Home»Islam»حديث الجمعة : (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ))

حديث الجمعة : (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ))

محمد شركي

يتواصل بمشيئة الله عز وجل حديثنا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرت في كتاب الله عز وجل ، ومنطلق حديث هذه الجمعة هو الآية الكريمة الثانية من سورة الجمعة التي يقول فيها الله تعالى : (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )) ، وهي آية تضمنت الإشارة إلى مجموعة من صفات وأحوال الرسول الأعظم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، نذكر منها أنه مبعوث أي مرسل وموفد برسالة  من عند الله عز وجل بداية إلى أمة العرب الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب لتتولى بدورها تبليغها للعالمين . ولا بد هنا من وقفة مع حكمة الله تعالى من بعث مبعوث في الأميين وهو منهم برسالة ختمت بها الرسالات، وهي مصدقة لما بين يديها من الرسالات ومهيمنة عليها ، ذلك أن هذا البعث هو معجزة في حد ذاته  بسبب أمية المبعوث والمبعوث فيهم ، وكفى بهذا  معجزة ذلك أن الذي لا يقرأ ولا يكتب  هو  في حكم المستحيل أن يأتي برسالة مما يقتضي الاطلاع على فحواها ومضمونها القراءة والكتابة كي يبلغها إلى من لا يقرءون ولا يكتبون . ولو شئنا أن نجرب ذلك  في زماننا هذا أعطينا رسالة مكتوبة لشخص أمي لا يقرأ ولا يكتب وأمرناه أن يبلغها لمن لا يقرءون ولا يكتبون مثله أو حتى لمن يقرءون ويكتبون ، فإنه  لا محالة  عاجزعن ذلك، وهذا وجه  حكمة الله تعالى ومعجزته من بعث نبي أمي لأمة أمية .

ولقد تأكدت في هذه الآية الكريمة صفة المبعوث بصفة الرسول الحامل لرسالة من عند الله تعالى والتي تعني  أنه مبلغها ،لأن الرسالة تقتضي مُرسِلا ورسولا ومُرسَلا إليهم . ومن صفاته عليه الصلاة والسلام كما جاء في الآية الكريمة  أيضا أنه تالٍ على الأميين آيات الرسالة التي أوكل إليه تبليغها إليهم ، وهي تلاوة اقتضت بيان مضمون آياتها، وهو ما يوجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المُبيِّن لها ،لهذا جاء في الآية الكريمة بعد ذكر البعث والرسالة والتلاوة ذكر التزكية وتعليم الكتاب والحكمة، وهو ما يثب له عليه الصلاة والسلام صفات المُزكِّي، ومعلم الكتاب والحكمة ،والهادي من الضلال المبين .

والذي يستوقفنا في هذه الصفات صفة معلم الحكمة التي تقتضي وقفة مع دلالات مادة  » حكم  » اللغوية  كما ورد بيانها عند أهل العلم الذين يعتبرون أصلها دالا على المنع ذلك أن الدابة تحكم أو تمنع إذا ربطت و أوثقت ، والسفيه يحكم إذا منع من سوء التصرف في ماله ، كما يحكم كل من يمنع عن فعل شيء ما، والموعظة الحسنة تعتبر حكمة لمنعها الوقوع في المحظور ، والعلم يعتبر حكمة لمنع صاحبه من موارد القبح التي يردها الجاهل ، والإصابة في القول والفعل يعتبر حكمة لامتناعه عن الخطأ ، والمحكم من الألفاظ من لا شبهة فيه أو في معناه ، ويقابل المتشابه ، وإصابة الحق بالعلم والعقل يعتبر حكمة  ومنعا للخطإ والضلال والباطل.

ومن صفات الله تعالى أنه حكيم، وهو مستحق  هذه الصفة لذاته ، ومستحق لها بأفعاله ، وهي خلاف معنى الحكمة في خلقه . ولقد وصف الله تعالى كتاب بالحكيم والمحكم .

ومعلوم أن مادة « حكم  » بمشتقاتها وردت في القرآن الكريم في اثنين وأربعين ومائتي موضع ، منها اثنان وثمانون بصيغة الفعل ، وستون ومائة بصيغة الاسم ، وأكثر مشتقاتها لفظة  » حكيم  »  وقد وردت في إحدى وثمانين موضع من كتاب الله عز وجل ، كما أن لفظة  » حكمة  » وردت في عشرين موضع .

ومما تدل عليه لفظة  » حكمة  » عند أهل العلم دلالتها على الحلال والحرام، وعلى السنة النبوية الشريفة أقوالا وأفعالا وتقريرات ، وعلى الشريعة ،وهو ما لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تدل على النبوة ، وتطلق على الفصل بين الحق والباطل ، وعلى فهم وتدبر وتفسير كتاب الله عز وجل  والمعرفة بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وحلاله وحرامه، ومقدمه ومؤخره ، وأمثاله ، وقصصه،  كما تدل على القرآن نفسه عند بعض أهل العلم .  وجملة القول في دلالة لفظة  » حكمة  » أنها جاءت في كتاب الله تعالى بعدة دلالات أهمها  القرآن نفسه ، والسنة و النبوة ،والفهم والعلم …

والذي استدعى منا هذه الوقفة هو شيوع حملات مغرضة لتعطيل صفة الحكمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لدى من صاروا اليوم ينعتون أنفسهم بالقرآنيين الذين يشككون في مصداقية سنته عليه الصلاة والسلام ، ويدعون الأهلية والصلاحية للتعامل مع القرآن الكريم وحده دون الرجوع إلى سنة من أنزل إليه، ومن بلغه وعلمه ،وهو أعلم خلق الله تعالى به وقد أوكل إليه وحيا تفصيل مجمله وهو سنته القولية والفعلية وتقريراته. ومن أباطيلهم أنهم يدعون فهما جديدا لكتاب الله تعالى مخالفا لما ورثته الأمة عن رسولها صلى الله عليه وسلم، وقد وصلها  ذلك عن طريق صحابته الذين عاصروه وأخذوا عنه مباشرة  وعنهم أخذ أبناؤهم ، وعن هؤلاء أخذ التابعون ، ومن تابعوهم  بعد ذلك عبر سلسلة متواصلة  الحلقات غير  منقطعة ، ولو أنها انقطعت في زمن أو فترة ما  كما يزعم القرآنيون لكان الانقطاع  شمل القرآن الكريم ايضا وهو الذي وصلنا بنفس الطريقة ، ولهذا لا يعقل أن يقبل وصوله كما أنزل ، ويشكك فيما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سنته التي هي جزء من الوحي بشهادة القرآن الكريم الذي وصفها بالحكمة كما تدل على ذلك الدلالة اللغوية لها  في اللسان العربي المبين  .

ولقد كثر القرآنيون في هذا الظرف بالذات مع أنه لم تخل منهم عصور سابقة عند بعض أهل الملل الضالة الذين كانوا يريدون تأويل كلام الله تعالى وفق أهوائهم ،وخلاف ما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته القولية والفعلية والتقريرية . ومن نماذج تراهاتهم المتهافتة قول بعضهم أنه لم يرد في كتاب الله تعالى ما يفصل كيفية الصلوات أو عدد ركعاتها وسجداتها أوأوقاتها مع أنها منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالمشاهدة المباشرة وبنفس الطريقة التي نقل به عنه القرآن الكريم . ويريد هؤلاء المبطلون الضالون المضلون أن يدفعوا بالناس من ضعاف الإيمان والعقول إلى اعتماد كيفيات لأداء الصلاة كل حسب هواه ، وهي مؤامرة مكشوفة الغرض منها الإجهاز على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصلها عن الوحي مع أنها جزء لا يتجزأ منه بشهادة القرآن الكريم شهادة لا تقبل تأويلا .

ومعلوم أن هؤلاء إنما هم مستأجرون من طرف جهات تعادى الإسلام ، وتستخدم  بدورها جهات محسوبة عليه  ظاهريا وهي خلاف ذلك ، وتوكل إليها  تمويل هؤلاء المارقين لتضليل ضعاف العقول والإيمان من أبناء أمة الإسلام وذلك  عن طريق تسويق شعارات  من قبيل الحداثة والتحرر واستعمال العقل الذي لا يوجد استعمالا له أكثر دقة ولا أصوب مما جاء في كتاب الله تعالى . ولا يخفى أن الجهات المنخرطة في هذه المؤامرة الدنيئة إنما تحكمها وتوجهها  مصالح  تلتقي كلها عند إظهار وإضمار العداء لدين الله عز وجل الذي يدمغ ما جاء فيه من حق أبلج كل باطل  لجلج ، وهم إما أعداء دين بيّن عداؤهم أو منافقون مسخرون من طرفهم يحصلون منهم على مكاسب مادية ومعنوية  في هذا الظرف بالذات لفرض واقع معين يخدم هؤلاء الأعداء .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تبصير المؤمنين بصفات الرسول الأعظم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، وثانيا تنبيههم إلى ما يراد بسنته من سوء  بأساليب خبيثة  وطرق خسيسة دنيئة عبر خونة منافقين مسخرين ،ومدفوعي الأجر بالمال المدنس  من جهات فاسدة مفسدة لم  يعد فسادها وشرها خاف على الأمة كما تشهد على ذلك الأحداث التي ترى رأي العين ، ولهذا يجب على الأمة أن تعي جيدا ما يراد بدينها من خلال التمييز بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولها عبرة في قول الله تعالى  : ((  إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا )) ،إن مدلول قوله تعالى يشمل كل من يفرق بين الله تعالى ورسله، ويؤمن ببعض ويكفر ببعض  في كل زمان و في كل مكان إلى قيام الساعة  .

اللهم اكف دينك شر كل من يريدون به شرا ، وعجل لهم بعذاب مهين من عندك  بل عذاب الاخرة الأشد.

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *