وقفة لمحاسبة الضمائر وبث الحياة فيها من جديد بخصوص ظروف إجراء امتحانات شهادة الباكلوريا دون غش

وقفة لمحاسبة الضمائر وبث الحياة فيها من جديد بخصوص ظروف إجراء امتحانات شهادة الباكلوريا دون غش
محمد شركي
جرت العادة في بلادنا أنه كلما حل موعد الامتحانات الإشهادية الخاصة بشهادة الباكلوريا في المستويين الأول والثاني يتداول الرأي العام الوطني موضوع ظروف إجراء هذه الامتحانات ، وتتولى الجهات الإعلامية على اختلاف أنواعها إذاعة وإشاعة هذا الرأي بغض الطرف عن طبيعة وحجم نسبة مصداقيتها وتمثيلها لنبض الشارع.
ومما أثير خلال الامتحانات الأخيرة موضوع حرص الوزارة الوصية على الشأن التربوي على محاصرة ظاهرة الغش التي لم تخل منها من قبل امتحانات سابقة بل نكاد نقول أنها صارت جزءا من ثقافتنا ملازمة لامتحاناتنا الإشهادية لمباريات طلب التوظيف عندنا .
والجديد في عملية محاصرة الغش هذه السنة هو الاعلان عن عزم الوزارة استعمال تقنية رصد الأجهزة الخلوية لدى الممتحنين ، وهي عملية قلل البعض من فاعليتها بسبب بعض الحالات التي لم تضبط فيها بعض الهواتف المحمولة كما أخبرتني بذلك إحدى الممتحنات حيث مل كاد يمر وقت قصير على عملية المراقبة بجهاز الرصد أو الكشف حتى رن جرس هاتف بجيب أحد الممتحنين ، فضجت قاعة الامتحان بالضحك . ولا شك أن مثل هذا قد يكون وقع في مؤسسات أخرى في طول البلاد وعرضها، الشيء الذي يعني أن العملية الاستباقية لمحاصرة ظاهرة الغش لم تكن فعالة كما يجب ،وهو ما قد يعني أن عمليات الغش بواسطة الهواتف ربما تكون قد حصلت ، وأنها ربما استعملت لربط الاتصال بعناصر متورطة في عمليات الغش خارج مراكز الامتحانات . ومما صرحت به نفس الممتحنة أن أحد الممتحنين ضبط معه هاتف نقال ومعه جهاز آخر وسماعة كان يخفيها في أذنه وقد تم إيقافه ومنعه من مواصل الامتحان .
والمفارقة أن الممتحنين الذين استاءوا من استعمال جهاز الرصد أو الكشف واعتبروا ذلك استفزازا لهم، بل منهم من حمل أصحابه مسؤولية التشويش على ذاكراته وعلى حفظه وتركيزه ، اشتكوا في نفس الوقت من تشديد الحراسة عليهم ومن عدم السماح لهم بعمليات الغش عن طريق تبادل الأجوبة فيما بينهم ، واتهموا المراقبين بأنهم لم يتعاملوا معهم كما يجب، وسموا السماح بالغش تعاملا كأنهم يريدون إضفاء الشرعية عليه أوكأنهم يعتبرونه قيمة أخلاقية . ولقد وبلغ الأمر بإحدى الممتحنات التي نشر لها فيديو أنها اشتكت من مراقبة لم تسمح لزميلة لها بمساعدته ، وختمت كلامها بقولها : » الله يأخذ الحق « ، فصار الغش عندها حقا شكت حرمانها منه لله تعالى .
. و بالمناسبة أذكر يوم كنت مراقبا تربويا مكلفا بمهمة ملاحظة الامتحانات أني صادرت بأحد مراكز الامتحان بمديرية جرادة ما يزيد عن خمسمائة قصاصة غش في هذه المادة ، وقد وافقت بها المدير الإقليمي بومئذ .
