أكرهك في الصحراء،وأقدرك في السماء

رمضان مصباح

الكبوة لا تُسقط الفارس:
متابعة ردود الفعل المغربية في « الملتيميديا » ،بخصوص الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، مُبادَءةً من اسرائيل والولايات المتحدة ،أصابتني بالدوار :
كيف التبس الأمر على البعض ،حتى ألقوا بجرائم اسرائيل في غزة – ودماؤها لم تجف بعد – في زوايا النسيان،وطاروا الى ايران ،مع من طار اليها مدمرا ومغتالا؛مساندين قطع رؤوس نظام الملالي ،المدنية والعسكرية، دفعة واحدة ؛في سابقة لم يشهدها العالم من قبل؟
وفرحين بتدمير مؤسسات ومقدرات دولة ايران الاسلامية ،ذات الحضارة الضاربة في التاريخ بآلاف السنين؛وبعبارة أخرى 1776م تغير عدوانا على 550 ق.م
وعلى بنت 1948 أن تخجل.
يرشح من أغلب التعليقات المتهافتة جهلٌ مطبق بهذا النظام – حيث الولاية للفقيه – حاضره وماضيه وقناعاته وطموحاته ؛إلا ما هو قائم من معاداة وحدتنا الترابية ،مُصطفا الى جانب الجزائر قولا وفعلا .
طبعا لا يمكننا إلا أن نَسعد بهذه الروح الوطنية ،وهذا الاستحضار للتوجيه الملكي السامي ،القاضي بأن علاقتنا مع الخارج كله ،تمر عبر الموقف من صحرائنا؛ لكن هذا لا يعني التوقيع على بياض في ماعدا هذا،بمعنى:
تناصرني في قضيتي ،أناصرك في كل شيء تأتيه،وأشد حتى على يديك الملطختين بالدماء،ان أجرمت؛ وإذا عاديتني في قضيتي ، »فقد خالف دربك دربي وانتهى ما كان مِنا » كما عبر الشاعر ايليا أبو ماضي.
لا حرمة لك عندي، ولا فضيلة ولا قضية ؛حتى ولو ناخ عليك كَلْكلُ الظلم والتسلط.
وحتى لو ظهرتَ ،في مواقف،مُعاديا لعدوي ؛وحتى شاكي السلاح ،بطلا، في معاركك معه.
ما قصد التوجيه الملكي هذا أبدا ؛وهو الموجه أصلا لدول أوروبية لازمت المنطقة الرمادية –البين بين – حتى وهي تربطنا بها علاقات تاريخية واقتصادية وثقافية ،تَرْجُح فيها استفادةً كفَّتُها كفَّتَنا؛ وطبعا ليست ايران منها.
وكما يعرف الجميع لم يكن القرار الملكي ضربا في حديد بارد؛اذ سارعت دول غربية كبرى الى الافصاح عن موقفها ،قولا وفعلا؛مما أوصل الى الوضعية الحالية المريحة جدا ؛رغم كونها فاتحة مرحلة حُبلى بالصعوبات (من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر)كما فسر المرحوم محمد الخامس الاستقلال.
عدوُّ عدوي..
تشتغل الدول وفق منطق المصالح الآنية الضيقة ، و الكبرى الإستراتيجية ؛ وهو منطق بارد وصارم ،لا يقع بالضرورة ضمن خرائط الشعوب المفعمة ذاتية وحماسة.
هذا ما يفسر صمود التطبيع مع اسرائيل –مغربيا وعربيا- رغم حرب الابادة الشاملة التي شنتها ضد غزة ،غير مميزة بين مهاجميها – وهم أصحاب حق تاريخي- وسائر المدنيين ؛مركزة على الأطفال والنساء ،في ابادة سافرة لمستقبل الفلسطينيين.
ورغم أن اسرائيل الآن هي غير اسرائيل التي طبَّعت معها بعض الدول العربية ،فان اتفاقيات ابراهيم جارية وستتوسع.
