Home»International»استهداف الهوية الإسلامية موقف قديم قدم تاريخ البشرية وأساليبه متعددة ومتنوعة حسب العصور

استهداف الهوية الإسلامية موقف قديم قدم تاريخ البشرية وأساليبه متعددة ومتنوعة حسب العصور

0
Shares
PinterestGoogle+

 استهداف الهوية الإسلامية  موقف قديم قدم تاريخ البشرية وأساليبه  متعددة ومتنوعة حسب العصور

محمد شركي

باعتماد كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه وبشهادة منزّله  جل وعلا على خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم وكفى بها شهادة ،فإن استهداف الهوية الإسلامية موقف قديم قدم تاريخ البشرية لكن أساليبه متعددة ومتنوعة حسب العصور .

وقبل استعراض موجز لهذا الاستهداف منذ بدء الخليقة إلى عصرنا هذا، لا بد من تعريف مبسط لمفهوم الهوية بعيدا عن التعريفات الفلسفية التي تنحو نحو التعقيد، فنقول إن الهوية هي  كل ما يميز الفرد أو الجماعة ماديا ومعنويا ، وهي بمثابة تعريف لهما يحقق وجودهما في حيز جغرافي يتسع ويضيق ، وفي فترة زمنية معينة .

وأدق تعبير عن الهوية هو قول الله تعالى في الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)) ،ففيها تعريف للهوية الجماعية المتمثلة في شعوب وقبائل وهي عبارة عن تجمعات بشرية  لأفراد بينهم قواسم مشتركة مادية ومعنوية، ويجمعهم حيز جغرافي معين في فترة زمنية معينة . وإذا تأملنا التذييل الذي انتهت به هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى (( إن الله عليم خبير)) ندرك يقينا  أن هذا التعريف للهوية  هو تعريف جامع مانع لأن مصدره هو الخالق العليم الخبير بخلقه .

ومعلوم أن الشعوب والقبائل عبارة عن أفراد أصلهم نواة صلبة هي الأسرة التي حين يكثر أفرادها تتحول إلى عشيرة وقبيلة، وعندما تزداد كثرتها تصيرشعوبا وأمما. وما يجمع الأسرة هو الوشيجة الرحمية، وهي أهم مكون من مكونات الهوية التي تتطور مع توسع دائرة  الانتماء  الرحمي إلى أعراق وأجناس بشرية لها مواصفات خَلْقِية مادية إلى جانب مكونات أخرى معنوية متعددة للهوية كالألسنة والطباع والمعتقدات والعادات والتقاليد التي تجمع اليوم  تحت مسمى الثقافات.

ومعلوم أن الخالق سبحانه وتعالى قد اختار للثقلين إنسهم وجنهم هوية ونعتها بنعت الإسلام، وهو المقصود بقوله تعالى في الآية السابقة (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))، والتقوى عبارة عن استسلام لله تعالى فيما شرع وأمر ونهى.

وأول خروج عن الهوية الإسلامية  في تاريخ الخلق هو خروج إبليس المخلوق الجني  اللعين ذي الطبيعة النارية عن طاعة خالقه سبحانه وتعالى حين أمره  بالسجود لمّا خلق من طين آدم عليه السلام  . وبهذا الخروج بدأ استهدف الهوية الإسلامية حيث استهدف الشيطان الرجيم نفسه أولا ثم انتقل استهدافه  إلى هوية آدم وزوجه انتقاما منهما وحسدا من عند نفسه ، وبذلك سن استهداف الهوية الإسلامية لجنسه من الجن الشياطين وللإنس من ذرية آدم  ممن يتبعونه في غيه.

وعندما نستعرض قصص المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين  في القرآن الكريم ، نجد أنهم ومن اتبعهم  من أقوامهم فيما أنزل إليهم من رب العالمين وهو الإسلام قد كانت هويتهم الإسلامية مستهدفة في من بعثوا فيهم ، وهنا لا بد من التذكير بأن الهوية الإسلامية مفهوم قرآني حيث نسب الله تعالى الإسلام لكل المرسلين باعتبارعقيدتهم الواحدة الموحدة لله تعالى، وإن اختلفت شرائعهم حسب أزمنة وظروف الأمم التي بعثوا بها .

 والله تعالى في الذكر الحكيم يحدد تعريف الدين بقوله عز من قائل في الآية التاسعة عشرة من سورة آل عمران : (( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب )) ،  فبهذه الآية يثبت قطعا أن الإسلام هو الدين عند الله وأن الاختلاف فيه بغي وكفر بما قرره الله تعالى  وهو بغي عن علم وعن قصد وسبق إصرار من لدن من بعث فيهم مرسلون بكتب منزلة عليه من عنده جل وعلا.

ولقد حسم الله تعالى مرة أخرى في أمر الهوية الإسلامية بقوله في الآية الكريمة الخامسة والثمانين من سورة آل عمران : (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) ، وهي آية مسبوقة بآية  يؤكد فيها الله تعالى الهوية الإسلامية للمرسلين  بشكل صريح لا غبارعليه بقوله مخاطبا خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام  : ((  قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيّون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ))  وهذه شهادة من الله عز وجل على هوية المرسلين من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام إلى  سيد المرسلين عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام ، وهي هوية ثبتت أيضا لكل من كان قبل من ذكرهم الله تعالى في هذه الآية الكريمة .

وتتعدد في القرآن الكريم نماذج استهداف هذه الهوية من لدن نوح عليه السلام إلى خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهي تكرار للاستهداف الإبليسي الذي انتقل من الشيطان الرجيم ومن ذريته إلى المنحرفين عن الفطرة التي فطر الله تعالى عليها بني آدم ، و بذلك صارالصراع في هذا العالم بين الهوية الإسلامية وهويات مختلفة ولكنها مجتمعة على استهداف الهوية الإسلامية، وهي من ابتداع البشر وتقدم على أساس أنها أديان مع أن الدين عند الله عز وجل هو الإسلام لا غيره ، ولنا في القرآن الكريم ما يغني عن معرفة تلك النماذج المستهدفة للهوية الإسلامية.

وأما  نماذج الاستهداف لهذه الهوية في زمان الناس هذا، فهي استمرار لنماذج الاستهداف التي سجلها الذكر الحكيم ،ولها من المشترك معها كما أن لها ما يميزها ،وهو موضوع هذا المقال .

ولا بد في البداية من التعريف بالجهات المستهدفة للهوية الإسلامية في الوقت الراهن، وعلى رأسها ما يطلق عليه اسم الغرب، وهو اسم قديم حديث حيث كان يطلق على من  كانوا في الحيز الجغرافي النصراني غربا والمقابل للحيز الجغرافي الإسلامي شرقا . والمعنيون  اليوم بالغرب أو بالهوية الغربية تاريخا وجغرافية ودينا وحضارة وثقافة هم سكان القارة العجوز أوروبا مع امتدادها شمال القارة الأمريكية و في القارة الأسترالية . وأما تاريخها فهو عبارة عن مراكمة  لتراث حضارتين وثنيتن إغريقية ولاتينية، وتراث ديني يهودي ـ مسيحي بمسحة  شبه وثنية ثم لائكية  تناصب الأديان العداء .

 ولقد ترتب عن هذا الميراث التاريخي هوية  تنعت بالغربية ،وهي غاية في التعقيد والتناقض في هذا العصر إذ هي خليط من التدين الصوري غير الإجرائي ومن الاتدين  ، وهما متعايشان في حيز جغرافي واحد  نتجت عنهما حضارة مادية محضة وثقافة مرتبطة بها كأشد ما يكون الارتباط، وهما تسوقان عالميا تحت مسمى العولمة التي تهدف إلى ابتلاع كل  الهويات البشرية المختلفة وصهرها في بوتقتها واحدة  من أجل فرض الهوية الغربية المطلقة على المعمور، ومحو غيرها لتبقي وحدها هي المهيمنة والمسيطرة وذات السيادة المطلقة  على العالم بلا منازع أو منافس .

 ومن تناقضات هذه الهوية الغربية  أنها تسوق شعارات براقة ومغرية تدعيها لنفسها من قبيل  وصف حيزها الجغرافي بالعالم الحرالذي تسود فيه قيم حضارية وإنسانية راقية  ، كما تسود فيه الحريات اعتقادا وتفكيرا وتعبيرا ، وتسود فيه الديمقراطيات  وحقوق الإنسان …. وغير ذلك من القيم المنفوخ فيها ، هذا على المستوى النظري الصرف ، أما في الواقع  المعيش فإن تصرفات كياناتها  مناقضة تماما لهذه الشعارات البراقة والمغرية، وتكفي كحجة دامغة على ذلك الإشارة إلى آخر ما عرفه الغرب من مصادرة لحريات الرأي والتعبير عندما خرج المواطنون الغربيون غاضبين معبرين  عن إدانتهم الشديدة للإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الصهيوني في حق المواطنين الفلسطينيين  في قطاع غزة وقد تواطأت أنظمتهم معه متحدية بذلك  إرادتهم ومستخفة بها وقامعة لهم وهو ما يعد  على دوس صارخ على شعاراتها التي تباهي بها شعوب المعمور وتريد عولمتها .

ومعلوم أن أكثر الهويات التي تستهدفها الهوية الغربية هي الهوية الإسلامية تحديدا  مع أن  كانت هويات أخرى لا تسلم من الاستهداف أيضا . ويبدو هذا الاستهداف اليوم  عبارة عن استمرار لاستهداف القرون الوسطى التي عرفت ما يسمى بالحروب الصليبية وقد تجلى استمرار فصولها في فصل الغزو الغربي لبلاد الإسلام خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بدعوى إخراج شعوب هذه البلاد من التخلف عن الركب الحضاري الغربي ، بينما كان الواقع هو استهداف هويتها الإسلامية  أولا ثم ثانيا الطمع في  خيراتها ومقدراتها من أجل توفير الرفاهية المادية لشعوبها .

ومن أساليب استهداف الهوية الإسلامية التي اعتمدها الغرب، ولا زال يعتمدها  ما يلي :

1 ـ تفكيك  وتمزيق الوحدة  الجغرافية للعالم الإسلامي بعد غزوه واحتلاله، وذلك عن طريق النفخ في النعرات الإثنية  التي تجاوزتها الهوية الإسلامية ، وطوت صفحتها إلى الأبد وبدأ تسويق  هويات بديلة عنها  ،نذكر منها الفينيقية والفرعونية والآشورية والفارسية و التركية والكردية والشركسية والبربرية والإفريقية  والأسيوية …. ويعزى هذا التفكيك إلى ما سمي بمعاهدة سايكس بيكو وغيرها من المعاهدات التي تلتها  المعلنة  منها والخفية .

2 ـ توطين الغرب  للكيان الصهيوني في أرض فلسطين من خلال تهجير الإثنية اليهودية من الحيز الجغرافي الأوروبي  إليها ، وذلك من أجل التخلص منه من جهة  لأسباب عقدية ، ومن جهة أخرى لإذكاء جذوة نيران الحروب الصليبية من جديد تحت غطاء حماية هذه الإثنية الدخيلة  التي  تحاول تبرير وجودها في الحيز الجغرافي الإسلامي  الذي وطنت فيه بالقوة عن طريق  مبررات أسطورية تلمودية واهية .

 3 ـ اعتماد طوابير خامسة  منسلخة ومتنكرة لهويتها الإسلامية، وهي تعمل لصالح الهوية الغربية  التي أوكلت إليها مهام محاربة الهوية  الإسلامية من عدة محاور، وفي شتى المجالات التي نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر ما يلي :

أ ) ـ التشكيك  والطعن في مصداقية النصوص الدينية  قرآنا كريما وسنة نبوية مشرفة ،وهما قوام الهوية الإسلامية ،وكذا الطعن والتشكيك في مصداقية كل من اشتغلوا  ويشتغلون  بهما من علماء ومفكرين ودعاة قديما وحديثا،  فضلا عن التشكيك في  مصداقية كل التراث  ،والنيل من سمعة لغة القرآن الكريم الناقلة له.

ب ) ـ تسميم المناهج التعليمية بالأفكار المقوضة للهوية الإسلامية  لدى الناشئة المسلمة المتعلمة كي تصيرها هجينة الهوية  لا هي مسلمة ولا هي غربية .

