Home»Islam»معاشر المسلمين إن استبدالكم الذي هو أدنى بالذي هو خير ثقافيا مغامرة وخيمة العواقب ( الحلقة الأولى )

معاشر المسلمين إن استبدالكم الذي هو أدنى بالذي هو خير ثقافيا مغامرة وخيمة العواقب ( الحلقة الأولى )

0
Shares
PinterestGoogle+

 معاشر المسلمين إن استبدالكم الذي هو أدنى بالذي هو خير ثقافيا مغامرة وخيمة العواقب  ( الحلقة الأولى )

محمد شركي

يجمع من عرفوا الثقافة  من أهل الاختصاص أنها عبارة عن بوتقة تنصهر فيها المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والقوانين والمعارف والفنون وأنماط العيش وأنماط السلوك وأنماط التفكير… وباختصار هي خليط مما هو مادي وما هو لامادي، وهي مكتسبة يكتسبها أفراد المجتمعات البشرية ،وتنتقل  بينهم عبر الأجيال المتعاقبة ،وهي بذلك تحدد هويتهم التي تميزهم عن بعضهم البعض.

ويختلف  أصل لفظة  » ثقافة  » في اللسان العربي عن مقابلها  في اللسان اللاتيني، ففي هذا الأخير تدل  ماديا على عملية فلاحة أو زراعة الأرض ، ومن هذه الدلالة المادية استخدمت معنويا للدلالة عما سموه ارتقاء الفكر أو الروح،  بينما تدل ماديا  في اللسان العربي  عن عملية تقويم الاعوجاج ثم استخدمت معنويا للدلالة على الفطنة والحذق والتمكن والفهم  والمهارة  وصلاح السلوك والآداب .وبالرغم من اختلاف أصل هذه اللفظة في اللسانين فإنهما يلتقيان في دلالتها المعنوية .

ومعلوم أن الله عز وجل قد كرم الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات التي تشاركه  فيما هو بيولوجي  وغريزي، بينما يتميز عنها بالمكتسب الثقافي ، وإذا ما تخلف هذا الإنسان ثقافيا  فإنه  ينحدر إلى مرتبة  تلك  المخلوقات ، ويطلق عليه  حينئذ نعت إنسان الطبيعة .

وتختلف الثقافات البشرية حسب اختلاف المعتقدات التي هي عبارة عن قاطرة تجر العربات التي هي مكونات الثقافة  المشار إليها أعلاه. وغالبا ما تنعت الثقافات بأسماء المعتقدات أو تنسب إليها . والمعتقدات عبر التاريخ البشري لا تزيد عن ثلاثة أنواع  :

1 ـ  نوع منطلقه الإقرار بوجود إله متفرد بالوحدانية ومتميز بأسماء حسنى وصفات مثلى .

2 ـ  نوع منطلقه الإقرار بتعدد الآلهة واختلافها .

3 ـ نوع منطلقه الإلحاد بنفي الألوهية كليا.

وتتأثر الثقافات البشرية حسب هذه المنطلقات العقدية الثلاث  ، وتتميز عن بعضها البعض  في مكوناتها ، وقد تتقاطع أحيانا دون أن يؤثر ذلك في تمايزها . ومن الثقافات الإنسانية الثقافة الإسلامية التي منطلقها عقيدة التوحيد  ،وهي قديمة قدم وجود الإنسان على سطح هذا الكوكب حيث يعتبر أول إنسان  الذي هو نبي الله آدم عليه السلام  هو وزوجه حواء مكتسبين ثقافتهما من توجيه الله تعالى كما ينص على ذلك القرآن الكريم . ولم يحد أو ينحرف عن هذه الثقافة إلا نسله من بعده ابتداء  من  حادثة قتل ابنه  قابيل ابنَه هابيل ثم ما تلاها من حوادث مماثلة كان لها تأثير  في الانحراف عن ثقافة آدم عليه السلام الإسلامية ، وهو انحراف امتد وتواصل عبر تاريخ البشرية وهو متواصل إلى يوم الناس هذا ، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها .

ومن أسباب انحراف الثقافة الإسلامية انحراف المعتقد من وحدانية الإله إلى تعدد الآلهة أو إلى نفي الألوهية كليا . ولقد قص علينا القرآن الكريم أخبار انحراف الثقافات البشرية  عبر التاريخ بفعل انحراف المعتقد . ومعلوم أن عقيدة التوحيد تصون الثقافة من الانحراف بما ضمّنه الله تعالى في رسالته الخاتمة من توجيهات لتحقيق هذه الغاية  إلا أن التفاعل بين البشر على اختلاف معتقداتهم عمّق انحرافها.

  والجدير بالذكر أن الله تعالى أخبر في القرآن الكريم عن وحدة عقيدة التوحيد لدى جميع المرسلين  الذين أرسلهم لتبليغه إلى من بعثوا فيهم  حيث نعتهم  جميعا بالمسلمين تصريحا وتلميحا  مع ما كان في شرائعهم من اختلاف مرده طبيعة أزمنتهم وبيئاتهم.  ولقد طرأت على عقيدة التوحيد شوائب الشرك الصراح عند بعض الأمم  التي بعث فيها رسل وأنبياء مسلمون وذلك من قبيل نسبة الولد لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وهذا الذي طرأ على عقيدة التوحيد  عند تلك الأمم كان له أثر واضح في ثقافاتها، فتسرب إلى ثقافة الأمم المسلمة الموحدة إما عن طريق الاحتكاك والتساكن والتجاور والتعايش أو عن طريق الغلبة والقهر والاحتلال والاستعباد .

