حديث الجمعة : (( قلِ اللهَ أعبدُ مخلصًا له ديني ))

حديث الجمعة : (( قلِ اللهَ أعبدُ مخلصًا له ديني ))
محمد شركي
ويتواصل حديثنا اليوم عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر بها الله تعالى في محكم تنزيله ، ويتعلق الأمر في هذا الحديث بالآية الكريمة الرابعة عشرة من سورة الزمرالتي يقول فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام : (( قلِ اللهَ أعبدُ مخلصًا له ديني )) . وتجدر مرة أخرى الإشارة إلى التذكير بما مر بنا في هذه السلسلة من أحاديث صفاته وأحواله عليه الصلاة والسلام بأن كل خطاب موجه من الله تعالى إلى رسوله الكريم سواء تعلق بأوامر أو نواه يتضمن إشارات أو تلميحا إلى بعض صفاته وأحواله . والصفة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة هي صفة المُخْلِص الذي أخلص دينه لله تعالى . وقبل الخوض في هذه الصفة لا بد من التذكير بأن سياق هذه الآية هو الرد على مشركي قريش الذين أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرافه عما كانوا عليه من شرك إلى إخلاص توحيد الله تعالى ، وقد لاموه وعابوا عليه أنه ترك دين آبائه وأجداده وقومه ، ومما يؤكد ما جاء بعد هذه الآية الكريمة مدار هذا الحديث قوله تعالى بعدها في الآية الكريمة الخامسة عشرة : (( فاعبدوا ما شئتم من دونه )) والضمير فيها يعود على مشركي قريش.
ولا بد من التذكير أيضا بأن هذه الآية الكريمة مدار حديثنا قد سُبِقت بآيات كريمات وهي الثانية من نفس السورة التي يقول فيها الله تعالى : (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين )) ، والسورتان الحادية عشرة ، والثانية عشرة من نفس السورة التي يقول فيهما سبحانه وتعالى : (( قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين)) ، والملاحظ في الآية الحادية عشرة أنها تضمنت مع سابقاتها الإشارة إلى صفة إخلاص الرسول صلى الله عليه وسلم دينه لله تعالى . ولا شك أن تكرارها ثلاث مرات في نفس السورة هو تأكيد لها، وهي توافق ما جاء في الآية الكريمة الثالثة من نفس السورة التي يقول فيها الله تعالى » (( ألا لله الدين الخالص )) . وأما الآية الثانية عشرة فقد تضمنت صفة أخرى وهي صفة الأولية في الإسلام التي لا تدل على سبق الرسول صلى الله عليه وسلم الزمني إلى الإسلام فقط ، وإنما تدل أيضا على قوة إسلامه عليه الصلاة والسلام ، وعلى بعد شأوا فيه ، وسبقه غيره في ذلك بحيث لا يبلغ مرتبة إسلامه أحد من أمته كما نص على ذلك بعض المفسرين، وهي مرتبة مساوقة لمرتبة إخلاصه الدين والعبادة لله تعالى .
و معلوم أن الإخلاص هو الصفاء الذي لا يشوبه شيء مغار له كما جاء في قوله تعالى في الآية الكريمة السادسة والستين من سورة النحل : (( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين )) ، كما أن سورة الإخلاص إنما سميت بذلك لخلوص توحيد الله تعالى فيها، وإفراده بالألوهية، وبالربوبية ، وبالخالقية ،وتنزيهه عن صفات الخلق . وإخلاص الدين لله هو إمحاض العبادة له دون سواه، ودون شوائب من حظوظ الدنيا ،ومعاملته معاملة الخلق لخالقهم بكامل الطاعة والخضوع لاستحقاقه ذلك سبحانه وتعالى دون سواه وفق ما جاء في الآية الكريمة الثانية والستين بعد المائة من سورة الأنعام التي يقول فيها الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم : (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) ، ففي هذه الآية الكريمة ثبت أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إخلاص الدين لله تعالى صلاة، ونسكا، ومحيا ،ومماتا كما ثبتت له الأسبقية في الإسلام ، والتميز فيها عن كل مسلم من بداية الخليقة إلى نهايتها لقوله عليه الصلاة والسلام : « إني لأتقاكم لله وأعلمكم به » ،وكيف لا يكون كذلك وعليه أنزلت الرسالة الخاتمة التي أكمل الله تعالى فيها الدين ورضيه للمسلمين ، وكيف لا وهو خاتم وسيد المرسلين ، وكيف وهوسيد ولد آدم أجمعين.
مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تذكير المؤمنين بصفتين عظيمتين جليلتين من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما إخلاص الدين لله تعالى وبلوغ شأو فيه لا يمكن أن يبلغه أحد من الخلق بشهادة الخالق سبحانه وتعالى، وهو ما يؤكد عظمة خلقه الذي نوه به الله تعالى ، وثانيا تذكيرهم بما يجب عليهم من واجب التأسي والاقتداء به في صفة إخلاص الدين لله تعالى رغبة في تحقيق منزلة من منازله ترضي الله تعالى .
وما أحوج المسلمين في هذا الزمان الذي تراخى كثيرا عن فترة النبوة ، والخلافة الراشدة ،وما تلاهما من فترات صالح التابعين ، وقد بعد العهد بتمثل صلاحهم ، وصار الإخلاص فيهم عملة صعبة بتعبير العصر، ومطمحا صعب المنال وقد تعلقت النفوس كأشد ما يكون التعلق بعرض الدنيا الزائل الذي هو أخطر شائبة تشوب إخلاص الدين لله تعالى. ومعلوم أن التعلق بعرض الدنيا يكون بالتفرغ لها ، والانكباب عليها ، والسعي من أجلها بكل شره أونهم سعيا يصرف و يشغل عن طاعة الله تعالى ،وهو ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا الأنصار حين أقبلوا عليه يرغبون فيما قدم به أبو عبيدة من مال من البحرين بقوله : » أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء ؟ قالوا : أجل يا رسول الله ، قال : فأَبْشِروا وأَمِّلوا ما يَسُرُّكم ، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم ، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، وتهلككم كما أهلكتهم« .
ولقد اشتد في هذا الزمان تنافس المسلمين الدنيا التي أقبلت عليهم ، ويوشك الهلاك أن يحل بهم إن لم يكن قد حل بالفعل ، وبسبب ذلك أفلست أرصدتهم من إخلاص الدين لله تعالى، وهم اليوم أحوج ما يكونون إلى التفكير الجاد في خطورة هذا الإفلاس ، ولن يتأتى لهم ذلك إلا بالتأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوصى وصيته الشهيرة بقوله : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله » . ومعلوم أن كتاب الله تعالى وسنته عليه الصلاة والسلام هما الدليلان على خلوص الدين لله تعالى، وعلى إمحاض الطاعة له لمن أراد إلى ذلك سبيلا ،وكل ادعاء بالتماسه فيما سواهما محض باطل .
ومن الشوائب التي تفسد على أمة الإسلام إخلاص دينها لله تعالى بعد مطلق الانشغال بعرض الدنيا الزائل التعلق ببعض الخلق ممن يستدرجونهم إلى مهاوي فساد إخلاص الدين لله تعالى وذلك بادعائهم أنهم من ورثة النبوة ليس وراثة العلم بل وراثة ما ينعتونها بأنها أسرار قد تلقوها منه في منامهم افتراء عليه وقد بلغ الرسالة عليه الصلاة والسلام وأدى الأمانة كما أخبر بذلك رب العزة جل جلاله في محكم كتاب لا يأتيه باطل من بين يده ولا من خلفه ، ولم يبق بعد تبليغه للناس كافة إلى قيام الساعة من أسرار يمكن أن يدعيها أحد أو يستأثر بها من بعده كما يدعي البعض وهم يتاجرون بذلك طمعا فيما بأيدي من عرض الدنيا وهم يصدقونهم فيما يدعونه ويتابعونهم فيما يبتدعونه بحسن ظن بهم وطمعا في بلوغ مرتبة إخلاص الدين لله تعالى والرغبة في التقرب إليه لكن دون سلوك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محجته البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، وإن التابعين لهم لا يحترزون من تعلقهم به كأشد ما يكون التعلق الذي يشغلهم عن التعلق بالله تعالى ، وذلك من أخطر الشوائب المفسدة لإخلاص الدين لله تعالى . ولقد كثر في هذا الزمان من يدعون وراثة ما يسمونها أسرارا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويزايد بعضهم على بعض في ذلك وما ذلك في الواقع إلا تنافس الدنيا المهلك الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومما حذر منه أيضا عليه الصلاة والسلام ما رواه عنه العرباض بن سارية رضي الله عنه الذي قال : » صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، ثم أقبل علينا ، فوعظنا موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، فقال قائل :يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » .
اللهم إنا نعوذ بك من كل شائبة من شوائب إفساد إخلاص الدين لك ، ونعوذ بك من ضلال البدع ما ظهر منها وما بطن . اللهم اجعل قلوبنا معلقة بك ،وبما أنزلت على رسولك عليه الصلاة والسلام كتابا وسنة لا مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين جودا، وكرما، ورحمة منك سبحانه لا إله إلا أنت .
اللهم انصر بنصرك العزيز عبادك المؤمنين في أرض الإسراء والمعراج على أعدائك وأعدائهم نصرا تعز به دينك ، وتحرر به مسجدك الأقصى الذي باركت حوله ، وانصر عبادك المؤمنين المظلومين في كل بقعة من بقاع المعمور .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire