عن أي قوة ضاربة يتحدث تبون؟!

منذ أن جيء به إلى رئاسة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية كواجهة مدنية لنظام الكابرانات في الجارة الشرقية، وعبد المجيد تبون يكاد لا يتوقف البتة عن وصف بلاده ب »القوة الضاربة »، حيث أنه لا يخجل من أن يكرر ذات الوصف بتباه في معظم خرجاته الإعلامية. ففي معرض كلمته الافتتاحية خلال لقاء الحكومة والولاة في شتنبر 2021، قال: « إن الجزائر قوة ضاربة، والعالم كله يعرف قوتها إلا بعض الجزائريين، الذين يقزمون الوطن وينتقدون الوضع ولا يعترفون بإنجازات الدولة » وربما كانت هذه المناسبة هي الوحيدة التي لم يقحم فيها « المروك » إلى جانب الجزائريين الذين لا يعترفون لبلادهم بقوتها…
ترى كيف للجزائر أن تكون قوة ضاربة وقد كشفت تفجيرات البليدة التي تزامنت مع زيارة بابا الفاتيكان ليون 14 التاريخية لها، عن هشاشة الوضع الأمني والاستخباراتي؟ إذ أنه وفي تطور لافت وجدت الجزائر نفسها فجأة يوم الاثنين 13 أبريل 2026 أمام حادث أمني غير معتاد، وهي التي لم يمض كثير من الوقت عن خطاب سفيرها الممثل الدائم لدى الأمم المتحدة « عمار بن جامع » أمام مجلس الأمن في دجنبر 2025 الذي انتقد من خلاله المنظومة الأممية الخاصة بمكافحة الإرهاب، ودعا إلى تطويرها عبر الاستعانة من تجربة بلاده واتخاذها نموذجا يحتذى به في مكافحة ظاهرة الإرهاب على الساحة الدولية، زاعما أنها تعيش في استقرار تام وقادرة على تأمين البلاد والعباد من الأخطار والأشرار…
ولم يكن حتى أشد المتشائمين يتنبأ بإمكانية حدوث مثل هذه الهجمات الانتحارية في الجزائر بالنظر إلى القبضة الأمنية والعسكرية، وخاصة في مدينة البليدة التي تقع على بعد حوالي 50 كيلو متر من العاصمة الجزائرية وفي مثل هذا الظرف بالذات، كما أنها ليست وحدها من هزت الرأي العام الجزائري والدولي، إذ كشفت بعض المصادر الموثوق بصحتها عن حدوث ضربات متباعدة في كل من « خنشلة » التي شهدت بدورها أربعة انفجارات في أماكن متفرقة، بالإضافة إلى انفجار آخر داخل مستودع في برج بوعريريج، بينما اختار إرهابي آخر تسليم نفسه للسلطات العسكرية ببرج باجي مختار، وهو يحمل رشاشا من نوع « كلاشنيكوف » وكمية من الذخيرة…
وهي الأحداث التي اضطرت معها ليس فقط وزارة الخارجية البريطانية إلى تحذير مواطنيها الموجودين في الجزائر ودعوتهم عبر بيان عاجل إلى ضرورة توخي الحيطة والحذر والالتزام بتوجيهات السلطات المحلية وعدم السفر إلى عدة جهات هناك، ولاسيما المناطق الحدودية مع دول ليبيا والنيجر وموريتانيا وتونس، بسبب استمرار المخاطر المرتبطة بالإرهاب وأنشطة الميليشيات المسلحة، بل حتى وزارة الخارجية الألمانية قامت هي الأخرى بتوجيه تحذيراتها في 15 أبريل 2026 لمواطنيها، داعية إياهم إلى عدم السفر إلى الجزائر، حفاظا على سلامتهم وأرواحهم. وهو ما يعكس تنامي حالة الخوف في الأوساط الأوروبية من الوضع الأمني المهزوز في الجزائر.
ورغم غياب أي تفسير رسمي والتزام الإعلام الجزائري الصمت تجاه الواقعتين اللتين أصبحتا ثابتتين، سارعت العديد من المنابر الإعلامية العربية والأجنبية ذات المصداقية مثل وكالة الأنباء الفرنسية وغيرها إلى تأكيدهما، وخاصة أن هناك صورا وفيديوهات لكاميرات المراقبة المثبتة توثق لتوجه شخصين نحو مقر أمني ومصنع للمواد الغذائية، وقيامهما بتفجير نفسيهما، كما لم يفت بعض المارة من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم صدفة في محيط موقعي التفجيرين، التقاط صور أشلاء المهاجمين وأجساد الضحايا بكاميرات هواتفهم…
فأين نحن من قول الرئيس تبون بأن الجزائر « قوة ضاربة » في ظل ما حدث من اختراق أمني خطير في توقيت جد دقيق وحساس، يرجح أن يكون أمر ذلك الهجوم الانتحاري المزدوج بواسطة عبوات ناسفة مرتبطا بأشخاص انتحاريين ينتمون إلى تنظيمات متطرفة، والذين عادة ما يوصفون ب »الذئاب المنفردة »، لكونهم يشتغلون في صمت ويقومون بالتخطيط والتنفيذ المباغت بصفة شخصية؟
وفوق هذا وذاك، وبعيدا عن هذه التفجيرات الإرهابية التي أخرست أفواه الكابرانات ومعهم الإعلام الجزائري الرسمي، الذي لا يكف عن التحرش بالمغرب وترويج الأكاذيب والإشاعات حول نظامه الملكي، كيف يمكن للجزائر أن تكون « قوة ضاربة » حيال فشل النظام العسكري الجزائري في تزويد الأسواق بالمواد الغذائية الحيوية اللازمة والكافية، حيث تكاد واجهات معظم المحلات التجارية لا تخلو من طوابير، تعكس حاجة المواطنين الجزائريين إلى اقتناء أبسط المواد الأساسية من حليب وزيت وغيرهما؟ وهل من المنطق في شيء أن يرتمي عشرات المئات من شباب « القوة الضاربة » في عرض البحر، يحذوهم الأمل الكبير في عبور المتوسط نحو الحلم الأوروبي، رغم تشديد السلطات الجزائرية التدابير القانونية الخاصة بالهجرة غير الشرعية؟
على الرئيس الجزائري « تبون » والواقفين خلفه من كابرانات العسكر أن يدركوا جيدا أن الجزائر في عهدهم تراجعت كثيرا ولم تعد بتلك القوة التي كان ينبغي لها أن تكون عليها لو أنهم انسحبوا في صمت وعادوا لثكناتهم. إذ فضلا عن كون الجزائر غنية بمواردها الطبيعية، وتمتلك احتياطات هائلة من النفط والغاز الطبيعي وثروات معدنية متنوعة مثل الفوسفاط والحديد والزنك، فإنها مازالت في حاجة أكثر إلى إنهاء حكم العسكر الذي ظل جاثما على الصدور منذ استقلالها عام 1962، إعادة السيادة للشعب الجزائري ومنحه كامل الحرية في اختيار ممثليه وقادته، سعيا إلى إرساء أسس حكم مدني يساهم في تحقيق التداول الديمقراطي للسلطة وحكم القانون والمؤسسات الدستورية الحقيقية…
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire