Home»Islam»حديث الجمعة : (( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ))

حديث الجمعة : (( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ))

0
Shares
PinterestGoogle+

حديث الجمعة : (( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ))

محمد شركي

يستمر الحديث عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل ، وحديث هذه الجمعة منطلقه قول الله تعالى في الآية الكريمة التاسعة بعد المائة التي ختمت بها سورة يونس : (( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين )) ،فالخطاب هنا موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم علما بأن الخطاب الموجه إليه من الله عز في الغالب  يتضمن إشارات إلى بعض صفاته وأحواله عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، وبناء على هذا يعتبر أمر الله تعالى له في هذه الآية الكريمة باتباع ما يُحَى إليه دليلا على أن من صفاته وأحواله أنه كان متبعا للوحي لا يخالفه ولا يحيد عن توجيهاته الشيء الذي يدل على استقامته على صراط الله المستقيم .ولما كان عليه الصلاة والسلام إسوة وقدوة للمؤمنين فإنه يلزمهم  بالضرورة ما لزمه عليه الصلاة والسلام  من اتباع للوحي دون مخالفته .

ومعلوم أيضا اتباع الوحي يقتضي بالضرورة الصبر على هذا الاتباع ، وكذا الصبر على إعراض من يبلغ إليهم فيرفضون اتباعه تأسيا واقتداء بالرسول المبلغ عن رب العزة جل جلاله . ويفهم من أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه بالصبر أن من صفاته وأحواله أنه كان صبورا على الاتباع وصبورا على ما يواجهه في التبليغ ، كما يفهم من قوله تعالى : (( وهو خير الحاكمين )) أن من صفاته وأحواله أيضا أنه كان معتمدا ومتوكلا على الله تعالى في حسن  اتباعه  الوحي و في حسن تبليغه عن الله عز وجل، وأنه كان  راضيا بحكمه سبحانه موقنا  بقضائه وبعدله ، وموقنا بأنه منصور أيضا ، فهذه الصفات والأحوال المتضمنة في الآية الكريمة موضوع هذا الحديث تعتبر مثالا لمثلها في كثير من الخطاب الموجه إليه من رب العزة جل جلاله ، ويجب الوقوف عندها عند التدبر.

أما صفة المتبع فهي  مرتبطة بوظيفة النبوة والرسالة وتدل على تلقي الوحي دون تصرف فيه بل تبليغه كما تلقاه عليه الصلاة والسلام . ولقد كان المشركون يطلبون منه تبديله كما أخبر بذلك الله عز وجل في الآيتين الكريمتين الخامسة عشرة  والسادسة عشرة من سورة يونس حيث قال جل شأنه : (( وإذا تتلى عليهم آياتنا قال الذين لا يرجون لقاءنا اِئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم  قل لو شاء ربي ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون )) ،هكذا أُمرِ رسول الله صلى الله عليه وأسلم أن يرد على المشركين متبرئا مما أرادوا منه وقد أقنعهم بما كان عليه حاله قبل أن يوحى إليه وهم شاهدون على ذلك لا يمكنهم التنكر له ، ويترتب عن هذا أنه لا يحق لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن  يبدل شيئا مما بلغه عن ربه عز وجل أو يأتي بغيره . والحجة التي أقامها الله تعالى على المشركين وهي لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمرا لم يبلغهم شيئا خلاله هي حجة قائمة على الناس جميعا إلى قيام الساعة  إذ لو كان الأمر عكس ذلك لما سكت المشركون، ولعلم حتما من يأتي بعدهم بذلك وهو ما لم يحصل .ومما يؤكد مصداقية هذه الحجة الدامغة هو وصف المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم  قبل أن يوحى إليه بصفة الأمين ، ولهذا ترتبط صفة الرسول المبلغ بصفة الأمين ضرورة ، وهي أعلى مراتب الأمانة وأقدس الأمانات، لهذا ينعت جبريل عليه السلام بأمين الوحي  الذي بلغه لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

وترتبط أيضا صفة الصبور المتضمنة في الآية الكريمة موضوع الحديث بمهمة الرسالة إذ هي صفة ضرورية لا مندوحة عنها لأن التبليغ في حد ذاته يشمل أوامر ونواه ليس من السهل أن يتقبلها من تبلغ إليهم وقد ألفوا حياة خالية منها لذلك يصعب عليهم قبولها وهو ما يتطلب ممن يبلغها  لهم الصبرعلى ردود أفعالهم التي كانت عن تكذيب وسخرية واستهزاء واتهام بالجنون وبالشعر وبالسحر…. وهلم جرا . ومن صفة الصبر ألا ييأس المبلغ ممن يبلغهم رجاء إقناعهم بقبول الوحي مهما طالت مدة التبليغ ، ولعل نبي الله نوح عليه السلام لما ييأس من قومه  ويدع عليهم إلا بعد ألف سنة إلى خمسين عاما.

وأما صفة الرضى بحكم الله تعالى واليقين بعدله وبنصره  فهي أيضا مما تستدعيه مهمة الرسالة إذ بها تحصل الطمأنينة للرسول المبلغ كيف لا وهو على صلة مباشرة بخالقه يتلقى عنه الوحي ؟

مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تنبيه المؤمنين عند تدبرهم كتاب الله عز وجل  إلى ما يتضمنه خطابه لرسوله من صفات وأحوال تفهم ضمنيا كما جاء الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث ، وفي أحاديث سابقة من هذه السلسلة .

والأمر الثاني الذي يجدر تنبيههم إليه هو ما يتطلبه وما يقتضيه تأسيهم واقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم من انضباط بما جاء به الوحي الذي بلغه إليهم عن رب العزة جل جلاله . ومن تأسيهم واقتدائهم أن يبلغوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغه لهم دون تصرف فيه مهما كان نوع هذا التصرف الذي يخشى أن يدخل تحت طائلة التبديل أو التغيير خصوصا ونحن في زمن يستهدف فيه  بعض ما نص عليه الوحي بسبب أهواء أو أغراض دنيوية بالإعراض أو باللف والدوران. ولعل ما تناقلته وسائل الإعلام مؤخرا خير دليل على ذلك إذ زعم مسؤول كبير عن الشأن الديني ـ ياحسراتاه ـ أن رسول الله قد بعث هاديا ولم يبعث غازيا ، وفي هذا القول ما ينفي جهاده وغزواته عليه الصلاة والسلام كما ورد ذكرها في الوحي، وكما يجب أن تبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويقاس على مثل  هذا التصرف المرفوض في الوحي  وغير المسؤول كل تصرف مثله ، وما أكثر مثيله في زماننا هذا الذي صار الوحي قرآنا وسنة يعرض عن بعض ما جاء فيهما إرضاء للأهواء والأغراض الدنيوية التي لم تعد خافية على ذي بصر وبصيرة ، ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم .

اللهم إنا نعوذ بك من أن نقول في وحيك ما لا ينبغي لنا أو أن نخفي شيئا منه كما بلغه رسولك الكريم عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام . اللهم زدنا تدبرا لكتاب الكريم، وزدنا علما به ، وزدنا إيمانا بتلاوته .

اللهم انصر من نصر دينك واخذل من خذله .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *