رُقْعَةُ الشَّطْرَنْجِ فِي سَبْتَة: أَسْرَارُ التَّحَالُفِ السِّرِّيِّ ضِدَّ الرِّبَاطِ وَسِلَاحُ « الْمَسِيرَةِ الْخَفِيَّةِ » وَكَيْفَ أَسْقَطَ الْمَغْرِبُ « فَخَّ الدِّيمُوغْرَافْيَا » الْإِسْبَانِيَّ؟

عبدالقادر كتـــرة
لم تكن الصور القادمة من ثغر سبتة مجرد مشاهد مأساوية لأمواج من الحالمين بالهجرة، بل كانت في جوهرها إعلاناً عن فشل ذريع لمخطط جيوسياسي صامت، ورسالة مغربية حازمة بأن أوراق اللعب في غرب المتوسط قد تغيرت بالكامل.
ما حدث على تلك السواحل لم يكن فوضى اعتباطية، بل « مسيرة خفية » أدارتها الرباط بحنكة لإسقاط تحالف « إسباني-جزائري » وُلد في الغرف المغلقة.
فخ الديمغرافيا والتحالف المأزوم
تشير المعطيات إلى أن حكومة « بيدرو سانشيز » الإسبانية أدركت مؤخراً حقيقة ديمغرافية مقلقة: المغاربة يشكلون 75% من التركيبة السكانية في سبتة ومليلية.
هذا المعطى، في ظل قواعد اللعبة الديمقراطية، يعني أن التواجد الإسباني في الثغرين مهدد بالزوال على المدى المتوسط.
للهروب من هذا المأزق، نسجت مدريد تقارباً براغماتياً مع قصر المرادية. الخطة كانت تعتمد على استصدار أحكام قضائية إسبانية تمنح الجنسية للصحراويين، مع فتح خط بحري بين الجزائر ومليلية لتوطين مهاجرين جزائريين وصحراويين من مخيمات تندوف بتمويل جزائري.
الهدف من هذا التكتيك كان خلق توازن ديمغرافي جديد يكسر الهيمنة المغربية، ويضمن كتلة انتخابية موالية لمدريد والجزائر، إضافة إلى مساومات طاقية واقتصادية تهم معادن « جبل التروبيك » ومونديال 2030.
سلاح الردع الصامت
لم تكن الأجهزة الاستخباراتية المغربية غافلة عن هذا المخطط. وفي لحظة حاسمة، قررت الرباط استخدام سلاحها السري والأكثر فعالية: غض الطرف الأمني.
تركت السلطات المغربية نظيرتها الإسبانية وجهاً لوجه مع آلاف المهاجرين الذين استدرجتهم وعود وشائعات أذكاها الذباب الإلكتروني، لتسقط ورقة التوت عن قدرة إسبانيا على حماية حدودها دون الاعتماد على الدرع المغربي.
« أثبتت الرباط لأوروبا أنها لا تتسلح فقط بشراء العتاد العسكري، بل تمتلك قدرة فائقة على توجيه الأحداث وتحقيق الأهداف السياسية دون إطلاق رصاصة واحدة. »
ارتدادات العزلة الأوروبية
الرد المغربي لم يكتفِ بإجهاض الخطة الديمغرافية، بل أحدث زلزالاً داخل البيت الأوروبي. سرعان ما وجدت إسبانيا نفسها معزولة؛ فقد أعادت فرنسا مراقبة ممراتها الحدودية، وأغلقت إيطاليا أبوابها، وتعالت أصوات عواصم كبرى مثل ستوكهولم وكوبنهاغن متسائلة عن جدوى احتفاظ إسبانيا بمدن داخل القارة الإفريقية.
الموقف الأبرز جاء من « الناتو »، الذي أكد رفضه ضم المدينتين لمظلة حمايته العسكرية كونهما خارج الحدود الأوروبية جغرافياً.
سقوط الأوهام وواقعية التحالفات
لعل الدرس الأقسى والأكثر عمقاً في هذه الأزمة هو ما كشفته عن هشاشة « الاصطفاف العربي ». ففي وقت كانت الرباط تخوض معركة سيادية شرسة، اختارت مؤسسات إعلامية وكيانات دينية عربية الاصطفاف العاطفي أو السياسي مع مدريد، متناسية الجذور التاريخية للقضية.
في المقابل، جاء الدعم من حيث لغة المصالح الواقعية؛ حيث أصدرت لجان في الكونغرس الأمريكي تقارير تصف الثغرين بـ « أراضٍ مغربية تديرها إسبانيا »، داعية إلى حوار جدي على غرار نموذج « جبل طارق ».
حصيلة الأزمة في ميزان الجيوسياسة:
تحمل المغرب تبعات إعلامية مؤقتة وإدارة ضغوط دبلوماسية لكن كسب إثبات النفوذ الأمني وإجهاض المخطط الديموغرافي، وانتزاع اعترافات أمريكية مبطنة.
وحصدت إسبانيا أزمة سياسية داخلية وعزلة أوروبية مؤقتة وانكشافا أمنيا كاملا ولم تربح مكاسب استراتيجية تذكر.
أما الجزائر فخسرت الأموال المرصودة للمخطط الديمغرافي الخبيث وفشلت ورقة الضغط، ونجحت في تشتيت جزئي للإنتباه الأوروبي-المغربي.
في النهاية، أكدت أزمة سبتة أن الرباط كانت محقة في توجهها الدبلوماسي الأخير: التخلي عن التحالفات العاطفية التقليدية، وبناء شراكات قوية، براغماتية، ومخيفة أحياناً، لضمان مكانتها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء




Aucun commentaire