ج ) ،  تفكيك المجتمعات الإسلامية  عن طريق استهداف نواتها الصلبة التي هي الأسرة، وذلك  بشتى الطرق والأساليب والوسائل الصريحة والخفية ، والتي نذكر  منها  الدعوات النسوية التي توجه ضربات قاتلة إلى صميم الهوية الإسلامية عن طريق استدراج المرأة المسلمة إلى نسوية غربية الهوية  تفضي إلى انسلاخ تام من قيم الهوية الإسلامية والتماس البديل عنها في الهوية الغربية .

د ) ـ تسويق القيم الغربية البديلة عن القيم الإسلامية  تحت ذريعة مواكبة الركب الحضاري الغربي الذي  تلمّع واجهته المادية والتكنولوجيا، بينما تنحدر قيمه إلى أسفل درك من الانحطاط  ، وهي قيم مشيئة للبشر ومهينة لكرامتهم الإنسانية بأشكال غير مسبوقة في التاريخ البشري بل متجاوزة  لكل انحدار قيمي كان من قبل .

ه) ـ تسويق الثقافة والفنون الغربية المكرسة بدورها  لكل أنواع الانحلال  تحت ذريعة مواكبة عولمة التحضر والتنوير والتثقيف ، وقوام تلك الثقافة وذلك الفن هو التفاهة والصفاقة والوقاحة في أجلى صورها .

و) ـ تسويق ما بات يعرف بالإسلاموفوبيا  مما صار يعرف بالإرهاب الإسلامي من أجل استعداء الشعوب الغربية  وغيرها من شعوب العالم على الهوية الإسلامية  هذا من جهة  ، ومن جهة أخرى حمل الشعوب المسلمة على النفور من هويتها مخافة إلصاق تهمة  خطيرة بها إذا ما تمسكت بهويتها الإسلامية.

ز) ـ ترسيخ وتكريس عقدة شعور الأمة المسلمة بالدونية  أمام الأمم الغربية ، وذلك باعتماد تخلفها عنها ماديا وتكنولوجيا مقياسا يقنعها بتخلفها معنويا عنها أيضا وفي هذا ما يدعو إلى تنكرها لهويتها الإسلامية ، واحتقارها والسخرية منها والتندر بها ، والتملص منها  والانصهار كليا في الهوية الغربية، والنتيجة أن المؤشرات المادية والمعنوية الدالة على الهوية الإسلامية في طريقها إلى زوال واندثارـ لا قدر الله ـ  إلى أن يتداركها سبحانه وتعالى بألطافه ، ويقيض لها من يبعث إشعاعها من جديد بعد غبش إلى زوال إن شاء الله تعالى .

هذه بعض الأساليب التي تعتمدها الهوية الغربية  معتمدة على طوابيرها الخامسة  وعرّابيها في المجتمعات المسلمة من أجل طمس معالم الهوية الإسلامية، وما خفي منها أعظم وأخطر. وقد صارت الشعوب المسلمة تعاني  اليوم من آثارها وعواقبها الوخيمة .

فمتى ستفيق هذه الشعوب المسلمة من سباتها العميق الذي طال أمده ، ومتى سينجلي عنها سكرها وتخديرها الذي شل إرادتها شللا تاما، فنسيت هويتها التي هي عماد وجودها  بل تنكرت لها  ؟؟؟ ولها عبرة في قول أمير الشعراء أحمد شوقي :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت       فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وما الأخلاق سوى تجليات للهويات ، فلتنظر أمة الإسلام إلى الأخلاق المتناسقة مع هويتها الإسلامية التي تحقق وجودها الفعلي ، ولتثبت أمام ما يتهدده .

ولا شك أن استهداف الهوية الإسلامية سيستمر  لا محالة إلى نهاية العالم، وسيظل  موجودا كما ابتدعه المخلوق الجني الشرير أول مرة ، وصار عليه أتباعه من جن وإنس سيقضي بينهم الله تعالى بعدله يوم يحشرون ، وقد خاب يومئذ من حمل ظلما.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *