حديث الجمعة : (( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليه من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ))

حديث الجمعة : (( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليه من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ))
محمد شركي
لا زال الحديث متواصلا عن صفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد ذكرها في القرآن الكريم، والتي تعكس جوانب مختلفة من عظمة خلقه الذي نوه به الله تعالى . وحديث هذه الجمعة يتعلق بما جاء في الآية الكريمة التاسعة والستين من سورة المائدة التي قال فيها الله عز وجل مخاطبا رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام : (( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين )) ، ففي هذه الآية الكريمة ذكر حال من أحواله عليه الصلاة والسلام تتعلق بمهمة الرسالة التي أكسبته صفة المبلغ عن رب العزة . ولقد ابتدأت الآية الكريمة بنداء يتضمن الصفة الملازمة لشخص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي صفة الرسول الحامل لرسالة من الله عز وجل إلى العالمين . وتلا النداء أمر من الله تعالى لحامل رسالته المنزلة عليه بتبليغها وهو إيصالها تامة كاملة غير منقوصة ولا مسكوت عن شيء منها . ولقد ورد في كتب التفسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما يكون قد خطر له ألا يبلغ لأهل الكتاب يهود ونصارى ومن كان يواليهم من المنافقين ما في رسالته من تقريع لهم وفضح لما كانوا عليه من سوء تدين ومن فساد اعتقاد … إلى غير ذلك مما يسوءهم سماعه ويحملهم على إيذائه والكيد به . وقد نبهه الله تعالى إلى الانصراف عن هذا الذي خطر له لأنه رسول مأمور بتبليغ ما كلف بتبليغه كاملا غير مسكوت عن بعضه لأي اعتبار مهما كان ، وأن ذلك من تمام أداء الرسالة المنوطة به، وأنه سبحانه تعهد بعصمته من كل من يريد به سوءا ممن يخشى كيدهم ومكرهم وأنهم لن يهتدوا أبدا إلا ما يريدونه من سوء به نظرا لهذه العصمة الربانية التي تتعهده بالحفظ .
ولقد أدى رسول الله صلى الله عليه الرسالة التي أمر بتبليغها على أكمل وأتم وجه بشهادة القرآن الكريم الذي تلاه الناس زمن النبوة وسائرالأزمنة التالية له ، وسيتلى إلى قيام الساعة وفيه ما أخبر به الله تعالى عن أهل الكتاب من يهود ونصارى ومنافقين ممن كانوا منحازين إليهم وهم يخفون عداءهم لدين الإسلام . ولقد ورد في كتب التفسير أن قوله تعالى : (( فإن لم تفعل فما بلغت رسالاته )) أن الأمر لا يتعلق بعتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحظي والمكرم عند الله عز وجل بل يتعلق بصرفه عن الشعور بالحرج أو التردد من تبليغ ما يكرهه أهل الكتاب والمنافقون رغبة في استمالتهم إلى الهداية بدافع ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من رحمة شملت العالمين جميعا . ولقد قضت إرادة الله عز وجل أن يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم عنه ما أراد أن يعرف ويكشف عن أولئك حتى يعلم بأمرهم أو شأنهم المؤمنون فيحذروا شرهم وكيدهم .
ولا يمكن أن يخطر ببال أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئا مما أمر بتبليغه ونفس السورة التي ورد فيها أمره بالتبليغ ورد في الآية الكريمة الثالثة منها قوله الله تعالى : (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )) وهو ما ينفي قطعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم التبليغ التام والكامل لما أنزل إليه من ربه سبحانه وتعالى .
ومع ثبوت هذا الأمر بما لا يدع مجالا لأدنى شك، فإن بعض المنحرفين عن جادة الإسلام وهم من المحسوبين عليه ادعاء يزعمون أنه يوجد قرآن غير هذا المتداول بين الناس منذ البعثة النبوية وقد حفظ في الصدور وفي الصحف ، والله تعالى الذي لا يخلف وعده قد تعهد بحفظه حيث قال في الآية الكريمة التاسعة من سورة الحجر : (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) . وكل من زعم وجود قرآن آخر غير الذي بين أيدي المسلمين اليوم فهو في حكم من ينكر وينفي أو يشكك في تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوحي إليه كاملا تاما غير منقوص وهو ما يعتبر تجاسرا على شخصه الكريم وسوء أدب معه وحساب من يفوه بذلك عند ربه يوم العرض عليه .
مناسبة حديث هذه الجمعة هو أولا تذكير المؤمنين بصفات وأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وردت في كتاب الله عز وجل ويتعلق الأمر بتبليغه ما أوحي إليه على الوجه الكامل ثم تحذيرهم وتنبيههم إلى ما قد يروج من افتراء عنه صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ ما أنزل إليه كاملا تاما ،وأن بعض ما أنزل إليه لا زال مغيبا ، وأنه سيكف عنه النقاب غيره في آخر الزمان إلى غير ذلك من الأوهام الباطلة .
ومما تجدر الإشارة إليه في حديث هذه الجمعة تنبيه ورثة النبي صلى الله عليه وسلم وهم العلماء على وجه الخصوص إلى التأسي والاقتداء به في التبليغ عنه تبليغا تاما غير منقوص خصوصا وهم المتصدرون لتسديد التبليغ وعدم السكوت المتعمد عن بعض ما جاء في كتاب الله عز وجل احترازا من إغضاب من يخشون إغضابهم من الناس وذلك عملا بقول الله تعالى في الآية الكريمة التاسعة والثلاثين من سورة الأحزاب : (( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا )) ، ويلحق بهؤلاء العلماء الدعاة والخطباء والوعاظ ممن هم دونهم علما ومرتبة ، فإن لم يفعلوا فما بلغوا .
اللهم إنا نسألك أن تحفظ لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأن تعفو عن كل تقصير صادر عنا في هذا الشهر الفضيل الذي جعلت ختام صيامه وقيامه عتقا من النار جودا وكرما منك يا جواد يا كريم .
اللهم كن وليا لعبادك المؤمنين المرابطين في بيت المقدس وأكنافه فإنهم يتعرضون لمؤامرة خبيثة لا يحبطها إلا أنت يا قوي يا عزيز ، اللهم عجل لهم بفرج قريب من عندك يكون فيه عز لدينك .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



Aucun commentaire