إن انعدام الضمير الحي خلال حراسة الامتحانات عن طريق غض الطرف عن ظاهرة الغش تحت مبرر التعاطف مع الممتحنين عبارة عن تورط مكشوف في ظاهرة الغش ، ويعتبر ذلك من الحراس تطبيعا معها ومساهمة في استفحالها ، بل هي خيانة لله تعالى و للأمانة وللأمة وللوطن يحاسب عنها الله تعالى في الآخرة إذا ما أفلت أصحابها من الإجراءات العقابية والتأديبية في الحياة الدنيا .
وغير خاف على أحد أن السكوت على غش الناشئة المتعلمة يربيها حتما على التطبيع معه، الشيء الذي جعل البعض يعتبرون أنه قد صار بالفعل من خصائص ثقافتنا بل صار حقا مشروعا يلام عليه من يمنعونه ، بينما يثنى الثناء الحسن على من يساعدون عليه ويساهمون فيه .
ولو كنا كأمة مسلمة نحترم مرجعيتنا الإسلامية لخشي من يمارسون الغش أو يساعدون عليه أو يسكتون عليه سكون الشياطين الخرس أن تشملهم براءة الله تعالى وبراءة رسوله صلى الله عليه وسلم منهم كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام : » ليس منا من غشنا » ،وقد قال هذا لبائع عرض طعاما للبيع، فجعل اليابس منه في الأعلى والذي أصابته السماء في الأسفل حتى لا يراه الناس ليدلس عليهم بخلط هذا بذاك .
و معلوم أنه لا يختلف الغش في معاملة دون أخرى بما في ذلك الخضوع للامتحانات والمباريات . وكل من نال شهادة أو دبلوما عن طريق الغش مهما كان نوعه أو حجمه ، فإن شهادته أودبلومه يبطلان بموجب قاعدة ما بني على باطل فهو باطل . وهنا أذكر يوما أن أحدهم أخبرني عن رجل تربية وهو خطيب جمعة مارس أسوأ أنواع الغش في امتحان الباكلوريا حيث اجتاز الامتحان نيابة عنه شقيقه في مادة اللغة الفرنسية ، فقلت له إن وظيفته وما اكتسبه منها كله سحت، وخطبه كلها باطلة سيأثم بها ويحاسب عليها لأنه ينضوي تحت صنف الذين يكبر مقت الله منهم لأنه يقولون ما لا يفعلون .ومن المبررات الواهية لممارسة الغش وشرعنته أن يقول قائل إن الجميع يغش فلماذا لا أكون مع الغاشين ، وأعرض نفسي للخسارة
ولا يجب أن يغيب عن الأذهان أن من ينالون الشواهد والدبلومات من ناشئتنا المتعلمة عن طرق الغش سيظل الغش ملازما لهم طول حياتهم، يلجئون إليه كلما أرادوا الوصول إلى ما ليس لهم بحق ،وبذلك يصير عندهم دأبا وعادة ، بل يصير بالنسبة إليهم ضرورة لا مندوحة لهم عنها، وهؤلاء هم من الخونة الذين يخنون الله تعالى و يخنون رسوله عليه الصلاة والسلام ، ويخونون أمانتهم ويخونون وطنهم و يخونون مواطنيهم .
فمتى با ترى ستحاصر ظاهرة الغش في الامتحانات عندنا ، ومتى ستربى ناشئتنا المتعلمة التربية الصحيحة على مناهضة ومقاطعة الغش بكل أنواعه وأشكاله وأساليبه ؟ ومتى ستكون هذه الناشئة في مستوى قيمها و مرجعيتها وثقافتها الإسلامية ؟؟؟
وأخيرا نقول إن إدانة الغش في قطاع التربية هو إعداد لجيل المستقبل الذي سيتولى تدبير أمور هذا الوطن بكل إخلاص وصدق وتفان وجد وهو إن شاء الله تعالى رهاننا وأملنا والمعول عليه في نهضة مباركة مأمولة .



Aucun commentaire