حكيم زياش..رياضي فذ حاول أن يُراوغ الصمت العربي

مصطفى قشنني

في زمن تساقطت فيه الأقنعة عن وجوه المدعين، وتكشفت حقائب السياسيين الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس من المنصب أو المال أو الخوف، يبقى السؤال الأخلاقي الأعمق: من يملك الحق في التعبير عن إنسانية الإنسان؟ ليس الفيلسوف في برجه العاجي، ولا السياسي في قاعة مغلقة، ولا رجل الدين على منبره المرتفع. أحياناً، يكون الرياضي – نعم، ذاك الذي يُظن أنه محصور في مستطيل أخضر يلهو بكرة – هو الأصدق تعبيراً عن الروح الإنسانية حين تخونها كل الأصوات.
حكيم زياش، ذلك الشاب المغربي القادم من أقصى تافوغالت بجبال بني يزناسن، الذي أتقن فن المراوغة على أرض الملعب، فاجأ العالم حين قرر أن يراوغ الصمت العربي الرسمي المخزي، وأن يواجه بكل جرأة آلة القتل الصهيونية التي تقف خلفها حكومات كبرى وإعلام ضخم. لم يكن ملزماً بذلك. كان بإمكانه أن يبقى في فقاعة كرة القدم، أن يلهو بالكرة ويجني الملايير ويصمت، كما يفعل تسعة وتسعون بالمئة من نجوم الرياضة الذين باعوا أصواتهم لرعاة الموت. لكن زياش اختار أن يكون استثناءً. اختار أن يدفع ثمن موقفه، أن يعيش العزلة في زمن الخذلان الجماعي، أن يكون صوتاً لمن صمت عنهم الجبابرة.
وما قام به بن غفير، وزير الأمن القومي الصهيوني، من استصدار قانون يبيح قتل الأسرى الفلسطينيين، ليس مجرد جريمة حرب موثقة، بل هو انكشاف كامل للوجه الحقيقي لهذا الكيان الذي لا يؤمن لا بالقانون الدولي ولا بالأخلاق الإنسانية. إنه تجسيد للهمجية المتوحشة التي ترتدي بدلة رسمية وتجلس على كرسي السلطة. وفي مقابل هذا الوحش السياسي، يقف زياش الرياضي كإنسان بسيط، لا يحمل سلاحاً ولا يملك قراراً سياسياً، لكنه يملك ما هو أعمق: الشجاعة الأخلاقية.
هنا تكمن المفارقة العميقة: سياسيون عرب كُثُر، بألقابهم الضخمة وصالاتهم المفروشة، لم يستطيعوا أن ينطقوا بكلمة حق واحدة، أما زياش فنطق. دبلوماسيون محترفون، دربوا على الخطاب والمراوغة الدبلوماسية، لم يقدروا على تجاوز حسابات المصالح الضيقة، بينما لاعب كرة قدم عبر بموقفه عن إرادة شعب بأكمله. أليس هذا دليلاً على أن الأخلاق ليست حكراً على أصحاب الشهادات والمناصب؟ أليس هذا دليلاً على أن الصدق الإنساني قد يسكن قلب شاب يركض خلف الكرة أكثر مما يسكن داخل دهاليز السلطة؟
الرياضة، أيها السادة، ليست مجرد لعبة. هي مرآة تعكس قيماً أعمق: النبل، والروح الجماعية، والالتزام بالقواعد، والاعتراف بالآخر حتى في لحظة الهزيمة. حين يخالف رياضي هذه القيم داخل الملعب، يُطرد ويُعاقب. لكن حين يخالف سياسي كل القيم الإنسانية خارج الملعب، يُكرّم ويُصفق له! الرياضة تحاسب المخالف، والسياسة تكافئ المجرم. هل هناك انقلاب أخلاقي أشنع من هذا؟
لطالما قال الفلاسفة: “الرياضة تهذيب للنفس قبل أن تكون تهذيباً للجسد”. والآن نرى هذا التهذيب متجسداً في زياش الذي أظهر أخلاقاً لا يملكها كثير من المفكرين. إنه يذكرنا بمواقف محمد علي كلاي حين رفض الحرب على فيتنام، ومواقف تومي سميث وجون كارلوس برفع قبضة السود على منصة التتويج. هؤلاء الرياضيون دفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم، لكن التاريخ سجلهم في سجل سفراء الإنسانية، بينما طوى صفحات الجبناء والمنافقين.
الموقف الذي عبر عنه زياش ليس مجرد تغريدة أو تصريح عابر. إنه موقف وجودي. إنه إعلان أن هناك أشياء أثمن من الشهرة والمال، وأن الكرامة الإنسانية لا تُباع ولا تُشترى. في زمن أصبح فيه التطبيع مع القاتل فضيلة، ومعاداة الظلم جريمة، يأتي زياش ليقلب المعادلة: المجرم هو من يقف مع المجرم، والبطل هو من يقف مع الضحية مهما كان الثمن.
إنني لا أهتم بكرة القدم، كما قلت، لكنني أهتم بكل إنسان ينتفض في وجه الطغيان. أهتم بكل صوت يعلو في زمن الخذلان. أهتم بكل موقف يعيد تعريف البطولة بعيداً عن الأضواء والجماهير. زياش لم يحرز هدفاً في مرمى الظلم، بل سجل هدفاً في تاريخ الضمير الإنساني. هدف لا تمحوه الرياح ولا تطفئه مياه النسيان.
لذا، أيها السياسيون الجبناء، أيها الدبلوماسيون الباردون، أيها المفكرون الصامتون، تعلموا من رياضي كيف تكون الإنسانية. تعلموا منه أن القيم ليست شعارات ترفع في المؤتمرات، بل مواقف تدفع ثمنها. فإذا لم تستطيعوا أن تنطقوا بكلمة الحق، فاذهبوا إلى الجحيم الذي تستحقونه، واتركوا لنا زياش وأمثاله ليكونوا نجوماً تضيء لنا طريق الأمل في هذا الزمن المعتم.
https://respress.maالمصدر



Aucun commentaire