لو قدر للمفكر المصلح السوري عبد الرحمان الكواكبي أن يعاصر النظام الحالي في الجزائر لأضاف فصلا خاصا به في كتابه » طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد «

لو قدر للمفكر المصلح السوري عبد الرحمان الكواكبي أن يعاصر النظام الحالي في الجزائر لأضاف فصلا خاصا به في كتابه » طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد «
محمد شركي
من المعلوم أن المفكر المصلح السوري الحلبي عبد الرحمان الكواكبي قد عالج في مقالاته الإصلاحية التي جمعت في مؤلف تحت عنوان : » طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد » قد عالج موضوع الاستبداد السياسي بشكل عام في البلاد العربية والإسلامية دون تعيين قطر بعينه ، وحدد طبائعه من خلال مؤشرات دالة عليه إذا ما رصدت في أقطار استحق أنظمتها السياسية أن تنعت بالمستبدة أو بالمنفردة بالسلطة دون إشراك شعوبها فعليا في تدبير شؤونها ورعاية مصالحها في ظل نظام شوري بالمفهوم الإسلامي أو نظام ديمقراطي بالمفهوم الغربي .
ومن بين تلك المؤشرات الدالة على الاستبداد السياسي كما جاءت في مؤلف الكواكبي نذكر ما يلي :
1 ـ استحواذ الأنظمة المستبدة على صنع القرار والتفرد به والحكم بهوى المستبدين ،الشيء الذي يدل على تعطيل إرادة شعوبها ، وتعطيل الاحتكام إلى شرع أو قانون يحظى بثقتها ورضاها ، ويكون ضامن سيادة العدل والحق في أوطانها .
2 ـ التعامل مع الشعوب كقطعان أنعام من خلال تسويق الجهل فيها بكل ما يتاح من وسائل واستغفالها ، وصرفها عن كل ما يفضي إلى وعي وعلم ومعرفة وكشف عن حقائق الاستبداد والسعي نحو التخلص منه .
3 ـ التضييق على أهل العلم والفكر والمعرفة بل وتهديدهم في حريتهم وحياتهم بكل الطرق والوسائل ،و تجريمهم ورميهم بكل التهم الخطيرة لتبرير وشرعنة التخلص منهم أمام الرأي العام المستخف به .
4 ـ الاستحواذ على الشأن الديني والاستئثار به و تطويعه واستغلاله لخدمة الاستبداد وإضفاء الشرعية المفقودة عليه أمام الرأي العام .
5 ـ الاستحواذ على مصادر الثروات والأموال ، وجمعها وتكديسها بأيدي المستبدين على حساب إفقار وتجويع الشعوب وشغلها بالتفكير في الكدح اليومي من أجل توفير لقمة العيش وصرفها عن التفكير في سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية .
6 ـ إشاعة الخوف بين الشعوب من بطش الاستبداد عبر كل الطرق والوسائل والأساليب لتمرير كل القرارات المضر بها وبمصالحها.
7 ـ الاعتماد على من سماهم الكواكبي المتمجدين من السفلة المتملقين لهم والمشيدين باستبدادهم وتسويقه إعلاميا على أوسع نطاق .
وفي كتاب الطبائع توجد مؤشرات أخرى على الاستبداد لا داعي للإطالة في سردها لأن ما سرد منها أعلاه يكفي للحكم على استبداد النظام العسكري في الجزائر .
وقبل رصد تلك المؤشرات لدى هذا النظام لا بد من تمهيد لوضع الجزائر ما بين حكم الأتراك العثمانيين وحكم الاحتلال الفرنسي، وهما حكمان مستبدان مع اختلاف في درجة استبداد كل منهما وطبيعته ووسائله وأساليبه كما ذكرت ذلك شواهد التاريخ .
لقد خرجت الجزائر من حكم استبداد عثماني دام قرونا إلى حكم الاحتلال الفرنسي الذي دام قرنا من الزمان وثلاثة عقود وسنتين وقد تركا آثارا سيئة وجروحا نفسية عميقة في نفسية الشعب الجزائري الذي انتقل بعد استقلاله عن الاحتلال الفرنسي إلى حكم استبداد شرذمة عسكرية من صنع ومخلفات الاحتلال الفرنسي وهي شرذمة استغلت ثورة الشعب الجزائري وركبتها ، وجنت ثمارها ، ونصب أعضاؤها أنفسهم أوصياء عليها وعلى الشعب ، وامتطوا ظهره ، واجتهدوا في تضليله لعقود وهو يردد شعارات الثورة من أجل إلهائه وشغله عما يعيشه من واقعه مرير أعقب فترة الاحتلال الفرنسي وهو الذي كان يحلم إلى جانب حلمه بالحرية والانعتاق بحياة كريمة ورفاهية في ظل الاستقلال ببلد يزخر بالذهب الأسود والغاز ومختلف الثروات المعدنية ، فضلا عما حباه به الله تعالى من طيبات جنات تجري من تحتها الأنهار .
ولما كانت شرذمة العسكر التي آلت إليه الأمور وفيها من كانوا مجرد ضباط صف في جيش المحتل الفرنسي فإنه لم يكن لديهم تكوين أو دراية بتدبير شؤون البلاد تدبيرا يحقق الرفاهية للشعب المتطلع إلى حياة كريمة بل ظلوا يعزفون على أوتار ثورة نوفمبر و يشحذون حماسه وافتخاره بها ، وكانت النتيجة أنهم أوهموه بأن أجواء هذه الثورة لا نهاية لها ، وحاولوا طمس معالم هويته الإسلامية واستبدالها بهوية بديلة مستوردة بحكم ارتمائهم بين أحضان المعسكر الشيوعي الاشتراكي ، واختلقوا له عدوا جديد هو الجار الشقيق المغرب الذي احتضن ثورة تحريره بشهادة التاريخ مستغلين حماسه الثوري ونافخين فيه عقدة شمم الأنوف يطربونه بها لإلهائه عن استبدادهم وعن الواقع المرير .ولم يهدأ لهم بال حتى أشعلوا حرب الرمال وقد حاولوا تصويرها للشعب على أنها مواصلة لحرب التحرير لإخفاء حقيقة تاريخية وهي إصرارهم على الاحتفاظ بما اقتطعه المحتل الفرنسي من أراضي المغرب وهو الذي كان يحلم بتمديد حدود بلاده جنوب المتوسط وهو ينوي البقاء في الجزائر الفرنسية ليكون قريبا من كل مستعمراته الإفريقية إلى الأبد كي سنهب خيراتها ومقدراتها لصنع رفاهية شعبه الذي نشأ وتربى على عقلية الاحتلال لقرون ، ولا زال كذلك في تعامله مع شعوب المستعمرات الافريقية ينتشي بنهب خيراتها واستغلال كل مواهب شعوبها بما فيها العلمية وحتى الرياضية ويصنع بها أمجاده .ولم يقف عداء الطغمة العسكرية للمغرب عند حد حرب الرمال مع استمرار التحرش به في محيطها الجغرافي بين الحين والآخر بل استغل استرجاعه لأقاليمه الجنوبية بعد جلاء الاحتلال الإسباني عنها ، وفبرك ما سماه شعبا صحراويا لم يكن له وجود ولا مسمى بهذا النعت إن هم إلا رعايا مغاربة بشهادة وثائق تاريخية لا مجال للطعن فيها تثبت ارتباطهم بوطنهم المغرب ، وتم احتجازهم فيما اقتطعه الاحتلال الفرنسي من أرض المغرب بمنطقة تندوف ، وحشر آلاف الأفارقة من جنوب الصحراء معهم لتمرير دعوى وجود شعب صحراوي . وقد تمت هذه المؤامرة القذرة في فترة الحرب الباردة بين المعسكر السوفياتي والمعسكر الامريكي وكان الصراع بينهما على أشده من أجل تمديد كل منهما مناطق نفوذه ، واستغل حينئذ الروس الشرذمة العسكرية في الجزائر لحملها على اختلاق مسرحية الشعب الصحراوي الهزلية وشغل الشعب الجزائري بها عن واقعه المرير وعن مشكل الوقوف في طوابير طويلة لساعات في انتظار رغيف خبز أو جرعة حليب في وقت تصرف مليارات الدولارات على التسلح من أجل تنمر الطغمة العسكرية المستبدة به على الجار الشقيق ،وترويض شعب في أمس الحاجة إلى حياة كريمة ورفاهية تصنعها مقدرات وخيرات وطنه على إضمار وإظهار الحقد والعداء الشديدين لشقيقه المغربي الجار الذي كان معه في خندق واحد إبان فترة الاحتلال الفرنسي البغيض .
وإذا ما عرضنا النظام الجزائري على مؤشرات الاستبداد كما حددها المفكر الكواكبي نجدها واضحة المعالم لا غبار عليها وهي كالآتي :
1 ـ بالنسبة لمؤشر الاستحواذ على السلطة وعلى صنع القرار وتعطيل إرادة الشعب ،لا يمكن أن يجادل أحد في كون الطغمة العسكرية منذ استحواذها على مقاليد السلطة في البلاد تقف سدا منيعا دون أية تجربة ديمقراطية. ولما أتيحت فرصة لأول تجربة واجهتها الطغمة بأخس مؤامرة من أجل خنقها في مهدها، وترتبت عن ذلك ما سمي بالعشرية الدموية التي سقط فيها من الضحايا ما يعادل ضحايا حرب التحرير أو يفوقها ، وكانت الطغمة المستبدة هي صانعتها وعلقت مسؤوليتها على الإسلاميين الذين راهن عليهم الشعب من أجل التخلص من القتلة والسفاحين . ولا زال الفارين خارج الجزائر يقرون بهذا، ويكفي أن نذكر منهم العربي زيتون المقيم ببريطانيا و الذي له فيبديوهات شبه يومية تفضح استبداد وإجرام الطغمة العسكرية .
2 ـ بالنسبة لمؤشر التعامل مع الشعب الجزائري كقطيع الأمر في غاية الوضوح حيث لا زال هذا الشعب ضحية تسويق الطغمة الحاكمة لملحمة حرب التحرير و هي تركبها وتستغلها للتشبث بالسلطة أطول مدة ممكنة ، وهذا ما كان ليحصل لولا نسبة إشاعة الجهل بما يحدث في كواليسها ، وهو تجهيل متعمد كان دائما هو طوق نجاة الطغمة للبقاء في السلطة .
3 ـ بالنسبة لمؤشر التضييق على أهل العلم والمفكرين وتهديهم إما بالاعتقال أو بالتصفية الجسدية ،فإن الأمثلة كثيرة وتكفي الإشارة إلى تصفية بعض الدعاة والتضييق على البعض الآخر . ولا زال الداعية علي بلحاج يعتقل كل مرة ،وهو اليوم رهن الإقامة الجبرية ،وما أكثر الدعاة الذين يعيشون في المنافي بعد العشرية الدموية .
4 ـ بالنسبة لمؤشر استغلال الدين في محاولة مكشوفة لإضفاء الشرعية على استحواذ الطغمة على السلطة ، نجد حضور الدين في الجزائر يقتصر على تنظيم الطغمة حفلات دينية في بعض المناسبات تسوق إعلاميا للشعب ويحضرها من الطغمة من يعلم الشعب علم اليقين أنهم لا يكاد السكر يفارقهم ، ولا يعرف عنهم تدين أو أدنى حس ديني ، أو قيام بشعائر دينية وهم المتشبعون بالفكر العلماني الإلحادي المزمن.
5 ـ بالنسبة لمؤشر الاستحواذ على عوائد خيرات ومقدرات البلاد، فحدث ولا حرج ، والأخبار الرائجة عن تهريب الطغمة الأموال الطائلة خارج الوطن لم تعد خافية على الشعب ، ومن الشهود على ذلك بالأدلة الدامغة ما ينشره المحامي المنفي في بريطانيا العربي زيتوط الذي يستقي معلوماته من مصادر مطلعة . ومن تبذير الطغمة أموال الشعب صرفها على تسليح وعربدة عصابة البوليساريو الإرهابية والإجرامية .
6 ـ بالنسبة لمؤشر إشاعة الخوف والإرهاب ،لا يخفى تصدي الطغمة بالقوة والقمع لكل محاولة تجمع شعبي من أجل المطالبة بأبسط الحقوق من قبيل توفير لقمة العيش أو فرص شغل لمواجهة شبح البطالة الكارثية . ولا شك أن ما يحدث في منطقة القبائل خير دليل على إرهاب الطغمة الذي لولاه ما كانت ساكنة القبائل تطالب باستقلالها .
7 ـ بالنسبة لمؤشر استخدام المتمجدين على حد تعبير الكواكبي وتوظيفهم لتلميع ما لا يمكن تلميعه من الصورة الشائهة للطغمة نشير إلى قنواتها التلفزية التي لا شغل لها ليل نهار سوى النهش في لحوم المغاربة . ومن أساليب الطغمة في الإساءة إلى المغرب النفخ في نعرة كرة القدم من خلال تجييش وتحريض أذناب الطغمة من المحسوبين على إعلام » الصرف الصحي » كما يسميه الأستاذ عبد القادر كترة شريحة عريضة من الشعب وإلهاب مشاعر العداء للمغاربة وذلك في كل مناسبة كروية عربية أو إفريقية أو دولية ، وقد كثر بسبب ذلك ذباب يقع في مجاري الإعلام الكريه . وتكفي الإشارة إلى المدعو حفيظ دراجي الواصف الرياضي بالقناة الرياضية القطرية الذي لم يعد لديه شغل سوى تدوينات وقحة ومسيئة للمغرب إرضاء لأسياده في الطغمة المستبدة.
ولو كان المفكر المصلح السوري عبد الرحمان الكواكبي حيا بيننا اليوم لخصص للطغمة الحاكمة في الجزائر فصلا من كتابه » طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد » يكشف من خلاله أسوأ استبداد على الإطلاق بسبب العشرية الدموية التي جعلت أنظمة مستبدة أخرى تحاكيها وتحذو حذوها وهي جاثمة على صدر الشعب الجزائري الذي طال عهده بانتظار فجر يشرق بديمقراطية يكتب لها النجاح والنجاة من الإجهاض في المهد كما حدث من قبل .



Aucun commentaire