حديث الجمعة : (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ))

حديث الجمعة : (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون ))
محمد شركي
تتواصل أحاديثنا التي تتناول صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في محكم تنزيل رب العالمين ، وحديث هذه الجمعة منطلقه الآية الكريمة الثامنة والأربعين من سورة العنكبوت التي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون )) ، وهي آية وردت في سياق الرد على الكافرين الذين كذبوا بداية بنبوة ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكنهم لما أذهلتهم معجزة القرآن الكريم بمعانيه وأساليبه وألفاظه وبيانه وفواصله وإيقاعه وسوره وآياته ومحكمه ومتشابه وقصصه… والذي لا قبل لفصحاء وبلغاء من الشعراء الأدباء بالإتيان بمثله وقد تحداهم الله عز وجل بقوله في الآية الكريمة الثامنة والثمانين من سورة الإسراء : (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) ، عمد الكفار إلى المكابرة بأن شككوا في أميّة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي قوام معجزته، فأخبر الله تعالى بمكابرتهم في الآية الكريمة الخامسة من سورة الفرقان بقوله : (( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ))، ومعلوم أن الاكتتاب أوالاستنساخ لا يكون ممكنا لأميّ لا يكتب ولا يقرأ . ولقد رد الله عليهم وفنّد فريتهم بالآية الكريمة موضوع حديث هذه الجمعة والتي نستخلص منها أولا طبيعة صفة الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تنتفي معها عند الأميّ القراءة والكتابة، ذلك أن صفة الأمية في عموم الخلق تعتبر منقصة أو عيبا إلا أنها في رسوله عليه الصلاة والسلام منقبة ومحمدة ، بل جعلها الله تعالى له براءة من فرية وبهتان الكفار الذين روجوا عنه سبق معرفته بالكتابة والقراءة . ولو أن فريتهم صحت وثبتت لبطلت عندهم حقيقة تلقيه الوحي من عند الله تعالى ، ولأنكروا إعجاز القرآن الكريم بدعوى أن الذي جاء به كان قارئا وكاتبا اكتتبه واستنسخه عمن أملوه عليه ، ولهذا نفى الله تعالى عنه أولا فعل التلاوة أوالقراءة التي تتوقف أساسا على فك رموز حروف اللغة وكلماتها المخطوطة، ثم نفى عنه بعد ذلك الكتابة التي تتوقف أساسا على رسم رموز الحروف والكلمات ، وفي هذا إبطال لفرية المفترين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وصفهم الله تعالى بالمبطلين أي أهل باطل لأن شبهة فريتهم انتفت وبطلت من أساسها بإثبات الله تعالى أمية رسول الله صلى الله عليه الذي لبث في قومه أربعين سنة لم يعرف عنه أنه كان قارئا أو كاتبا كما أخبر بذلك الله تعالى في الآية الكريمة السادسة عشرة من سورة يونس : (( قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون )) ، وحسب المبطلين هذا حجة دامغة لا سبيل للامتراء فيها .
وكفى بثبوت أمية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حجة على كل الناس إلى قيام الساعة وهم يقرؤون القرآن الكريم أو يسمعونه وهو ويواجههم بتحد من الله عز هو الإتيان بمثله على مر العصور إنسهم وجنهم مع كون بعضهم لبعض ظهيرا، وكفى بها إفحاما للمبطلين في كل زمان ومكان . ومن أراد منهم خوض التحدي المطروح فعليه أن يأتي بمثل هذا القرآن وما ينبغي له ذلك وما يستطيع.
ومعلوم أن القرآن الكريم نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لقنه أمين الوحي الملك الكريم جبريل عليه السلام وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ولم يكن تلقينه من صحف ينظر فيها ويقرؤها ، بل كان القرآن يتلى عليه تلاوة ، وقد أعده الله تعالى لذلك قد بقلب سليم الوحي لا يضيره أنه أميّ لا يقرأ ولا يكتب . وكان الملك الكريم يعارضه القرآن الكريم في ليالي رمضان تثبيتا له في قلبه وقد عارضه مرتين في آخر سنة من عمره الشريف وفي ذلك تأكيد لاستعابه التام والكامل مصداقا لقول الله تعالى في الآيات الكريمة 192 ، 193 ، 194 من سورة الشعراء : (( وإنه لتنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين )).
ومن أراد أن يستيقن قلبه وعقله كون القرآن الكريم وحيا من عند الله تعالى قد خص به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله معجزة له سواء من حيث اختاره أميا لا يقرأ ولا يكتب ، أو من حيث طريقة إعداده لتلقيه أو من حيث إعجاز معانيه ومبانيه وبيانه، فعليه أن يختار من شاء من الأميين ويحاول تلقينهم هذا القرآن يسمعونه منه للمرة الأولى ثم يطلب منهم أن يعيدوه عليه كما تلاه عليهم ، فإنه قطعا لا يستطيعون ذلك، ولن تستوعبه قلوبهم ولا عقولهم، وسيعلم حينئذ طبيعة المعجزة التي خص بها الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام ، وكفى بهذا برهانا وإفحاما للمبطلين .
وبناء على ما تقدم فإن من صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان أميّا لكنها أمية خاصة به لا يستوي معه فيها أحد لكونها معجزة من معجزات الله كباقي معجزات المرسلين من قبله عليهم الصلاة والسلام . ومعلوم أن أميته عليه الصلاة والسلام مساوقة من حيث الإعجاز لمعجزة القرآن الكريم باعتبار معانيه ومبانيه وبيانه إذ لا يمكن أن يصدق أحد أن الأمي يتلو على الناس الكلام المعجز الذي تحدى الله تعالى به الإنس والجن، إلا أن وجه إعجاز أميته عليه الصلاة والسلام لم تحل دون استيعابه التام والكامل للقرآن الكريم فهما وتدبرا وتبليغا وتوضيحا وتفسيرا وتأويلا للناس عامتهم وخاصتهم من أهل العلم والمعرفة والفهم والتدبر والتفكر .
ومن قصور عقول وأفهام بعض الناس أنهم يقيسون أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمية غيره من الناس وهو قياس لا يستقيم عقلا ومنطقا لأن في الأمر إعجاز وخرق للعادة . ولو أن الله تعالى اختار رسوله غير أمي يقرأ ويكتب لظلت عقول البعض يساورها الشك في كون القرآن الكريم وحيا من الله كما وسيعتبرونه محض صناعة بشرية كما أخبر بذلك الله تعالى في الآية الكريمة الثالثة بعد المائة من سورة النحل إذ قال جل وعلا : (( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين )) . ولقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في فترة نبغ فيها نوابغ الشعراء ،لا زال ما أبدعته قرائحهم من أشعار محيرا للعقول ، ولقد احتارت العقول أكثر فيما أوحى به الله تعالى إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الله نافيا عنه الشاعرية في قوله تعالى في الآية الكريمة التاسعة والستين من سورة يس : (( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين )) تماما كما نفى عنه القراءة والكتابة والجنون والكهنوت.
مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بأمية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي معجزة في حد ذاتها لكونه تلقى معجزة القرآن الكريم بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام ، وهذا التلقي في حد ذاته معجزة ثم تنبيههم إلى ما يسوقه بعض المبطلين الجدد الذين خاضوا في أميته صلى الله عليه وسلم خوضا فيه تكذيب لما جاء بخصوصها في القرآن الكريم واضحا غير قابل لتأويل. ولقد حاولوا التظاهر بالتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفيهم صفة الأمية فيه ، ولو صح تأدبهم معه لما شككوا بل كذبوا بما جاء في الذكر الحكيم تكذيبا واضحا لا غبار عليه ، ولا عذر لهم في ذلك إن هم ادعوا الانتساب إلى أمة الإسلام . ولم يقف إبطالهم عند حد نفي أمية سيد المرسلين عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام بل خاضوا في إبطال شفاعته ، وحوضه ، وصفاته الخَلْقِية والخُلُقية ، وفي نبع الماء من بين أصابعه ، ومن حنين الجذع إليه … وغير ذلك مما جاء في سيرته وشمائله ساخرين ومستهزئين ممن يقولون بذلك ويؤمنون به ، وهم يفاخرون بعقولهم الزائغة عن الحق والمائلة نحو الباطل راضين بأن يكونوا مبطلين كالمبطلين الذين عرض بهم القرآن الكريم .
وإنه ليجب شرعا على الأمة المسلمة خصوصا علماؤها أن يبادروا بفضح هؤلاء المبطلين وكشف أقنعتهم التي يتقنعون بها ويموهون بها على خلفياتهم المكشوفة وعلى الجهات الخبيثة التي أوكلت إليهم النيل من الإسلام ومن القرآن الكريم ومن السنة النبوية المشرفة ، ومن شخص النبي الكريم فداه الأمهات والآباء والأبناء ومن صحابته الكرام الذين هم أهل ثناء عند الله تعالى كما جاء في محكم التنزيل ومن أئمة المؤمنين مفسرين ومحدثين وفقهاء وعلماء ودعاة وخطباء ، ولم ينج من ألسنتهم الحداد أحد ممن لهم علاقة بدين الله عز وجل الذي يحاربه أشد الناس عداوة له ومعهم منافقون أوكلوا إليهم شن الحرب عليه بكل خسة ووضاعة فاقت خسة ووضاعة المنافقين كما وصفهم القرآن الكريم .
اللهم إنا نبرأ إليك من كل من سولت لهم أنفسهم النيل من كتابك الكريم بالقول فيه بالأهواء ، والنيل من رسولك الكريم عليه الصلاة والسلام بنفي ما أثبته له في محكم تنزيلك ، والنيل من صحابته الكرام رضوانك عليهم ، والنيل من أئمة العلم بكتابك وبسنة رسولك ، والنيل من أهل العلم بدينك سابقهم ولاحقهم ،والنيل من عموم المؤمنين سخرية واستهزاء . اللهم إنه لا يخفى عليك أمر المبطلين فعجل لهم بعقاب الدارين فإنك عليهم قادر إن لم يقدر عليهم غيرك ، وفوق الجميع قاهر سبحانك لا إله إلا أنت .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .




Aucun commentaire