كانت راغبة في الخروج من رقعتها الضيقة ،في وِدٍّ وحتى بيعة(حالة وفدها في المملكة)؛وهي اليوم دولة ابادة غاشمة ،ودولة توسُّع صوب الخريطة التوراتية:
من النهر الى النهر(الفرات والنيل).
ورغم هذا لم تبدل الدول المطبعة ألوانها ؛وقد كانت تأمل ،ولا تزال،أن تُثمر العلاقات مع المحيط العربي –في ما تثمره – حق الشعب الفلسطيني في دولته وعلى أرضه.
وكأن لسان حالها يقول:ما لم يحققه شروق الحروب، سيحققه غروبها ؛لتشرق سلما وتنمية وحضارة بين أبناء العمومة.
فليبق هذا قائما ،على مستوى الدول ؛أما الشعوب فلا يمكن أن تتغير مواقفها ،ما لم تسمع جعجعة وترى طحينا.
وعليه فعداء الشعوب لإسرائيل ،وقد احتد،يقوي موقف الدول المطبعة ،وليس العكس؛بل ويحمل حتى اسرائيل على تغيير نهجها ؛مادام التطبيع الحقيقي هو ما يقع بين الشعوب.
ايران الأبية:
هي بدورها تشتغل على القضية الفلسطينية ،لكن وفق ايديولوجيتها وطموحها الاقليمي ؛وهنا كل الفرق.
بل كل الصراع بينها وبين دول عربية ،ترى فيها الخطر الأكبر من الصهيونية.
فحينما نادى منادي التطبيع ،تنادت هي مع أذرعها لنسف « العرس » واختطاف العروس.
وجرت الأمور كما نعلم الى أن وصلنا الى :
*غزة مدمرة بالكامل.
*شعب بدل الدولة أصبح همه الأول العولة (الغذاء)
*اسرائيل استبدلت مخالب القط بمخالب النمر؛راحلة الى التوراة بحثا عن خرائطها.
*دول عربية طبعت مع القط فإذا هي أمام نمر متعطش للدماء.
*حرب اقليمية شرسة ،ستتوفر لها أسباب العالمية،عاجلا أو آجلا.
*رئيس أمريكي يصنع حروبه خارج الكونغرس ؛دون أن يكون مهددا من أي قوة خارجية.
*ايران « البُوا » المتجددة الرؤوس.
كيف نتصرف مغاربةً ؟
نتوفر على هامش حرية مهم جدا ؛اذ لم يحدث أن انتصبت الدولة معاقبة لأحد على رفضه للتطبيع.
وهذه حكمة يجب أن تُفهم ،كما بينت.
من حقنا أن نواصل كراهيتنا لإسرائيل ،الموغلة في العرقية والإبادة.
وكما نقدر نوايا دول التطبيع ،ازاء الفلسطينيين ؛ومراهنتهم على العوامل الداخلية والخارجية التي ستجعل اسرائيل – مستقبلا – تعاود زخم التطبيع ،محققة رغبة الجميع في السلام ؛علينا أن نقدر ،بل نعتز، بصمود ايران ،وهي تقاوم العدوان الثنائي ،المرشح للاتساع.
وهذا لا يُفسد لعداوتنا لها في الصحراء قضية؛وهي عداوة أصبحت غير ذات موضوع ،مادام نقاش الحكم الذاتي وصل الى اللجان القنية.
ولعلها بدورها ستضطر ،بتأثير الحرب، الى الحد من طموحها الاقليمي ؛خدمة لتحقق دولة فلسطين الفلسطينية حقا .
أما الولايات المتحدة فمؤسساتها كفيلة بكبح جِماح رئيسها ،اذا بدا لها أن حروبه تَمتحُ من عقيدة رعاة البقر ،ليس إلا.
ان القوة الدولية الكبرى –اقتصادا وعسكرة – لا يمكن أن تطلق النار على أرجلها،ولو أمر رئيسها .



Aucun commentaire