وتمر اليوم الثقافة الإسلامية في بلاد الإسلام بأزمة انحرافها عما كان يجب أن تكون عليه انطلاقا من عقيدة التوحيد غير المشوبة بشوائب الشرك وذلك في عالم صار  ينعت بالقرية الصغيرة بسبب يسر التواصل فيها بين كل أمم المعمور .

ولنعد الآن  للحديث عن مكونات نسيج الثقافة الإسلامية  انطلاقا من توجيه عقيدة التوحيد ومرورا بما يستدعيه ذلك من قيم وعادات وتقاليد وقوانين ومعارف وفنون وأنماط عيش وسلوك وتفكير … وغير ذلك من كل  ما يدخل تحت هذا مسمى هذا النسيج مما جاء ذكره مفصلا تفصيلا دقيقا في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يطول عنه الحديث وتسود فيه  عديد الأسفار . والقيم الإسلامية أو الأخلاق يحددها وصف الله تعالى  فيما كان عليه رسوله عليه الصلاة والسلام من عظيم الخلق الذي جعله به إسوة وقدوة للمسلمين على اختلاف أمصارهم وأقطارهم و ألوانهم و أعراقهم وألسنتهم  باعتبار أنهم ينهلون  من نفس المنهل الأخلاقي النبوي ، علما بأنه لا يعدم المسلمون خلقا مما حدده الله تعالى وبلغه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم تنظيرا وتطبيقا  ونقله عنه صحابته رضوان الله عليهم ثم تناقلته عنهم الأجيال المتعاقبة إلى يوم الناس هذا .وكل ما يحيد عن قيم الإسلام الأخلاقية أو ينحرف بها أو عنها إلى غيرها يعتبر استبدالا لما هو خير بما هو أدنى كما  استبدل  من كانوا قبلنا أرغد العيش الذي هو خير بأشظفه الذي هو أدنى.

وبسبب استبدال المسلمين قيمهم الأخلاقية بقيم غيرهم من الأمم خصوصا الغالبة منها على أمرهم  حازوا أدنى المراتب بين الأمم  وقد خلقوا  أصلا لتبوء أعلاها باعتبارهم  خير أمة أخرجت للناس وهي الأمة  الشاهدة عليهم بسمو قيمها التي تسوقها بينهم نظريا وإجرائيا  آمرة بالخير الذي تعرفه الفطرة البشرية السوية ، وناهية عن الشر الذي تنكره .

ولم تنج عادات وتقاليد المسلمين من التأثر بعادات وتقاليد غيرهم من  تلك الأمم الغالبة والمهيمنة ، والمؤسف أنهم يتعاطونها  بقبول وخضوع بل وبتهافت  منصرفين عن عاداتهم وتقاليدهم المنبثقة عن عقيدتهم مستبدلين الذي هو خير منها بالذي هو أدنى .

ولم تنج شريعتهم من سطوة القوانين الوضعية لغيرهم من الأمم الغالبة والمسيطرة ،حتى أن البقية الباقية من شريعتهم المتعلقة بالأحوال الشخصية تم الانحراف بها انحرافا منذرا بتفجير الأسرة نواة مجتمعهم و محضن نشئهم .

ولم ينج أيضا نمط عيشهم من سطوة نمط عيش غيرهم من الأمم الغالية والقاهرة والمسيطرة ، فصار عندهم غاية ما ينشدونه  بل ما يحلمون به منصرفين عن نمط عيشهم الذي حدده الوحي قرآنا وسنة ، وبذلك استبدلوا العيش الذي هو أطيب بما أحل الله تعالى بالعيش الذي  هو أخبث بما حرم الله تعالى .

ولم ينج أيضا نمط تفكيرهم من سطوة نمط تفكير غيرهم من الأمم الغالبة والقاهرة والمسيطرة، فصاروا عبيدا لهذا النمط الغريب عن نمط تفكيرهم الناهل أصلا  من الوحي كتابا وسنة ، وبذلك استبدلوا الفكر النير الموجه بتوجيه الله عز وجل  بالفكر المعتم ، وقد اقتنعوا بما أقنعهم به الغالبون على أمرهم  والقاهرون لهم  فوقر في أنفسهم أن فكرهم  هو المعتم وأن  فكرغيرهم  هوالنير الذي يجب أن يحتذى  ويقتدى به لدفع تهمة  الإعتام  والتطرف عن فكرهم .

ولم تنج أيضا معارفهم من سطوة معارف القاهرين لهم على معارفهم التي كانت بشهادة التاريخ نبراسا لعموم البشرية ، والتي لا زالت  لحد الساعة عبارة عن تراث جله مخطوط  وهو معتقل في مكتبات وخزانات ومتاحف القاهرين والمسيطرين.

وليس حال فنونهم بأفضل من حال معارفهم وقد طالتها أيضا سطوة فنون القاهرين المسيطرين التي  يضفى عليها نعت العالمية ، بينما تقبع فنون المسلمين في درك أسفل بالرغم من الآثار الماثلة  والشاهدة على ريادتها والتي لا يسع المنصفين من عقلاء وعلماء تلك الأمم سوى الإشادة بها واعتبارها إرثا حضاريا عالميا .

ونقف في هذه الحلقة عند هذا الحد وسنخصص الحلقة الثانية  إن شاء الله تعالى لسرد نماذج  حيّة من الانحرافات التي طالت ثقافتنا الإسلامية ،والتي تشهد على أننا في حالة خضوع واستسلام لثقافات الأغيار حيث  استبدلنا ما هو خير بما هو أدنى ، وكان ذلك عقوبة لنا  كما عوقب من كان قبلنا حين استبدلوا ما هم خير من رزق بما هو أدنى .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *