفة تأملية أغرى بها تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كنز كلمات هذا الحديث عن اكتناز الذهب والفضة .
وأول التأمل هو هذه المفاضلة بين ما نفس وغلا فيما هو مادي وما هو لامادي مع تفضيل هذا الأخيرعن سابقه . ومعلوم أن الكنز والاكتناز إنما يكون بسبب مخافة الفقر والفاقة أو ما يسميه العوام » دواير الزمان » أي دوائره، وهي تغير أحواله ، والزمان له حالان أو دائرتان فهو إما يسر أو يسوء ، وقد يكون مما يسر به الغني ومما يسوء به الفقر، لهذا جبل الناس على حب الغنى وكراهة الفقر ، وهذا ما يحملهم على كنز أو اكتناز ما يدفع به الفقر الذي يشقون به ، ويجلب لهم الغنى الذي يسعدون به .وإذا كان هذا دأبهم وديدنهم مع ما هو مادي ، فإنهم غالبا ما يغفلون عما هو لا مادي مع أنه في الحقيقة أفضل وسيلة إلى ما هو مادي.
ومن التأمل في هذا الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلّم شداد بن أوس الكنز اللامادي وهو عبارة عن كلمات تتضمن دعاء يتوجه به العبد إلى ربه عز وجل حتى نبهه أولا إلى انشغال الناس باكتناز المادي ذهبا وفضة . ويجدر بكل مؤمن ومؤمنة إذا ما رأى الناس يكتنزونهما أن يذهب همه إلى كنز الكلمات التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عوض تحسر المتحسرين على الحرمان منهما إذا ما رأوهما في أيدي أو في ملك غيرهم ولسان حالهم ومقالهم حال ومقال من قالوا : (( قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم )) ، بينما كان لسان حال ومقال من عرفوا نفاسة الكنز اللامادي : (( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون )) .
ومن التأمل أيضا أن الحديث الشريف عبارة عن أسئلة تفيد الدعاء والاستعانة بالله تعالى مالك كل شيء والقادر على كل شيء وهو الذي لا يعجزه شيء .
أما الدعاء الأول في الحديث فهو طلب الثبات في الأمر ، أما الثبات فهو لغة الاستقرار والرسوخ ، وأما الأمر فهو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي يقول فيه : » من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » والأمر هنا هو الإسلام ،وبناء على هذا أن أول ما في هذا الحديث الكنز الثمين هو طلب الثبات على دين الإسلام ، وهو طلب يدل على الخوف من الزلل عنه . وما يؤكد طبيعة هذا الثبات هو ما جاء في قوله تعالى : (( قد نزّله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين )) ، أي ليثبتهم على الدين . ومن ثبته الله تعالى على هذا الأمر فقد حاز كنزا ثمينا وفاز فوزا عظيما .
أما الدعاء الثاني فهو طلب العزيمة على الرشد ، أما العزيمة فهي لغة الإرادة والقصد المؤكدين واللذين لا تردد فيهما، وأما الرشد فهو لغة الهداية والتوفيق والإصابة في القول والفعل . ومما يؤكد دلالة العزم قول الله تعالى : (( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ))، وقد جاء هذا القول في سياق الابتلاء في الأموال والأنفس وسماع الأذى الكثير من أهل الكتاب ومن المشركين ، وعليه فطلب العزيمة على الرشد هو طلب صدق الإرادة والتوفيق في القدرة على الهداية . ومن حاز هذا الكنز الثمين فقد فاز فوزا عظيما .
أما الدعاء الثالث فهو طلب موجبات رحمة الله تعالى وعزائم مغفرته ، أما الموجبات فهي لغة البواعث والدواعي والأسباب ، وأما المغفرة فيه لغة ستر القبائح وعدم فضحها والكشف عنها ،ويكون الستر ممن هو قادر على مقدور عليه، ولا يصح العكس . وتتجلى موجبات رحمة الله تعالى في ما يمن به سبحانه من أسباب على العباد لتحصيلهم إياها ،لأنها لا تحصل بغير مَنِّه ، كما أن عزائم المغفرة فهي الأخرى مما يَمُنّ به الله تعالى على العباد لتحصيل سترعيوبهم التي يخشون افتضاحها فيما بينهم. ومما يدل على نفاسة المغفرة قوله تعالى : (( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم )) ،فبقدر ما يعد الشيطان الناس فقرا ويأمرهم بالفحشاء ، فإن الله تعالى يعدهم الله ستر ما أوقعهم فيه الشيطان من قبائح تفضلا منه وتجاوزا عن معاقبتهم ومحاسبتهم وأكثر من ذلك يزيدهم فضلا وزيادة في الأجر والثواب والعطاء . ومن حاز هذين الكنزين الثمينين فقد فاز فوزا عظيم .
وأما الدعاء الرابع فهو طلب شكر نعمة الله عز وجل وحسن عبادته ، أما الشكر لغة فهو الثناء ، وهو ما يقابل الإحسان بقول أو فعل أو بشعور أو هو ذكر المحسن ذكرا جميلا يراد به التعبير عن الامنتان ، وأما النعمة لغة في الإحسان تفضلا ومنة وليس لغرض أو لعوض ، ولا يكون ذلك إلا من الله تعالى الغني عن الغرض والعوض من خلقه . وإذا كان شكر الخلق غالبا ما يكون باللسان أو يكون لعوض ، فإن شكر الخالق على نعمه إنما يكون قولا مقترنا بفعل ، ولا يصح من الخلق شكر نعم المنعم سبحانه إلا إذا استخدمت نعمه في طاعته ، وأقبح وأشنع الذنب أن يستعان بنعمه سبحانه وتعالى على معصيته، لأن ذلك جحود ، والجحود هو معرفة النعمة ومنعمها ثم إنكارهما .ولقد اقترن طلب شكر النعمة في هذا الحديث بطلب حسن العبادة لوشيجة بينهما، ذلك أن من حسنت عبادته وهي طاعة الله تعالى فيما أمر ونهى يكون بالضرورة شاكرا نعمه ومقرا له بها . ولا يحسن العباد عبادة ربهم وإنا ظنوا ذلك أو ادعوه إلا بعون منه ، لهذا لا بد من طلب إحسان العبادة منه . ومن حاز هذين الكنزين العظيمين فقد فاز فوزا عظيما.
وأما الدعاء الخامس فهو طلب سلامة القلب وصدق اللسان ، أما السلامة لغة فهي الخلو من العيب أوالعلة أوالنقص ، وأما الصدق فهو لغة نقيض الكذب أو هو الحق نقيض الباطل . ومما يؤكد دلالة طلب سلامة القلب قول الله تعالى : (( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم )) أي خال مما يشوب الإيمان من كفر وشرك ونفاق ومعاص … ومعلوم أن القلوب الآدمية هي أوعية الشهوات والشرور التي هي بمثابة علل وأمراض، لهذا كما يلتمس درء عللها وأمراضها المادية في الأدوية التي يصفها الأطباء، فإنه يلتمس درء عللها غير المادية من كفر وشرك ونفاق… في طلب سلامتها من الله عز وجل. ومما يؤكد دلالة طلب صدق اللسان قول الله تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام : (( ربّ هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين ))، وصدق اللسان سلامته من عيوب الأقوال ما قبح منها كالكفر والشرك والنفاق ، وما كان جهرا بالسوء . ولا يدري الخلق ما يلابس ألسنتهم من سوء الأقوال في حق الخالق سبحانه وتعالى وفي حق خلقه ، و علما بأن الإساءة إلى الخلق إنما إساءة إلى خالقهم . ومن حازهذين الكنزين فقد فاز فوزا عظيما .
وأما الدعاء السادس فهو طلب ما عند الله تعالى من علم بالخير، والتعوذ به مما عنده من علم بالشر. و معلوم أن الخير والشر في الحياة الدنيا مما ابتلى بهما الله تعالى الخلق ابتلاء شكر على الخير، وابتلاء صبرعلى الشر، وذلك لنيل الجزاء في الآخرة مصداقا لقوله عز من قائل:(( كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة )). وقد يسأل الخلق الله تعالى أمورا قد لا يكون لهم خير فيها أو يسألونه شرورا جهلا منهم بها أولعدم علمهم المسبق بها ، ولهذا يجب أن يسألوا الله تعالى مما يعلمه من خيرلهم ، ويتعوذون به مما يعلمه من شر لهم . ومن حاز هذين الكنزين فقد فاز فوزا عظيما .
وأما الدعاء السابع فهو الاستغفار مما يكون علمُه عند الله تعالى من ذنوب ومعاص العباد أقوالا وأفعالا . وكما أن الخلق يغيب عنهم ما لهم فيه من خير وما لهم فيه من شر ، فإنه يغيب عنهم أيضا ما يقترفون من ذنوب ومعاص أقوالا وأفعالا لا يلقون لها بالا ، لهذا وجب أن يستعينوا بعلم الله تعالى مما يعلمه منها . وقد يسأل الخلق الخالق سبحانه من مغفرة ذنوب ومعاص يعلمونها ويقرون بها سواء أسروا ذلك أوأعلنوه لكنه يفوتهم العلم بغيرها مما اقترفوها منها واستأثر بعلمه الله تعالى الذي هو علاّم الغيوب. ومن حاز هذا الكنز الثمين فاز فوزا عظيما .
وخلاصة القول في هذه الوقفة التأملية أن هذا الحديث الكنز الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه بكنزه إذا رأى الناس يكتنزون الذهب والفضة هوعبارة عن كنز مركب من كنوز عدة من كنزها أوتي في دنياه خيرا من الذهب والفضة مما يفضي به إلى نعيم الآخرة حيث ذهب وفضة لا كذهب وفضة الدنيا الزائلة . وهذه الكنوز المكنوزة في كلمات هذا الحديث الشريف تبعث الطمأنينة في قلوب الخلق إذا افتقرت أيديهم إلى ذهب وفضة الدنيا، ولهم فيها خير عزاء إذا ما افتقروا. ومن أراد الله تعالى به خيرا أنعم عليه بما حملته كنوز هذا الحديث الشريف استيعابا وفهما وتدبرا وتأملا وتخلقا وعملا . وفي استحضار الخلق كنوز هذه الكلمات على الدوام تحصل صلة دائمة بالله تعالى وإظهار للافتقار إلى دوام معيته بالتوجه إليه بالدعاء وطلب عونه في كل وقت وحين.
اللهم إنا نسألك فضل كنوز هذا الحديث الشريف على صاحبه أفضل الصلوات وأزكى السلام .




Aucun commentaire